الزهرة رائدة عطا ادعيبس 1966 – 1977 – نضال حمد

يقول أحد الأشبال الذين كانوا مع رائدة في ذلك اليوم المفجع والحزين: “رجعنا يومها من القاسمية الى مخيم عين الحلوة مثل الجيش المهزوم”.

زهرة صفصافية لم يكتمل عمرها ولم تعمر طويلا.. عاشت 11 عاماً من عمرها القصير كانت أعواماً قليلة لكنها مليئة بالمحطات الجميلة. فرائدة الفراشة الصغيرة، المتحركة، المتنقلة بين البيت والمعسكر وبين أزهار الدار وزهرات المعسكر والرفاق الأشبال، كانت تحلم بأن تصبح كبيرة بحجم الوطن والقضية. حلمت وعملت واجتهدت لكن القدر لم يمهلها وفاجأها بما كان يخفيه لها ولكل من عرفها.

تلك الطفلة الزهرة رأت النور في منزل عائلتها بحي الصفصاف في مخيم عين الحلوة. كان ذلك سنة 1966 أي سنة واحدة بعد انطلاقة حركة فتح، التي رفعت شعار الكفاح المسلح وحرب الشعب الطويلة الأمد والعودة والتحرير، ولا صلح ولا اعتراف، ولا بديل عن كامل تراب فلسطين. أحبت رائدة كما بنات وابناء جيلها تلك الشعارات، حتى أصبحت كما اللاءات مقدسة من قبل كل فلسطيني وفلسطينية، تمنيا وكافحا لأجل العودة والتحرير واستعادة المنزل والديار في كامل أرض فلسطين. تلك الأرض التي تعلمت رائدة ونحن قبلها، سواء في البيت أو في المدرسة أو في المعسكر، أنها تمتد من الناقورة شمالاً حتى أم الرشراش في أقصى الجنوب. هذه الأرض الكاملة كانت ولازالت فلسطيننا، التي عاهدنا رائدة بعد استشهادها على مواصلة النضال لأجل تحريرها كاملة، ورفض أي تنازل عنها أو عن أي ذرة منها. هذه فلسطيننا، فلسطين أجدادنا وآباءنا وأمهاتنا وفلسطين رائدة، فلسطين كل الشهداء.. أما من له فلسطين غيرها فليذهب الى هناك ويترك لنا فلسطيننا.

رائدة التي تشبعت بحكايات وأحاديث أجدادها وأهلها عن بلدتها الصفصاف، التي تقع على سفح جبل الجرمق في الجليل الأعلى، متجاورة مع ميرون والجش وبيت جن وقديثا بالقرب من الرأس الأحمر وطيطبة وعكبرة وقرى أخرى كثيرة، غير بعيد عن صفد عروس الجليل وتاج مدن شمال فلسطين.

منذ نعومة أظفارها وفي سن مبكرة جداً وعن عمر لم يتجاوز السبع سنوات، التحقت رائدة بمعسكر الأشبال والزهرات في مخيم عين الحلوة. فكانت في ذلك الوقت من الزمن الفدائي الفلسطيني بتوقيت مخيم عين الحلوة وبتوقيت معسكر الأشبال فيه، أصغر زهرة إلتحقت بالمعسكر وتواجدت به.

عندما يتحدث الانسان عن المخيم وفتح والمرأة والزهرات ومعسكر الأشبال، تحضر أمامه مجموعة من المناضلات الفلسطينيات من نسوة مخيمنا، ومنهن المناضلة  الكبيرة الأخت نجاة يونس. التي كانت من الأعمدة الأساسية لتنظيم فتح في المخيم منذ بداية سبعينيات القرن الفائت. بمناسبة الحديث عن نجاة وهي إبنة بلدتي الصفصاف ومخيمي عين الحلوة، ذات يوم في منتصف التسعينيات من القرن الفائت كنت مشاركاً في تظاهرة تضامنية مع فلسطين في اوسلو، العاصمة النرويجية، خلال الحديث مع إحدى سيدات التضامن مع فلسطين، الرفيقة والصديقة  ألبورغ، وهي من مؤسسي لجان التضامن مع شعب فلسطين في النرويج منذ ستينات وسبعينات القرن الفائت، وكانت في مخيمنا عين الحلوة في ذلك الوقت، وهي المشرفة على محل القدس في اوسلو، قالت لي ألبورغ وسألتني: “ما دمت يا نضال من الصفصاف ومن عين الحلوة يجب أن تعرف نجاة يونس” . ابتسمت وأجبتها أنني أعرف نجاة وكل دار يونس وكل الصفصاف وكل عين الحلوة.

سألت نجاة عن رائدة فجاءت إجابتها:

” رائدة إبنة الأستاذ الوطني الكبير عطا ادعيبس، صاحب النكتة والخلق الدمث وتحمل المسؤولية. كذلك كانت أمها. الله يرحم الجميع. كانت رائدة زهرة من زهرات فتح النشيطات، المندفعات من أجل الوطن، فلسطين كلها. كانت تحب معسكرها ومدربيه وصاحباتها وجميع من عرفها. كانت تجلب مجموعات من الزهرات الى بيتها الذي كان يرحب بهن.

أتذكر وجهها المورد، المبلول بالعرق نتيجة نشاطها وفرحها بعملها …

أتذكر الحطة (الكوفية) التي كانت تلفها على رقبتها الصغيرة وتعتز بها لأنها عنوان النضال الفلسطيني.

أتذكر بدلتها العسكرية الواسعة عليها والتي كانت تتباهي بها ولا تود خلعها ليل نهار..

استشهدت رائدة عندما كانت في رحلة تدريب مع رفيقاتها.”.

ما كان لرائدة أن تصبح زهرة في المعسكر لولا موافقة والدها ووالدتها. فالأستاذ أبو بسام عطا ادعيبس مدير مدرسة السموع ونائب مدير مدرسة حطين القديمة في حي عرب غوير. كان أيضا من قيادات حركة فتح في صيدا وعين الحلوة. فموافقته على التحاق رائدة بمعسكر التدريب كانت تلقائية وعادية، خاصة أن المخيمات كلها في تلك المرحلة من عمر شعبنا الفلسطيني كانت تتنفس حرية وثورة فدائية. ربما أراد لإبنته أن تتدرب وتكون بطلة من بطلات فلسطين كما إبنة عمها ناديا شحادة ادعيبس

التي استشهدت في نفس العام الذي استشهدت فيه رائدة عطا ادعيبس. كانت ناديا كادرة ومناضلة في صفوف المجال الخارجي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع الشهيد القائد الدكتور وديع حداد. أشهر قليلة فصلت بين الحدثين الصعبين والمحزنين للعائلة. فرائدة غادرت عالمنا الى عالم الخلود في 17 تموز يوليو 1977 بينما غادرته ناديا في اكتوبر – تشرين الأول 1977. استشهدت رائد الصغيرة غرقاً في نهر الليطاني اثناء حصة تدريبية للأشبال والزهرات في دورة سباحة. غرقت رائدة ولم يتمكن أحد من انقاذها في ذلك اليوم، الذي شكل صدمة لكل من عرفها، لعائلتها، لصديقاتها وأصدقائها، للمدربين والمدربات وللأشبال والزهرات، ولأهالي الصفصاف ولمخيم عين الحلوة. في هذا الصدد يقول أحد الأشبال الذين كانوا معها في ذلك اليوم المفجع والحزين: “رجعنا يومها من القاسمية الى مخيم عين الحلوة مثل الجيش المهزوم”.

لقد كانت تلك الزهرة محبوبة من الجميع وكانت زهرة مميزة عند قادة المعسكر بحسب الذين واللواتي عاشوا وعشن تلك التجربة الفدائية في معسكر أشبال وزهرات فتح بمخيم عين الحلوة. بالرغم من صغر سنها فقد تلقت رائدة دورات عديدة في المعسكر. فغدت زهرة صفصافية مميزة بين زهرات تلك الفترة من الزمن ومن جيلها أو أصغر أو أكبر قليلاً منها.

بحسب ما افادنا به شقيقها فقد كان من المفروض أن تسافر رائدة بتاريخ ٢٠ تموز ١٩٧٧ الى ألمانيا الشرقية في دورة خاصة. لكن شاء القدر أن تغرق وتستشهد في السابع عشر من نفس الشهر، أي قبل ثلاثة أيام من موعد السفر الى ألمانيا الديمقراطية. وأضاف محدثنا أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قدم العزاء لعائلتها المقيمة في مخيم عين الحلوة. وتابع شقيقها: “تعتبر جنازتها من أكبر الجنازات في مخيم عين الحلوة في ذلك الوقت من الزمن. إذ حزن عليها الجميع. وأكثر الذين عانوا من وفاتها هم أهلها وبالذات والدتها التي مرضت بعد ذلك وضعف قلبها مما أدى الى وفاتها”.

في طفولتي عرفت رائدة من الحارة فنحن أبناء بلدة واحدة وحارة واحدة ومخيم واحد، وأواصر القربى والتداخل العائلي تجمعنا كلنا. كانت أصغر مني بثلاث سنوات ولكنها صديقة لبنات قريباتي من جيلها ومن رفيقاتها في الحارة والمخيم والمعسكر. أتذكرها وأتذكر يوم استشهادها غرقاً حيث كان خبر اليوم وحديث الساعة في مخيم عين الحلوة، وحيث أنه أحزننا كلنا نحن الـأطفال والأشبال والشبيبة في تلك الأيام. شاركنا كلنا تقريباً في جنازتها.

قبل سنوات فرحت كثيراً وأنا أبحث في الباحث الالكتروني بالشبكة العنكبوتية، حين عثرت على ملصق صادر عن حركة فتح. أعتقد أنه صدر سنة 1977 أي قبل وفاة رائدة لأنه ملصق في ذكرى انطلاقة فتح، التي تحل في الفاتح من كل عام. في الملصق المذكور تظهر الشهيدة رائدة مع ثلاث فتيات من مخيم عين الحلوة، واحدة منهم إبنة عمتي وثانية من صفورية والثالثة لا أتذكر من هي… في الصورة تظهرن والكوفيات الفلسطينية تطوق أعناقهن.

كما سعدت أيضا عندما عثرت هذا الأسبوع على ملصق آخر فيه نفس اللقطة لرائدة والزهرات وهن يدبكن في المعسكر حيث كُنَّ بلباسهن العسكريّ، مع صور أخرى من المخيمات والمعسكرات. واكتملت الفرحة حين عثرت يوم أمس على ملصق آخر صادر سنة 1979 أي في الذكرى الرابعة عشرة لانطلاقة حركة فتح والثورة الفلسطينية.

الزهرة رائدة عطا ادعيبس 1966 – 1977

13-3-2021

نضال حمد