الذكرى 33 لاستشهاد القائد أبو جهاد الوزير – نضال حمد

من الرملة في فلسطين المحتلة الى الشهادة في سيدي بوسعيد في تونس الخضراء..

في السادس عشر من نيسان – ابريل سنة ١٩٨٨ قامت وحدة من الكوماندوس الصهيوني باغتيال القائد الفلسطيني الكبير خليل الوزير – أبو جهاد- في ضاحية سيدي بوسعيد بالعاصمة تونس. يقول أحمد دلبح في كتابه ( فتح ستون عاماً من الخداع) أنه في نفس: “الليلة التي تمت فيها عملية الاغتيال، كان جرى سحب أفراد الحراسة على منزل أبو جهاد وقطع الكهرباء عن المنطقة المحيطة بالمنزل والطريق المؤدية له مما يشير إلى ضلوع طرف داخلي في مؤامرة الاغتيال”.  فقد تبين فيما بعد أن أحد المسؤولين الأمنيين التوانسة كان متورطاً في عملية الاغتيال. وربما كان هناك عملاء فلسطينيين أيضاً لهم دور في العملية التي فاجأت الجميع واستطاعت اغتيال أحد أهم قادة الثورة الفلسطينية المعاصرة.

كان خليل الوزير شخصية مهذبة ومتواضعة وعملية جداً. وكان رجلاً شجاعاً ومقاتلاً ميدانياً ولم يكن يحب التصنع والإدعاء ولا الكذب والتمثيل والنفاق. كان يعمل باخلاص وجد وتفاني لأجل فلسطين والوحدة الوطنية الفلسطينية. كما كان له موقف من نهج التسوية الذي كان آخذ في التمادي والاتساع داخل أطر فتح القيادية وفي أطر وسياسات المهيمنين على منظمة التحرير الفلسطينية. الذين يمكن اعتبارهم الآن هم أنفسهم من سطوا على المنظمة وفتح والثورة الفلسطينية وخانوا العهد والأمانة والشهداء واستسلموا للأعداء. لكنه كان يعارض بصمت وهدوء وحكمة ومن الداخل ودون ضجيج. كلني شوق لقراءة كتاب بحسب الكاتب والكادر الفتحاوي السابق معين الطاهر، كان الشهيد كتبه ونشره ومن ثم سحبه من التداول بناء على رغبة او ضغوطات من المرحوم ياسر عرفات. ترى هل سيرى هذا الكتاب ذات يوم النور؟.

باغتيال القائد أبو جهاد الوزير ومن قبله ماجد أبو شرار وسعد صايل – أبو الوليد وقبلهم كمال عدوان وأبو يوسف النجار وبعدهم أبو اياد وأبو الهول. عملياً مهد الصهاينة الطريق لاغتيال حركة فتح العامود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية. مما سهل حركة القيادة الرخوة لكن المتنفذة في فتح. تلك القيادة زدات رخاوتها تأثيراً على الحركة بالأخص بعد فقدانها لمجموعة هامة من قادتها الذين كان لديهم الجرأة والقدرة على مواجهة سطوة الراحل ياسر عرفات في فتح والمنظمة. لكن بعد موتهم واستشهادهم لم يعد هناك من يواجه أو يقول لا في حضرته. حتى عندما حصل التصويت على اتفاقية اوسلو داخل اللجنة المركزية لفتح ةبالرغم من معارضة قادة كبار مثل الشقيقين بلال وهاني الحسن وفاروق القدومي أبو اللطف، كان أبو عمار هو الفائز الأكبر خاصة عندما منحه أبو ماهر غنيم صوت الترجيح التاريخي، الذي بفضله أقرت اتفاقية اوسلو الاستسلامية، الانهزامية والكارثية. ربما كان ذلك اليوم هو يوم الثالث (الختمة) باللهجة الشعبية في المخيمات والبلدات الفلسطينية. ثالث يوم على وفاة حركة فتح كحركة وطنية فلسطينية. فاليوم الأول كان يوم اغتيال أبو جهاد والثاني يوم اغتيال أبو اياد وأبو الهول والثالث يوم التصويت الفتحاوي في اللجنة المركزية على خيار سلام الشجعان المهين والمعيب والمخزي.

باغتيال هؤلاء وهم من مؤسسي وقادة فتح الأوائل والأقوياء أصبحت الساحة الفتحاوية مفتوحة على كل الاحتمالات ومعها الساحة الفلسطينية كذلك. لأنها كانت للأسف الى حد كبير مرتبطة بقوة فتح وهيمنتها على منظمة التحرير الفلسطينية وعلى كافة مؤسساتها من أصغر مكتب او بعثة أو سفارة في العالم الى المجلسين الوطني والمركزي والصندوق القومي واللجنة التنفيذية.

في نفس الوقت كانت الفصائل الأخرى ضعيفة وهزيلة في مواجهتها لنفوذ وتفرد وهيمنة فتح ولم ترتقي في يوم من الأيام لتلك المواجهة الحاسمة، مع أنه في مراحل معينة كان بإمكانها عبر التكتل في اطار واحد جامع حسم الصراع الداخلي لصالح القوى اليسارية والثورية الجذرية في المنظمة. فقوة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وشعبيتها الكبيرة والاحترام الكبير الذي كان يكنه لها الشعب العربي الفلسطيني ولقيادتها، مع قوة الفصائل الأخرى التي شكلت جبهة الرفض ثم جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية في سبعينيات القرن الفائت رداً على توجه قيادة المنظمة وفتح نحو الحل السلمي، يعني (اوسلوستان هذه الأيام)، كان بإمكانها تغيير المعادلة. لكنهم فشلوا ولم ينجحوا لأنهم كانوا غير حاسمين ومترددين عكس فتح التي كانت حاسمة وغير مترددة في خياراتها. والتي كان همها إحكام السيطرة على المنظمة والقرار الفلسطينيين. بالاضافة لسيطرتها على المال والمؤسسات كافة.

يوم تم تشييع الشهيد أبو جهاد الوزير الى مثواه الأخير في مقبرة شهداء فلسطين بمخيم اليرموك قرب دمشق شاركت جماهير فلسطينية غفيرة في التشييع. وتم دفنه هناك بناء على رغبة عائلته. بالرغم من الخلافات السورية – الفلسطينية العاصفة في ذلك الوقت من الزمن. ولم يمض وقت طويل على جنازة القائد الشهيد أبو جهاد الوزير حتى شهد مخيم اليرموك جنازة أخرى ممثالة للشهيد القائد طلعت يعقوب أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية الذي توفي يوم 17-11-1988 وتم دفنه بجوار الشهيد أبو جهاد الوزير وفي جنازة شعبية مماثلة.

يوم احتلت عصابات التكفير والاجرام العالمي مخيم اليرموك بمساعدة بعض أبناء مخيم اليرموك الضالين والمرتدين، قام هؤلاء بنبش وتدمير قبور الشهداء ومن ضمنها قبور الشهداء القادة الفلسطينيين. فهؤلاء التكفيريون لا يعتبرون شهداء الثورة الفلسطينية شهداءا لأنهم يحتكرون الشهادة على أمثالهم من مدعي الايمان والاسلام. ويمكن فعلوا ذلك للبحث عن رفاة جنود صهاينة مفقودين منذ غزو لبنان سنة 1982 ويقال انهم مدفونين في قبور سرية وهمية في مقبرة المخيم. ويقال أيضاً أن الروس يقومون بالبحث عن رفاة الجنود الصهاينة ولا أدري شخصياً صحة ذلك لكنني لا أثق بأحد فيما يخص هذه المسألة.

في ذكرى اغتيال واستشهاد أبو جهاد الوزير ومعه القطاع الغربي وحركة فتح سياسياً ووطنياً ونضالياً وكفاحياً، نجدد العهد نحن أبناء الوحدة الوطنية الحقيقية، وأبناء كامل التراب الوطني الفلسطيني والبندقية المقاتلة، على مواصلة طريق الكفاح حتى التحرير والعودة والنصر.

المجد والخلود للشهيد القائد خليل الوزير – أبو جهاد – ولكل شهداء شعبنا وقضيتنا.

نضال حمد

16-4-2021