الرصاصة .. ورسالة الغضب الفلسطينية – رشاد ابوشاور

بالنسبة إلى أميركا، “إسرائيل” بريئة من دم شيرين أبو عاقلة، والرصاصة مجهولة النَّسَب! وبالنسبة إلى الإدارة الأميركية، “إسرائيل” بريئة من دم الشعب الفلسطيني والقضيّة الفلسطينية.

  • شعرتُ بالزهو والكبرياء والفخر بشعبنا الفلسطيني وأنا أتابع وقائع تشييع جنازة الشهيدة شيرين أبو عاقلة. تدافع آلاف الفلسطينيين حول نعش الشهيدة، ورُفع العلَم الفلسطيني وحده، فلا أعلام فصائل. والهتافات تعبّر عن روح الشعب الفلسطيني، وتتجاوز شعارات الفصائل، التي ذاب حضورها في طوفان الشعب الفلسطيني، الذي جعل نعشَ شيرين أبو عاقلة نقطةَ التقاء لخطاب وطني شامل، لشعب ملّ الانقسامَ، والهتافات المزايدة والمتباينة.. 

قلت في نفسي: وقائع هذه الجنازة تُبشّر بتغيّر ينتظره شعبنا. رأيت في دفاع شبّان فلسطين عن النعش، والتصدي لعدوانية قوات الاحتلال المتوحشة والمنحطّة، على مقربة من الكنيسة، معركةً وطنية تجلّت فيها روح شعب فلسطين، وتراثه الثوري، والذي تجاوز دائماً كل محاولات التفرقة، وزرع الفتنة، وكل مكائد الإنكليز في إبّان الانتداب الذي استمرّ حتى نكبة عام 1948، والتي أدارها منذ بدأ انتدابه على فلسطين. وهو انتداب كان غطاءً لتنفيذ “وعد بلفور”، وزرع الكيان الصهيوني، بإشراف المندوب السامي، هربرت صموئيل، اليهودي الصهيوني البريطاني، والذي أتلف الزراعة، ودمّر الاقتصاد، ونكّل بالفلسطينيين، على مدى خمسة أعوام، هي فترة حكمه فلسطين، وتحكّمه في كل جوانب الحياة الفلسطينية.

مَن انتبه لوقائع الجنازة، على امتداد ثلاثة أيام، فلا بدّ من أن يستبشر بالتغيير المقبل، والذي سيتجاوز الانقسام، ويمضي إلى روح متجدّدة، هي روح الوحدة الوطنية؛ روح رفض انتظار عدل أميركا، وتجاوز “أوسلو” وسلطات الوهم. دانَ الفلسطينيون القاتل، الذي هو جيش الاحتلال المنعدم الأخلاق، وكيان الاحتلال وقياداته، ولم ينتظروا أيّ تحقيق من أي طرف، لأن الجريمة واضحة، والمجرم يمارس جرائمه على مرأى العالم كله ومسمعه.

استرضاءً لأميركا، وطلباً لودّها، سلّمت السلطة الفلسطينية الرصاصة، التي قتلت الشهيدة شيرين أبو عاقلة، إلى الجهات الأميركية لفحصها، وتحديد موقفها تجاه الجريمة. السلطة الفلسطينية تثق بأميركا، بعدالتها، بنزاهتها، بعدم انحيازها، وتعتقد أنه، لكون شيرين أبو عاقلة أميركية الجنسية، فإن الجهات الأميركية ستتخذ موقفاً نزيهاً يدين الكيان الصهيوني بكلام واضح!

من أين توصّلت السلطة الفلسطينية إلى الثقة بالإدارة الأميركية؟ ما هي السوابق؟ ومتى؟ وهل دانت أميركا، مرّةً واحدةً، ممارسات الكيان الصهيوني، وجيش الاحتلال؟ هل دانت جرائم الاحتلال الصهيوني، التي اقترفها بحق الشعب الفلسطيني، مراراً وتكراراً؟ وهل هناك تباينٌ بين انحياز الإدارة الجمهورية وانحياز الإدارة الديمقراطية؟ وهل يتباين رؤساء أميركا، واحدهم عن الآخر، بشأن الانحياز إلى الصهيونية؟ هل تصرُّفُ السلطة ناجم عن رهان مبنيّ على أمل، مفاده أن تُنصف واحدةٌ من الإدارات الأميركية شعبَ فلسطين؟ هل أرادت السلطة إحراج أميركا، لأن شيرين مواطنة أميركية – فلسطينية؟ وهل هناك ما يُشعر أميركا بالإحراج من مواقفها المنحازة إلى الكيان الصهيوني، والمتماهية معه؟ التصرُّف ينمّ عن تساذج، وعن ثقة تُدلّل على جهل، وعدم جديّة في التعامل مع أميركا، عبر إدارتيها المتنافستين في تقديم كل أنواع الدعم إلى الكيان الصهيوني.

الشعب العربي الفلسطيني يعرف ما هي أميركا، عبر تجاربه الممتدة منذ بَدْءِ الصراع، مروراً بالنكبة، والنكسة، وإصدار قرارات الأمم المتحدة. وهو يزداد معرفة بأن أميركا وارثة بريطانيا المجرمة، حتى يومنا هذا، وهي تسلّح الكيان الصهيوني، وتموّله، وتحميه دبلوماسياً، وتَذُود عنه في كل المحافل الدولية، وفي مرّات كثيرة تقف معه في التصويت وحيدةً في وجه العالم!

شعبنا يعرف هذا كله. وأبسط مواطن فلسطيني مقتنع بأن سياسة الاستيطان تدعمها أميركا. ومن يقرأْ كتاب “وسطاء الخداع”، للدكتور رشيد الخالدي، يَزْدَدْ يقيناً بأن أميركا أكثر تشدداً من الكيان الصهيوني في الدفاع عنه، وفي قلب الحقائق، وفي تزييف القرارات الدولية وتمييعها. هل منحتكم أميركا ثقتها بعد إرسال الرصاصة القاتلة، وأثنت على ثقتكم بها، وعبّرت عن شكرها لكم على هذه الثقة باتخاذ موقف صادق، ولو مرّةً واحدة، عبر إدانتها جريمة جيش الاحتلال؟!

بصراحة، أنتم تُسيئون إلى شعبنا، وتسبّبون له أكثر من الحرج. أنتم تُخسّرونه. وهو يزداد فقداناً للثقة بكم. في رسالتها، قالت وزارة الخارجية الأميركية لكم إنها تُرجّح القتل غير المتعمّد. وقال نيد برايس، المتحدّث بلسان الخارجية الأميركية: “بعد تحليل جنائي مفصَّل للغاية، لم يتمكّن فاحصو الطرف الثالث المستقلون، كجزء من عملية يشرف عليها مايكل فينزل، المنسّق الأمني الأميركي، من التوصل إلى نتيجة نهائية فيما يتعلّق بأصل الرصاصة، التي قتلت شيرين أبو عاقلة”.

بالنسبة إلى أميركا، “إسرائيل” بريئة من دم شيرين أبو عاقلة، والرصاصة مجهولة النَّسَب! وبالنسبة إلى الإدارة الأميركية، “إسرائيل” بريئة من دم الشعب الفلسطيني والقضيّة الفلسطينية.. وشيرين أبو عاقلة! ومع ذلك، يوجد فلسطينيون ينطقون باسم شعب فلسطين، سيبقون يراهنون على كسب ودّ أميركا، لأنهم، كأشخاص، في مواقع هم غير جديرين بها. وهؤلاء لن يغضبوا على أميركا مهما فعلت، لأنهم لا يريدون أن يُغضبوها، ويخسروها، ويفقدوا مراكزهم ومكاسبهم، التي هي أبعد ما تكون عن تطلعات شعب فلسطين الوطنية! 

رسالة الغضب التي وجَّهتها أُسرة الشهيدة شيرين أبو عاقلة إلى الرئيس الأميركي بايدن، حملت عنوان: “نشعر بالحزن والسخط والخيانة. إدارتك تبنّت رواية “إسرائيل”، والصمت كان أفضل”. 

كتب عبد الرؤوف أرناؤوط في جريدة “الأيام” الفلسطينية، بتاريخ 09-07 الجاري: “وجّهت عائلة الصحافية شيرين أبو عاقلة رسالة إلى الرئيس الأميركي، جو بايدن، تضمّنت خمسة مطالب، بينها شطب البيان الأخير لوزارة الخارجية الأميركية، والذي برّأ الجيش الإسرائيلي من قتل شيرين خارج نطاق القانون، واللقاء مع العائلة خلال زيارته المقبلة للمنطقة للاستماع مباشرة منها، بصفة شيرين مواطنة أميركية. وقالت العائلة، في رسالتها التي حصلت “الأيام” على نسخة عنها: نحن، عائلة شيرين أبو عاقلة، نكتب للتعبير عن حزننا وسخطنا وإحساسنا بالخيانة إزاء ردّ إدارتكم المرير على القتل خارج نطاق القانون لشقيقتنا وعمتنا على أيدي القوّات الإسرائيلية في 11 أيّار/مايو 2022، في أثناء قيامها (قوات الاحتلال) بمهمة في مدينة جنين الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية. وأضافت الرسالة، التي وقعها شقيق الشهيدة، أنطون أبو عاقلة: كانت شيرين صحافية فلسطينية بارزة ومحبوبة، وكانت قدوة ومرشدة للصحافيات الفلسطينيات الطموحات، وزميلة موثوقاً بها لعدد من وسائل الإعلام المحلية والدولية. كانت أيضاً مواطنة أميركية. وعلى الرغم من ارتدائها الخوذة الواقية وسترة زرقاء مضادة للرصاص، عليها علامة “صحافة”، فإن شيرين قُتلت برصاصة إسرائيلية في رأسها”.

هذا بعض ما جاء في رسالة عائلة شيرين أبو عاقلة، وفيها اتهام واضح لجيش الاحتلال الإسرائيلي، من دون غمغمة، ومن دون نفاق، ومن دون مجاملة على دم شيرين. إنها رسالة فلسطينية تُعبّر عن غضب الشعب الفلسطيني كله. إن رسالة عائلة شيرين أبو عاقلة الفلسطينية وضعت النقاط على الحروف، واتهمت الإدارة الأميركية، ولم تجامل على دم الشهيدة شيرين، ابنة الشعب الفلسطيني، الذي شيّعها بمهابة، وفي حشود جماهيرية، لم يحظَ بها سوى نفر قليل من أبناء الشعب العربي الفلسطيني.

وبعدُ، فإن الزحف في جنازة شيرين وضع علامة فارقة بين الرخاوة السياسية المنافقة والمراهنة على إنصاف أميركي، وجنوح إلى السلام من جانب القيادات الصهيونية المتلاحقة، والتي لم تُبقِ للفلسطينيين أرضاً لدولة، وبين المسار المقاوم والصُّلب لشعب فلسطين المُجرّب، والذي لا يثق بالإدارة الأميركية الصهيونية، ولم يثق يوماً بها. ولقد تعزَّز موقف شعبنا الواعي والخبير، على مدى العقود، بتآمر الإدارات الأميركية، وبتآمر تصريحات بايدن الصهيوني في بيت لحم، والذي منح السلطة مبلغاً مالياً تافهاً، وطلب إليها عدم انتظار دولة في المدى المنظور.. ومحاربة الإرهاب. ولا عجب في أن يكون هذا موقف مَن صرّح مراراً: “أنا صهيوني، ولو لم أكن يهودياً”.

لقد شعر شعبنا، في كل أماكن وجوده، بالإهانة بسبب وجود الصهيوني بايدن في المدينة الفلسطينية المقدسة؛ مدينة السيّد المسيح، الذي صُلب وتُوِّج بالشوك، والذي تعمل الإدارات الأميركية المتلاحقة على صلب شعبه وتتويجه بالشوك، من أجل خاطر “اليهود”. وهذا ما يعرفه شعبنا، وهذا ما هتفت به شعبنا الزاحف في جنازة شيرين: فلسطين عربية.. فلسطين لنا.. وستبقى لنا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصفصاف وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً