الشهيدان الشقيقان حسين وابراهيم اسماعيل – نضال حمد

في الحارة نفسها وفي البيت المقابل تماماً لبيتنا ولد الشهيدان حسين وابراهيم اسماعيل. حسين كان على ما أعتقد أصغر مني بسنة واحدة فقط أما ابراهيم فكان أصغر منا بسنوات عديدة. منذ الطفولة وحتى النشأة الفتية والشبابية كنا نلتقي يومياً في الحارة أمام منزالنا وعند حائط بستان اليهودي، وعلى الطريق ما بين الشارعين الفوقاني والتحتاني، وكنا نلتقي كذاك كلما كنت أذهب مبعوثاً من أهلي لشراء حليب طازج من بقرة أو بقرات والدهما العم المرحوم أبو عصام “هندية”. وكانت العمة المرحومة لطيفة أبو الكل “أم عصام” من النسوة الصفصافيات المعروفات في حارتنا وبلدتنا. هناك في كنف تلك العائلة الفقيرة والمكافحة لأجل الحياة والخبز والحرية والعودة الى فلسطين، عاشا وكبرا وأصبحا فدائيين فشهيدين. مثلما آخرين من رفاق الحارة والمخيم من أبناء عائلات الفقر المسلح بالايمان بالعودة الى فلسطين الى كل فلسطين.

كافحت العائلة وكَدّت لأجل حياة أفضل لأطفالها العشرة. كان والدهما اسماعيل حسين اسماعيل – أبو عصام هندية- من بلدة فراضية شمالي فلسطين المحتلة. فيما أمهما أم عصام كانت من بلدة الصفصاف، وسكنوا في حي الصفصاف غربي الشارع الفوقاني في المخيم. غالبية السكان في مخيم عين الحلوة كانوا يعتقدون أنهما كلاهما من الصفصاف. أنا كذلك في بداية طفولتي كنت اعتقد ان أبا اسماعيل من بلدتنا الصفصاف وأن الأولاد رفاق الحارة والمخيم أيضاً من الصفصاف. لكنه كان اعتقادا خاطئاً اكتشفته مع مرور الوقت. في سنوات لاحقة في المنافي الأوروبية تعرفت إلى أفراد عديدين من عائلة اسماعيل – بدران، وكانوا كلهم من أبناء عمومة الشهيدين حسين وابراهيم.

معظم أفراد عائلة المرحوم  أبو عصام – اسماعيل حسين اسماعيل – الذي كان يلقب اسماعيل هندية (نسبة لإسم الأم) أو أبو عصام هندية. يعيشون في مخيم الجليل في بعلبك أو في بلدان اللجوء في أوروبا. بعد أن استفسرت عن قصة اسم العائلة اسماعيل وبدران، تبين انها عائلة واحدة لكن عند النكبة والتسجيل لدى الأنروا هناك من سجل بدران وهناك من سجل اسماعيل. لذا كان البعض يعتقد أيضاً أنهم من عائلة بدران. وحتى أن الجبهة الشعبية القيادة العامة يوم أصدرت بوستر أي ملصق نعي الشهيد حسين اسماعيل كتبت الأسم حسين بدران. ولا أدري ماذا كتبت حركة فتح على ملصق نعي الشهيد ابراهيم.

في سنوات الستينيات وبداية ومنتصف السبعينيات من القرن الفائت كان هناك مجرور للمياه الآسنة يفصل بين باب زاروب بيتنا وباب بيت دار أبو عصام المقابل لبيتنا. هذا المجرور في فصل الشتاء ومع هطول الأمطار بكثافة كان يتحول لنهر جارف، وكنا نراه وهو يجرف الأوساخ والقمامة والزبالة والجرذان والقطط الصغيرة والكبيرة النافقة، وكل ما يجده في طريقه. عداكم عن رائحته النتنة في فصل الصيف وخلال الطقس الحار جداً. بقي المجرور هكذا الى أن قامت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين باجراء تمديدات وتعديلات عليه، انتهت بتغطيته وسقفه بالاسمنت ليصبح الطريق فيما بعد آمناً.

Ayn Elhilwe

في تلك الحارة نشأنا معا مجموعة من أبناء الحارة وكان مِنَا حسين اسماعيل ثم فيما بعد شقيقه الأصغر سناً الشهيد ابراهيم. كذلك اخوتهم عصام وعلي وفادي .. بالاضافة لرفاق حارة آخرين، منهم من بقي على قيد الحياة ومنهم من رحل عن عالمنا، مثل الصديق والقريب والحبيب عامر خليل – أبو رامي والصديق ورفيق مقاعد المدرسة هيثم طافش والجار  الطيب، الفدائي المجهول ابراهيم أيوب “الدحدولي” والجار الآخر رضوان أحمد (ابن المرحوم أحمد عطرة والمرحومة عطرة العلماني) الذي اختطفته اشتباكات الدخلاء على المخيم.

كانت الحارة وزواريبها الضيقة مناطق لهونا. بالاضافة للحارة كان هناك بستان اليهودي مكاناً مفضلاً للهو في بعض الأوقات، ولِلَطشِ بعض الحمضيات والفاكهة وتناولها بعد نحت قشرتها على حائط البستان، الذي كان يبدو فيما بعد مثل معرض لوحات جدارية ملونة صفراء وبرتقالية وخضراء، تمتد على طول الجدار مع الطريق، التي توصل الشارع الفوقاني بالشارع التحتاني في المخيم مرورا بحارتنا.

My home in Ayn El-Hilwe1982

في فترة حرب الجسور سنة 1981 كان حسين أصبح مقاتلاً متمرساً في صفوف الجبهة الشعبية القيادة العامة. وكان حصل على دورات تدريبية عديدة. ثم خدم في المواقع المتقدمة في الجنوب اللبناني. أصبحنا لا نلتقي إلا في مرات نادرة في الحارة والمخيم. فقد كبرنا ومضينا كل في طريقه نبحث عن الطريقة والاسلوب والوسيلة للوصول الى فلسطين ومن أجل العودة والتحرير. في يوم من أيام المعارك والقصف المتبادل بين قوات الثورة الفلسطينية والعدو الصهيوني، قامت الطائرات الحربية الصهيونية بالاغارة على مواقع القيادة العام ونفقها  المعروف في منطقة الوادي الأخضر قرب جبل الجرمق في الجنوب اللبناني، فالنفق الأشهر هو نفق موقع الناعمة الشهير. في تلك الغارة استشهد حسين اسماعيل وأختتم حياته القصيرة المليئة بالفداء والعطاء والتضحية باستشهاد مشرف وبطولي على درب الثورة المستمرة وتحرير الأرض والانسان.

لم تمضِ سنة على استشهاد حسين حتى قام العدو بغزو لبنان صيف سنة 1982 وفي معارك التصدي البطولية للعدو ودباباته في مخيم الرشيدية وبرفقة أطفال وأشبال “الآر بي جي” خاض الشبل ابراهيم اسماعيل حسين اسماعيل، الشقيق الأصغر للشهيد حسين تلك المعركة المشرفة والبطولية، قاتل حتى ارتقى شهيداً على أرض المعركة. فبينما دفن الشهيد حسين في مقبرة صيدا حيث مئات الشهداء الفلسطينيين واللبنانيين، لغاية اليوم لا أعرف ولا تعرف عائلة الشهيد ابراهيم أين هو مكان دفنف في مخيم الرشيدية.

المجد والخلود للشهيدين البطلين الشقيقين، فقد جسدا وحدة الدم والنضال والبنادق لأجل فلسطين كل فلسطين. وسطرا باستشهادهما أسطورة نضال وكفاح يعتز بها شعب فلسطين وتعتز بها مخيمات شعبنا الفلسطيني في لبنان، ومخيمنا عين الحلوة وحارتنا الصغيرة الضيقة التي أنجبت شهداء وأبطال ومناضلين.

نضال حمد

14-4-2021

الشهيدان الشقيقان حسين وابراهيم اسماعيل “بدران” – نضال حمد

للأسف لم أتمكن من العثور على صور للشهيدين حسين وابراهيم.