الراحلة عذبة حسن خضر، سيرة حياة وكفاح مناضلة فلسطينية عريقة – نضال حمد

الرفيقة عذبة خضر الى عالم الشهداء 

عرفتها مناضلة وامرأة مميزة وصاحبة موقف وصوت عالي أعلى من هامات وقامات رجال تخلوا عن الصوت والبنادق والخنادق. قاومت وناضلت وقاتلت وصمدت وتعبت وتحملت الحياة في مخيمها برج الشمالي – هذا المخيم الذي أنجب فدائيين وشهداء ومناضلين لازالوا يناضلون لأجل تحرير فلسطين كل فلسطين. مخيم صمد وقاوم وقدم البنات والأبناء على مذبح مواجهة الغزو الصهيوني وأعداء شعب فلسطين في لبنان العربي.

كنا في رحلة لزيارة متحف مليتا ومارون الرأس وبنت جبيل وبعض الجنوب اللبناني المحرر والسيّد، المطل على فلسطين.. كنا هناك أنا والشهيد الانموذج الصديق سمير القنطار وكان ضمن الوفد آخرين واخريات من كل الوطن العربي. توجهنا من بيروت عاصمة الكفاح الى الجنوب عاصمة السلاح لإلقاء السلام على الجليل وشمال فلسطين، حيث سلامة الجليل المحتل بعد عدوان تموز 2006 صارت مرتبطة تماما بسلامة جنوب لبنان. هذا كله بفضل مقاومة شعب لبنان وبالذات رجال المقاومة اللبنانية وأبطال حزب الله وحلفائه لبنانيين وفلسطينيين وسوريين وعرب وايرانيين، وقبلهم أبطال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية والقوى الثورية والوطنية الفلسطينية. وفيما يخص حلفاء المقاومة أقصد هنا ايران الثورة وليس ايران المعارضة المدعومة من أعداء الشرق، أي أصدقاء رئيس سلطة اوسلوستان.

كنا يومها بشوق لالقاء السلام على رجال الله في الميدان

على أرض الوطن، جبال وسهول الجليل، حيث يبدو جبل الجرمق من بعيد وعلى سفحه بلدتي الصفصاف.

لنطرح السلام على أبطال الملاحم في الجنوب اللبناني وعلى تخوم الجليل وشمالي فلسطين.

يومها أشع وجه الأخت والرفيقة عذبة حسن خضر ثم تطايرت كلماتها يميناً ويساراً في نقد الجميع، وأعتبرت أنه تم التخلي عنها وعن الشعب من قبل الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث ترك الشعب في المخيمات لمواجهة مصيره بنفسه. كانت غاضبة ولكن هادئة. تكلمت طويلا قبل أن تهبط من الحافلة على مدخل مخيم برج الشمالي مودعة الجميع ببسمة فدائية لا تعرف التعب.

عذبة خضر الفلسطينية التي انتمت لكامل تراب فلسطين من رأس الناقورة حتى أم الرشراش، أبصرت النور العام 1952، من عائلة مناضلة، شرِّدت من فلسطين العام 1948، حيث كانت تقطن بسهل الحولة/ صفد، من بلدة الذوق التحتاني/إصبع الجليل. عاشت في المخيم والقواعد وماتت في المخيم وبين القواعد.

اليوم الثلاثاء الثاني من آب – اغسطس وبعد يوم من عيد ميلاد الراحل الكبير الحكيم جورج حبش قائدها وقائدنا ومعلمنا وحكيمنا وأحد أعظم قادة فلسطين والعرب على الاطلاق. تمضي عذبة التي شهدت أحداث مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا، والتي عاشت مناضلة وفدائية تجوب المواقع والجبال والديان والسهول والشعاب والتلال والقواعد الفدائية في لبنان وبالذات في جنوبه. تمضي المناضلة البارزة، العلامة الفارقة في مخيم برج الشمالي جنوباً الى فلسطين، الى قبر ربما سيطل على الجليل كما يطل قبر الزعيم أحمد الشقيري على فلسطين.

تمضي لتسلم على الشهداء وتقول لهم تصبحون على وطن .. ولتؤكد لهم أنه لا بد من الوطن وأن الذين عاهدوهم ويحافطون على العهد سوف ينظفونه من الزوائد والطحالب، من قادة المصادفة، الذين تسلقوا على أضرحة الشهداء ونصبوا أنفسهم أولياء أمر وأوصياء وممثلون وحيدون لشعبنا وثورتنا. كما سوف ينظفون الوطن  من التكفير والتجهيل والترهيب والتخريب ومن الاحتلال الصهيوني عاجلاً أم آجلاً.

وداعا رفيقة عذبة .. سوف تذكرك دائما البنادق والرايات والخنادق، فدائية من مخيمات شعب فلسطين، وستبقين راية من رايات الثورة في مخيم برج الشمالي ومخيمات شعبنا. نعاهدك ببقاء النهج الثوري مستمرا وباعادة إحياؤه من جديد، لتبقى الثورة وراء العدو في كل مكان وليس قضاء الحياة مفاوضات وتنسيق أمني وتنازلات. نعاهدك بأن لا نقبل بسقوط الفصائل والتنظيمات وأن نعالج الوضع بكل أشكال العلاجات. ففلسطين أكبر من الجميع وستبقى كذلك.

المجد والخلود لروحك ونحن على العهد أوفياء.

 

 

إضافة هامة

نشرت الدكتورة فيحاء عبد الهادي يوم 18-9-2016 مقالة في ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا تتحدث فيها عن المناضلة العريقة الراحلة عذبة حسن خضر. فقد كانت الشهيدة عذبة شاهدة على مذبحة العصر في المخيمين. عقب نشر المقالة المذكورة نشرت تعليقات عديدة من أقارب ورفاق ورفيقات عذبة تتحدث عنها وعن سيرتها الوطنية والفدائية. سوف أضيف التعليقات كما كانت نشرتها الكاتب الفلسطينية فيحاء عبد الهادي.

«عذبة، يا دمعة عيني، تلقيت خبر استشهادك، وكان صاعقة ضربت قلبي، سرعان ما شرد تفكيري إلى زمن الملاحم الثورية، واللقاء الأول بالفدائية الهادئة الفقيرة، ذات الملامح المليئة بالقوة وغنى الروح. في تلك الأيام، تعرَّفت عن قرب بالرفيقة في مخيم الرشيدية، وكنت حينها المسؤول العسكري لمنطقة القاسمية في صور. كان صوتها العذب ينطلق؛ فيعطينا الاطمئنان عن الرفاق والوضع الميداني. صوتها كان إشارة إلى أن الصمود مستمر، وأن العدو لم يحقق أي نصر علينا. نبرة صوتها مملوءة بحتمية الانتصار، رغم مرارة اللحظة، ورغم الشهداء والجرحى.

كانت عذبة تفخر بانتمائها لفلسطين، وللمخيم، وللجبهة؛ طريقاً لفلسطين. كانت شامخة قوية. عاشت ظروفنا التي كنا بها نعاني الأمرَّين، من الفقر والحاجة.

ومع أن المرض كان يتسلل إلى جسدها؛ كانت توزِّع معنويات على رفاقها ورفيقاتها. جريئة، وصافية، ونقية، وملتزمة، وشجاعة، وفدائية حقيقية. مهما كتبت يعجز القلم!

هي كما العديد من رفيقاتنا يعطين بصمت، دون أن يكرمِّهن أحد. إن أفضل تكريم لكِ رفيقتي أنك كنت فدائية صادقة، ثورية بامتياز.

لك الحب، لك الشمس، لك القدس، ولك ميادين فلسطين،

ولا بأس! هذا زمن يكرَّم فيه لفيف آخر غير الفدائيين، فهل يطول هذا الزمن المقلوب؟! نامي في مستقرّك رفيقتي، مع من أعطوا بلا حدود، مع رفاق الدرب: «حكيم الثورة»، أبو علي، غسان كنفاني، وديع، وجيفارا، ومها نصار، وغيرهم. عشتِ فدائية، وارتقيتِ فدائية، لم تتلوَّني ولم تتسلقي، فأنت نجم في سمائنا. لك المجد والخلود، ومنا الوفاء لك، ولكل الشهيدات والشهداء.

د. مريم أبو دقة/ غزة

*****

«رحلت لكنها باقية،

هل لي أن أصدِّق بأنني فقدت شقيقتي ورفيقة الدرب والنضال، دون إنذار مسبق، يمهِّد لي الفراق الذي لم أتوقع أنه سيخطفها مني؟! عذبة، شجرة السنديان، التي لم تنحنِ لأصعب المواقف، ولم تهزمها الحروب؛ بل هزمها المرض العضال، الذي أنهك عزيمتها وقدرتها في أسابيع، بعد أن قاومته بإرادة فذة لأكثر من عامين.

أبصرت النور العام 1952، من عائلة مناضلة، شرِّدت من فلسطين العام 1948، حيث كانت تقطن بسهل الحولة/ صفد، من بلدة الذوق التحتاني/إصبع الجليل.

كانت أول محطة جنوب لبنان، في منطقة جسر أبو زبلة، ثم حي الرَّمل في صور، ومنها إلى البرج الشمالي، حيث المحطة الأخيرة.

هي الشهيدة/ المرأة السمراء، من جميلات فلسطين، عملت في الزراعة خلال مواسم الليمون والبرتقال؛ لتساعد أهلها. كانت محبة للغير ومعطاءة، حنونة وعنيدة بنفس الوقت. تمتعت بشخصية قيادية جريئة، مكَّنتها من التدرج في حياتها النضالية، تركت أثراً إيجابيا عند كل من التقت أو عملت معهم.

أحبت العمل الفدائي، وعشقت النضال من أجل فلسطين، ومن أجل حلمها بالعودة. بعد نضال استمر 7 سنوات مع جيش التحرير الفلسطيني، وفي العام 1976، التحقت بالجبهة الشعبية «الجناح العسكري»، وأشرفت على دورات عسكرية للتدريب، وحين عملت في جهاز اللاسلكي، متنقلة بين قواعد المقاتلين في الجنوب اللبناني؛ امتلكت قوة داخلية وجرأة عالية، مكَّنتها من حمل الأجهزة على ظهرها، والتنقل بالأحراج والمواقع، دون خوف من القصف المتكرِّر للمواقع العسكرية. حوصرت في الجنوب اللبناني أثناء الاجتياح، ولم تغادر؛ حرصاً منها على توريد المعلومات لقيادتها.

تنقلت في معظم مناطق القتال خاصة أثناء الاجتياح “الإسرائيلي” لجنوب لبنان، من الجنوب إلى صيدا، واستقرَّت في مخيم شاتيلا، لتعيش المأساة على أثر مجزرة المخيم، وكانت الشاهد الحيّ على بعض من فصول المجزرة. كما كان لها دور فاعل في العمل الاجتماعي.

كانت مسؤولة لجان المرأة الشعبية لمنطقة صور، وعضواً في قيادة المنطقة في الجبهة، وعضو لجنة شعبية في برج الشمالي، وعضو منطقة في الاتحاد العام للمرأة في الجنوب، وعضواً في المؤتمر الخامس للاتحاد. لم يتحقق حلمها بالمشاركة بالمؤتمر في فلسطين. فارقت الحياة، وهي تحلم بالعودة».

دنيا حسن خضر/ مخيم عين الحلوة – صيدا

*****

«عرفت المناضلة عذبة بجرأتها والتعبير عن موقفها ورأيها، دون حاجة للبحث عن مفردات اللغة، وتدلي بما تراه بوضوح ودون مواربة، وعلى الدوام كان حسها الإنساني يدفعها للتعاطف مع الآخرين وتفهمهم، حتى وإن كانوا ممن يخالفونها الرأي، لـذا فمن عرفها عن كثـب اعترف برهافة حسِّها وتوقها لمساعدة الآخرين».

وليد درباس/ مخيم البرج الشمالي – صور

*****

«خلال المسيرة النضالية، وما تضمنته من معارك واجتياحات ومجازر؛ لم تستشهد عذبة، ولم تخف من الموت؛ بل على العكس لم يتجرأ الموت على شقيقتي عذبة؛ إلاّ بعد أن تمكن منها المرض، فماتت وهي تذكِّرني بالصحابي «خالد بن الوليد»، بطل كل المعارك، الذي مات على فراشه».

وليد حسن خضر/مخيم برج الشمالي – صور

*****

عملت بالعمل السياسي، من خلال العمل العسكري، والعمل الاجتماعي، والعمل النقابي النسوي؛ لكنها أحبت العمل العسكري بكل جوارحها، وأخلصت له. آمنت بقدرات المرأة وإمكاناتها اللامحدودة، على الأصعدة جميعها. وصفت نفسها خلال عملها ضمن جيش التحرير، بأنها كانت كالضابط، وأن الجميع كان يهابها، حتى أنهم لقبوها: «فريد شوقي». وبقي البعض ينادونها باللقب.

عذبة الغالية، المسؤولة العسكرية، الملازم الأول، فريد شوقي، ابنة فلسطين البارَّة،

شغلتِ مواقع عديدة خلال عملك السياسي، وكنت كادراً ملتزماً، وقيادية متميِّزة، وإنسانة رائعة، وشغلت قلوب عائلتك وأصدقائك، أما الشعب الفلسطيني؛ فسوف تشغلين مساحة تستحقينها في قلوب أبنائه وذاكرتهم الجماعية.

آخر تحديث يوم الثاني من أيار – مايو 2021

نضال حمد