الرجل …. الأفعى ؟ – محمد عادل

يتلوى في المواقف مثل الأفعى، ويقسم بأغلظ الأيمان بأنّه الحريص والمؤمن بالقضية
الفلسطينية المقدسة وهو على أتم الاستعداد للتضحية من أجلها ويتحدى، بل ويراهن كل
من يلتقي به بأنّه الأفضل والأحسن والمخلص للقضية، وهو الذي استفاد من كل إمكانيات
الثورة ليدرس ويحصل على الشهادات العالية ؟ بعد أن توفرت له كلّ ظروف الهدوء
والراحة والوقت ليدرس عن أمور ليس للقضية أية علاقة بها، المهم أن يحصل على
لقب أوله حرف” د ” ومن سيسأله في المستوى العلمي الذي وصل إليه، ففي هذه
الأيام أعلى الشهادات أن تؤيد بلا تحفظ من تعمل تحت إمرته أو في تنظيمه أو وزارته،
وتستنكر كل ما لا يعجب السلطة، فالعمل الفدائي ليس وقته والعمليات الاستشهادية تشوه
سمعتنا في الخارج، وفلسطين لم تعد وطن، بل تحولت إلى “أ” و”ب” و”ج” وجدار.
ففي الوقت الذي كان المقاتل العظيم ينام وبندقيته في يده والبرد القارص يلسع جسده
ويصل إلى عظمه كان الرجل الذي يحمل شهادة ” د “: ينام في الغرف المكيفة، ويحمل
صورا ً والبومات لأعماله من أجل الوصول إلى الموقع الذي يسعى إليه، وفي الوقت
الذي كان المقاتل الطيب يكتفي بعلبة سردين وقطعة خبز، كان من لُقّب بالدكتور جليس
أفخر المطاعم وأماكن اللهو، مستمتعا برائحة الشواء يأكل حتى لا يجد مكانا للقمة
واحدة أو جرعة ماء، وينام مثل الخنزير لا يتابع ولا يفكر في أي موضوع تمّ طرحه في
النهار أثناء لقاءا ته مع زملائه.
تسلّق بسرعة إلى أعلى المواقع بعد أن توفرت له كلّ شروط الانتهازية والوصولية التي
أتقنها طوال الفترة الماضية وأزاح من طريقه بعض من اعتقدوا أنّه بحاجة إلى مساعدة،
أصبح حريصا ومحبا ومخلصا لمسئوليه، يحوم حولهم مثل الكلب المقطوع
الذنب، يكيل المدح لهم وينقل لهم تحيات الجماهير والرفاق والأصدقاء على مواقفهم
وجهدهم في الوصول من البيت إلى المكتب بالسيارات الفارهة المكيفة إلى الصحون
اللاقطة، وحتى يكمل عمله الإبداعي لابد من كيل التهم لزملائه ورفاق دربه الذين زاد الحصار عليهم لينقل عنهم ما لم يقولوه، ويحذر من نظراتهم المريبة واحتجاجاتهم الصامتة
نفر منهم زملاؤه، ابتعدوا عنه، نبذوه وهو يدخل إلى غرف مرؤوسيه متسللا ًمطأطئ الرأس رغم أنّه يدّعي بأنه مخلص لزملائه وأن ما يقوم به لزوم المصلحة العامة وتسيير الأمور .
وصل به الجشع والنهم بأن بدأ يأكل مال الشهيد والأسير والجريح والمقاتل السابق
مطالبا بالحرص على مستقبل التنظيم والقيادة قطع بعض المساعدات حرصا على المصلحة والمستقبل متجاهلا ما يراه من بذخ وتبذير مسؤوليه وحاشيتهم، وكان يردد: هذا شيء وذاك شيء آخر. بدأت تظهر عليه علامات التزلف والرياء، تورم وجهه، وزاغت عيناه من فرط توزيع نظراته وادعاءاته، وكبر كرشه وترهل عضلاته، أصبح لا شغل له غير الكيد لزملائه والتزلّف لرؤسائه، تنكر لكل ما تربى عليه، وتناسى كلّ من جاء من أجله، ووجد الظروف مناسبة للانقضاض على كل ما هو جميل، هذا زمن لأصحاب الوجوه المقنعة والمواقف المعلبة والتطوير والتحديث وعدم التهور وزمن العقلاء الذين طارت من قواميس لغتهم كل كلمة لها علاقة بالكرامة والشهامة والأخوة، لم يبق إلا أمثاله يقضون وقتهم في تخريب نسيج المواطن الطيب الصبور والمقهور والصامد والمؤمن، عملهم يهدف إلى تدمير قيم الوفاء والإخلاص والمبدئية في العمل التي تستند لها أنبل قضية ضحّى من أجلها مئات الألوف من الشهداء والأسرى والجرحى والمشردين ؟
قيل له الكثير عما يفعله، نصحه البعض لكنه تمادى في غيّه، كان يكرر أنها فرصة ولا تتكرر
أريد أن أشبع لا أجد من يردعني، بل أجد من يشجعني على إخلاصي وجهدي ودوري،
قال له أحد زملائه يا رجل كلما يزداد جشعك كان على حساب زميل أو صديق لك، كيف تعيش على فتات إخوتك الفقراء الذين ضاقت بهم السبل، وتراكمت عليهم الديون، ولا يجدون مصدر رزق يساعدهم على تخطي أوضاعهم الصعبة، كيف تتجرأ وتخون نظرات الناس الطيبين، يبدو أنّ الجشع والنهم أقوى وعشش في عقول أمثالك!
حضر إليه زميل قديم، وطلب منه مبلغا من المال لشراء دواء بعد أن عجز عن تأمين ثمنه
لفترة طويلة، انقبض قلبه، واصفر وجهه عندما سمع أن زميله يطلب ثمن الدواء، قال له: ولو صحتك ممتازة أنت لست بحاجة إلى دواء، نهض دون أن يستأذن خوفا من أن يحضر أحد ليطلب ثمن أجرة طريق، تغير الحال والزمان، ولم يعد طرح القيم والمبادئ مقبولاً إلا عند من ظل وفياً للثورة وللتراب الذي امتزج بدم الشهداء والجرحى، لم يكن أحد من زملائه يتوقع أن يصل إلى هذا الحال، لعلهم كانوا يعتقدون أن البعض قد يخرج من المسيرة أو يتقاعس، أما ما يرى الآن من نماذج وحالات متوحشة وحقودة وجاحدة تنهش جسد الفقراء والناس الطيبين وتسرق حتى أحلامهم وتنسى أعداءهم فهذا الموقف لم يتوقع أن يصلوا إليه .
على جانب الطريق جلس أحد المقاتلين القدامى وكانت الجراح التي أصيب بها خلال
المعارك مع الجنود الإسرائيليين واضحة على ساقه وقدمه اليسرى، نظر إلى الرجل ذي
الوجه الكالح، وقال بحسرة وتنهيدة طويلة: الوجوه المركبة ليست جديدة على القضيّة.
إنها مرض مزمن لم يتم التعامل معه بجدية، والأصح ترك هذا النموذج ينمو ويترعرع
بدون عقاب إلى أن تولد نماذج أخرى أكثر سوءً ووحشية، لينهش ويقرض كل ما هو جميل ومبدع في جسم الثورة وليطحن كل من دافع عن القيم والأهداف النبيلة والعظيمة.
نموذج شيطاني استوطن المواقع والمراكز من يستطيع أن يعلن الانتفاضة عليه لينظف القضية من كل الأدران والأوبئة التي علقت بها طوال السنوات الطويلة الماضية من…!؟
محمد عادل