الشهيد أحمد علي السباعي – إعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

ولد الشهيد أحمد علي السباعي سنة 1949 في لبنان بعد نزوح عائلته الترشحانية من قرية الزيب الساحلية، قرية والدته وذلك في أعقاب النكبة الفلسطينية الكبرى واحتلال فلسطين وتشرد شعبها في البلاد العربية المجاورة.

بعد رحلة العذاب واللجوء استقرت العائلة في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في لبنان. هناك ترعرع الفتى أحمد مع أقرانه من أبناء الجيران والحارة، ثم تعلموا في مدرسة حطين بمخيم عين الحلوة التابعة لوكالة الانروا. فشبوا في الخيام والشوادر ثم في بيوت متواضعة كانت أسقفها من الزينك. حيث عاشوا ظلم وقمع المكتب الثاني اللبناني، المعادي للفلسطينيين والذي كان يقمعهم ويذلهم لأتفه الأسباب، وبقي الوضع على ما هو عليه حتى انتفاضة الشعب الفلسطيني في المخيمات في 23 نيسان 1969 وتحريرها من الشعبة الثانية سيئة الذكر والسمعة والصيت… ولا بد أن الشاب أحمد السباعي ذو العشرين عاماً في ذلك الوقت كان من شباب هبة نيسان في مخيم عين الحلوة.

والده علي السباعي من بلدة ترشيحا الجليلية ووالدته من بلدة الزيب المحاذية لبلدة البصة وللناقورة على الحدود الفلسطينية اللبنانية. كان جده والد أمه درويش عوض مختاراً لقرية الزيب. فقد استشهد في النكبة خلال معركة الدفاع عن الزيب وتم دفن المختار في بلدة الزيب قبل الرحيل عنها الى لبنان.

بعد أن تحسنت أحوال العائلة المادية غادرت المخيم كما بعض العائلات الفلسطينية الأخرى وسكنت في منطقة القياعة أحد أحياء مدينة صيدا. كانت المنطقة مختلطة إذ سكن فيها اللبنانيون والفلسطينيون مسيحيين ومسلمين والخ. من بين العائلات الفلسطينية التي سكنت هناك أذكر أيضا عائلة الحاج أحمد أبو خرج والد الشهيد الأستاذ علي أبو خرج من بلدة صفورية… وعائلة الحاج أبو شحادة الشايب من الرأس الأحمر وجيراننا في مخيم عين الحلوة. كذلك عائلة الحاج أبو قاسم الأسدي من دير الأسد.

في ذلك الوقت من الزمن اللبناني بتوقيت الثورة الفلسطينية كانت تسكن في شرق صيدا عائلات فلسطينية عديدة منها عائلة الحسن أحد مسؤولي تنظيم الصاعقة، الذي انتمى إليه الشهيد أحمد السباعي، وخدم في حراسات مكتب الصاعقة بالهلالية، المكتب الذي تم تفجيره فيما بعد. كما سكنت في البرومية عائلة مختار الجش المرحوم أبو محمد أيوب زوج عمتي خديجة أحمد حمد رحمهما الله. بالإضافة لعائلات كثيرة كانت تعتبر سكان المنطقة كلهم جيراناً وأهلاً وعائلة واحدة كبيرة فلسطينيين ولبنانيين ومسلمين ومسيحيين. لكن بعض الحاقدين والانعزاليين الفاشيين، كانوا مختبئين خلف ساتر من الادعاء والتخفي، فخانوا الخبر والملح والعيش المشترك… وعندما حصل الإجتياح الصهيوني أي الغزو سنة 1982 وسقطت المخيمات وصيدا بأيدي الاحتلال، أشهروا ارهابهم وفاشيتهم وخرجوا من جحورهم بأسلحتهم وحقدهم وأخذوا يلاحقون الشباب الفلسطينيين ويختطفونهم ويعذبونهم ويغتالونهم. كما فعلوا مع الشهيد الأستاذ علي أبو خرج والشهيد الصديق الممرض ماجد بليبل ومع الشهيد أحمد السباعي وآخرين كثيرين.

في أحد أيام شهر شباط – فبراير سنة 1983 اقتحمت مجموعة من هؤلاء الفاشيين منزل عائلة السباعي حيث كانت العائلة داخل المنزل، واقتادوا الضحية أحمد السباعي على مرأى والده ووالدته وأفراد عائلته. اقتادوا والد الأطفال الأربعة خارج البيت وبعد دقائق من خروجهم سمعت العائلة وكل سكان الحارة أصوات طلقات نارية. بعد نصف ساعة من عملية الاغتيال والتصفية عاد شقيقه الأصغر مصطفى الى المنزل فأخذ يبحث عن شقيقه ليجده جثة هامة غير بعيد عن البيت تحت شجرة زيتون في الكرم المجاور بالحارة.

تقول عائلة السباعي أن من بين الذين اختطفوه كان دركياً (شرطي) لبناني اسمه عفيف الغفري واثنين من المسلحين من الميلشيات الفاشية المارونية في القياعة الوسطى هما بول يارد وإيلي ريشا. هذان يذكرانني بوصية الحاج أحمد أبو خرج التي جاء فيها، أن أحد خاطفي نجله من عبرا شرق صيدا ويدعى سليمان فريد سليمان. هؤلاء وغيرهم من الانعزاليين لم يحاسبوا ولم يسألهم أحد عن جثامين علي أبو خرج وماجد بليبل وآلاف المختطفين المغيبيين فلسطينيين ولبنانيين.

قال لي الصديق مصطفى السباعي المقيم في العاصمة الدنمركية كوبنهاغن:

” نعم الشهيد علي أبو خرج كان جارنا في القياعه وبالنسبة لأخي أحمد أنا لا أستطيع أن أنسى ذلك اليوم الذي استشهد فيه أخي. تلك كانت أياماً عصيبة على شعبنا. لقد قتلوا شقيقي أحمد بعد أن كسروا رجله فور أخذه من البيت. لقد عثرت عليه الساعة التاسعة مساءاً أي بعد نصف ساعة من خطفه، شهيداً في كرم الزيتون. أخي أحمد كان أحد أفراد الكشافة الفلسطينية في زمن الدراسة بمدرسة حطين. بعد عملية التصفية بقينا في البيت مده أسبوع ثم غادرناه لأنهم أصبحوا يأتون بالليل ويطلقون النار على بيوتنا. كما تم وضع عبوة ناسفه في بيت أختي… وبعد ذالك أخذوا يلاحقونني فأضطررت أن أغادر صيدا الى مدينة صور.

أما الأستاذ رياض من أبناء الحاج أبو شحادة الشايب قال لنا:

“الله يرحمه ويغفر له….كُنا أعني أهلي وبيت أبو خرج جيران، بناية واحده فقط تفصل بيننا…من الجيران الذين اخطتفوا أيضاً أحمد السباعي. وأهله كانوا يسكنون في الطابق الثالث ونحن في الطابق الثاني… وأيضاً اخطتفته قوات جعجع… وأذكر أن الوالده يومها أصرت علي ترك القياعة الوسطى، خوفاً من أن يلقى أحد أولادها نفس المصير. رحلنا وأستأجرنا وقتها منزلاً في حي الصباغ في صيدا حيث لا زلنا نقيم هناك.”.

أما شقيقة الأستاذ الشهيد علي أبو خرج فقالت:

“فعلا كُنا جيران ونحن تركنا القياعة بعد قتل أحمد السباعي رحمه الله. يومها أتى المسلحون ليلاً واقتادوه من البيت وبعد وقت قصير سمعنا طلقات الرصاص. غادرنا بعدها مع باقي الفلسطينيين الحي المذكور. الأخ نضال حمد أنت ذكرت الشهيد ماجد بليبل فعلا ماجد كان من المقربين من أخي علي أبو خرج، وتم خطفه من مستشفى النقيب حيث كان ممرضاً على ما أعتقد… وبعد خطف اخي علي حاولنا أن نُنبهه لأنه كان دائماً يلتقي بعلي ولكن يد الغدر سبقتنا وتم خطفه بعد علي مباشرة.”.

رحم الله الشهداء ويجب أن لا ننساهم ونطالب بحقهم علينا في ملاحقة من اختطفوهم وقتلوهم ويتموا أطفالهم وروعوا عائلاتهم، كما وتركوا ذويهم يموتون دون أن يعرفوا ما حل بأبناءهم المخطوفين ولا أين هم مدفونين في وطن المقابر الجماعية والتصفية وقطع الروؤس حسب الطائفة والديانة والجنسية وعلى الهوية.

أعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

29-1-2022