السعودية.. رحلة الأسرلة من دون مراسم – محمد فرج

كانت البدايات إبرة المؤشر التي وجّهت سياسة الحركة الصهيونية في التعامل مع السعودية واستمرّت في مرحلة ما بعد الملك عبدالعزيز.
مع تجاوزنا حاجز نصف سنة من توقيع اتفاق “أبراهام”، ما زال سؤال: “هل تلحق السعودية قطار التطبيع” يتفاعل من وقت إلى آخر في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام. من رحم السؤال نفسه، يصدر الفضاء الإعلامي سؤالاً آخر حول “تغيير” نهج السّعودية في التعامل مع ملف القضية الفلسطينية، وحدود هذا “التغيير” الذي يريد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الوصول إليه.
في التحليل التاريخي لمواقف السعودية وأدوارها، يسقط السؤالان في الوحل، ولا سبيل لإخراجهما من المستنقع إلا بإعادة الصياغة، لإنتاج أسئلة جديدة تتوافق مع التحليل الواقعي والحقيقي: هل أطلقت السعودية قطار الأسرلة ودعمت نهج التسويات في المنطقة؟ ما المحطات الأساسية التي مر بها قطارها؟ ما العناوين التي تبنتها والأدوات التي استخدمتها في كلّ مرحلة؟
في العام 1936م، أرسل الملك عبد العزيز رسالته إلى قيادة الثورة الفلسطينية بعنوان مكشوف النيات ومطلب واضح: “ندعوكم إلى أن تخلدوا للسكينة، وتوقفوا الإضراب حقناً للدماء، معتمدين على الله وحسن نيات صديقتنا بريطانيا”. كانت الرسالة تعبر عن عنوان مرحلة أولى تتمثل في إجهاض أي تحرك فلسطيني يواجه نيات التقسيم والاحتلال.
مع المناخات الأولى لاحتلال فلسطين، لم تمرّ خطّة فلبي المعروضة على الملك عبد العزيز، إلا أن الحركة الصهيونية خلصت إلى استنتاج مهم يحدد آليات التعامل مع الرجل، بأنْ ليس هناك معارضة حاسمة قائمة على موقف، وأن الرجل تحركه في الدرجة الأولى هواجس السلطة والمال. لقد كانت تلك البدايات هي إبرة المؤشر التي وجّهت سياسة الحركة الصهيونية في التعامل مع السعودية واستمرّت في مرحلة ما بعد الملك عبد العزيز.
مع صعود الناصرية في مصر وامتدادها في المنطقة العربية، انتقل القلق السعودي من مشاريع قد تمنحها بريطانيا امتيازات على حساب آل سعود إلى قلق من موجة معادية للأنظمة الرجعية العربية والاستعمار في آن واحد. وانطلاقاً من مؤشر “المال والسلطة” السعودي، لم يكن هناك عائق للتعاون السعودي “الإسرائيلي” لدعم الملكية في اليمن في مواجهة الثورة المدعومة ناصرياً.
المساعدة “الإسرائيلية” للسعودية في حربها على اليمن آنذاك (نقل المعدات والأسلحة، تجنيد المرتزقة، رحلات جوية) هي صورة يمكن نقلها عبر آلة الزمن لخمسة عقود لاحقة تحاكي قصة قصف “فج عطان” في بدايات العدوان على اليمن في العام 2015م بقنبلة نيوترونية “إسرائيلية”. هي باختصار مقاربة بسيطة تعبر عن طبيعة الدور السعودي في مواجهة مشاريع التحرر في المنطقة، فمن مواجهة المشروع الناصري في الستينيات، إلى مواجهة محور المقاومة في الألفية الثانية، وفي الجغرافيا نفسها: اليمن، أليست هذه المواجهة هي مسيرة تطبيع وأسرلة؟
التعاون “الإسرائيلي” السعودي في الحرب على اليمن في العام 1962م تكرّست ملامحه في نتائج حرب العام 1967م، عندما سمحت “إسرائيل” بتدفّق النفط السعودي عبر خط “التابلاين” الذي يمر عبر مرتفعات الجولان التي احتلتها، وبإعفاء كامل من الرسوم.
في نسيج هذه الرواية، لا تجد دعاية قطع الملك فيصل إمداد النفط خلال حرب أكتوبر مكاناً. لذلك، هي بحاجة إلى تفسير، لمعرفة إذا كان ما جرى عملياً تصريحاً لم ينفذ، أو “تهديداً” ينسجم مع النهج السري للتعاون السعودي مع “إسرائيل” من جهة، ومع أصوات عربية دعت إلى قطع الإمداد، كالعراق، من جهة أخرى.
إن ارتفاع أسعار النفط لم يكن نتيجة تنفيذ عملي لقطع إمدادات النفط السعودي، وإنما هو منطق البورصات في السوق العالمي. وفي كل الأحوال، كانت النتيجة النهائية للتصريح تصب في مصلحة سعر الدولار وما أسماه كسينجر “إعادة تدوير البترودولار”.
في العام 1981م، كانت المبادرة السعودية للسلام التي أطلقها الملك فهد بن عبد العزيز (الذي كان ولياً للعهد آنذاك)، وثمة ما هو مشترك يجمعها مع المبادرة العربية للسلام في العام 2002م؛ فالأولى اختارت مناخ حرب الخليج الأولى، وتوقيع مصر اتفاقية “كامب ديفيد” قبل عامين، والأخرى اختارت حقبة “الحرب على الإرهاب” وإدارة جورج بوش الابن وأجواء السيطرة الأميركية المتفردة في العالم. حاولت كلتا المبادرتين الدفع باتجاه الاعتراف بالكيان الصهيوني، مع تغييب حل جذري لملف اللاجئين وحق العودة. لقد كانت المبادرتان محاولة تطبيع سعودية في مناخات تعتبرها مؤاتية (انشغال قوى التحرر أو ضعف التوازن في النظام الدولي).
كانت مبادرة العام 1981م تسير جنباً إلى جنب مع تنسيق سعودي – إسرائيلي مستمر، ومن ذلك ما أورده دوغلاس بلومفيلد – المستشار القانوني للأيباك – في مذكراته عن زيارته في خريف 1981م لمجمع الصناعات الجوية، إلى جانب مطار بن غوريون، إذ كانت تطلى هناك خزانات الوقود الخاصة بالطائرات السعودية “سلاح الجو الملكي السعودي”.
كانت السعودية الأكثر حماساً لمسار التسويات في التسعينيات. وقد ظهر ذلك في عدد كبير من تصريحات بندر بن سلطان، الذي كان ممثلاً لمجلس التعاون الخليجي في مدريد، وتم إلحاق الجهد السياسي بفتوى ابن باز آنذاك، وهي الفتوى التي تجيز الصلح مع “إسرائيل”. التواصل السعودي الإسرائيلي كان متصاعداً، وقد أدى وزير الخارجية جيمس بيكر آنذاك دوراً كبيراً في التنسيق.
لولا تحرير الجنوب في العام 2000م، وانتصار تموز في العام 2006م، لكانت تداعيات نهج التسويات على المنطقة أكثر كارثية. لذلك، حاولت السعودية إعاقة هذا التوجه، تارة بوصف خطف الجنديين بمغامرة غير مسؤولة، أو بالتقليل من أهمية الانتصار، وصولاً – بحسب وثائق “ويكيليكس” – إلى رسالة نقلها عادل الجبير في العام 2008م من الملك عبد الله إلى الإدارة الأميركية، يطلب فيها “قطع رأس الأفعى”، في إشارة إلى إيران، وفي اعتبار المقاومة وانتصار تموز مشاريع مسمومة!

في دراسة لإيلي بوديه من الجامعة العبرية، يسرد تفاصيل لقاءات لمائير داغان (رئيس الموساد العاشر)، مع مسؤولين سعوديين، للنقاش في أسس التعاون ضد إيران واستخدام الدرونات وناقلات الطائرات. وفي تصريح خاص بالدراسة، يورد الباحث تعليقاً لإيهود أولمرت: “إنّ السّعودية ترى في (إسرائيل) شريكاً في المجالات العسكريّة والاقتصاديّة”.

إنَّ “رؤية” أولمرت تحقّقت سعودياً قبل تصريحه هذا وبعده. ما بعد لقاءات تركي الفيصل وأنور عشقي ووثائق “ويكيليكس” حول تبادل المعلومات، بهدف مواجهة محور المقاومة، والزيارات المتبادلة لبعثات طلابية، والعلاقات المباشرة مع شركات “إسرائيلية”، تستند دراسة بوديه إلى ورقة بحثية من معهد توني بلير، تشير إلى أنَّ الخليج يحتلّ المركز الثاني في الشرق الأوسط، بعد تركيا، في استيراد المنتجات “الإسرائيليّة”.

رغم ذلك، إنَّ تحديد الرقم بدقّة ليس أمراً هيناً في ظل الصفقات غير المسجلة أو غير المعلنة، ومن ذلك التعاون مع الشركات التقنية “الإسرائيلية” في حماية “أرامكو” في المجال السيبراني، أو التعاقد مع شركة “intuview” للذكاء الاصطناعي في مراقبة المراسلات داخل السعودية في وسائل التواصل.

في السعودية، ليس هناك تحولات في الموقف من التطبيع، ولكن ذلك لا ينفي وجود تحولات في آليات التعبير عنه. بعد تفويت إدارة ترامب أو في ظلّ إدارة بايدن، وفي ظل القلق من مآلات محادثات فيينا أو تراجع أولوية المنطقة في حسابات الإدارة الأميركية، تبقى السعودية على حالها، بلا حاجة إلى مراسم أو حفل إعلان عن التطبيع.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي موقع الصفصاف وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً.

نقلا عن الميادين نت