الشهيد القائد الفدائي الميداني “أبو خلدون” صالح عرسان قاسم – نضال حمد

الشهيد القائد الفدائي الميداني أبو خلدون – نضال حمد

ثلاثون سنة مرت على استشهاد الفدائي الفلسطيني الصلب والقائد الميداني رفيقنا صالح عرسان قاسم – أبو خلدون-، الذي ولد في مخيم النبطية. نال تحصيله العلمي من مدرسة الجاعونة للاجئين الفلسطينيين في النبطية، وكان من مدرسيه في تلك المدرسة كل من الأستاذين الشاعر صلاح حمد – أبو أشرف – وشقيقه الأستاذ أحمد حمد، وهما من بلدة الصفصاف في الجليل الفلسطيني الأعلى المحتل ومن مخيم عين الحلوة.

كان هذا الفلسطيني الثائر شخصاً قليل الكلام، لا يحب الثرثرة ولا كثرة الحكي. لكنه كان ملتزماً بقضيته وبمهامه النضالية مع رفاقه في المواقع والقواعد والمكاتب، التي كانت تنتشر على الأراضي اللبنانية من الجنوب الى الشمال وحتى أقصى الشرق اللبناني عند الحدود السورية. فقد كان قائداً فدائياً محبوباً من رفاقه المقاتلين وكذلك من قادته. كل ذلك كان في الزمن اللبناني بالتوقيت الثوري الفلسطيني اللبناني المشترك، وبالتوقيتين القومي العربي واليساري التقدمي أي بتوقيت الثورة المستمرة والوحدة العربية ووحدة قوى التحرر والتقدم في العالم.

في ذلك الوقت كانت جبهة التحرير الفلسطينية وقبطانها الراحل الشهيد طلعت يعقوب الأمين العام للجبهة، سفينة من أسطول الثورة الفلسطينية والعربية والعالمية. أما شهيدنا الكادر الفدائي الميداني أبو خلدون فقد كان بحاراً مخضرماً من بحارة سفينتنا الجبهوية، الفلسطينية، العربية، الأممية والثورية. قاتل وناضل في الجنوب اللبناني وكان قائدا لأحد المواقع في النبطية قبل سنوات من الغزو الصهيوني سنة 1982. مارس أبو خلدون مهمات نضالية عديدة في مواقع مختلفة، وكان من خيرة الكوادر الفدائية الملتزمة والمضحية. عرفته عن قرب حين عملنا معاً في مواقع الجبهة بمدينة النبطية وجوارها. كان قائدا مثاليا لموقعه. بقي يناضل ويقاوم بعد احتلال لبنان سنة 1982. وعند اندحار الغزو عن مدينة صيدا عاد الى هناك وناضل مع رفاقه في الجبهة والثورة والقوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية.

في أسطول الثورة الفلسطينية الأممي إلتقى المناضلون والمناضلات والثوار والثائرات والفدائيون والفدائيات والمناضلون والمناضلات القادمون والقادمات من كل الدنيا، من فلسطين ولبنان وسوريا والعراق والأردن واليمن وتونس… من مصر وليبيا والمغرب والجزائر والسودان وموريتانيا والخليج العربي، ومن اريتيريا واثيوبيا والصومال وافريقية.. ومن اليابان وايران وكردستان وباكستان وبنغلادش والهند وآسيا .. كما من تركيا وايطاليا ويوغسلافيا وفرنسا والدنمارك والنرويج والسويد واليونان واسبانيا وبريطانيا ومن أوروبا.. من أمريكا اللاتينية، هناك شهيد من نيكاراغوا. لذا كانت تسمى ثورة الشرفاء والأحرار في كل العالم، هكذا كانت وستبقى.

الملصق تصميم خالد عيسى

مع مرور الزمن وتوالي النكسات والنكبات بعد غزو العراق ومن ثم مؤتمر مدريد وسلام – استسلام- أوسلو، ومع غياب القادة بحجم الثورة والقضية والوطن، ومع سقوط الشهداء وندرة الأوفياء والأحرار، وقلّة الثوار الحقيقيين والشرفاء فيما تبقى من الثورة، وفي زمن التساقط  بالجملة، زمن اللاأحرار واللا شرفاء واللاأوفياء، الذين تحولوا الى وقائيين ومنسقين أمنيين مع العدو. فيما المعارضين صاروا معارضين بالثرثرة حيث أنهم لا يفعلون شيئاً مفيداً لأجل فلسطين. في زمن ما بعد بعد بعد أوسلو صارت طريق الثورة المستمرة محفوفة بالمخاطر، صارت محاصرة بالأعداء من كل الجهات ومنهم من كانوا مِنا وفينا، يعني كما قال الشاعر العظيم مولانا أبو الطيب المتنبي: “وَسِوى الرّومِ خَلفَ ظَهرِكَ رُومٌ ….. فَعَلَى أيّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ”…

عاش أبو خلدون مناضلاً متقشفاً فمع رفاقه عرف حالة الحصار والتجويع وفقدان الموارد المالية، التي عانت منها جبهة التحرير الفلسطينية نتيجة عدم ارتباطها بأي نظام عربي، ونتيجة عدم إنصياعها لمطالب القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك. مما جعل تلك القيادة تمارس التخريب على الجبهة، فشقتها من خلال مجموعة من المنتفعين ضعفاء الأنفس، الذين كانوا يبحثون عن المناصب والمكاسب.

الشهيد ابو خلدون

عندما لم يتمكن المنشقون من التأثير كثيراً على الرفيق القائد طلعت يعقوب ورفاقه الأوفياء والشرفاء، أخذت تلك القيادة تحاصر الجبهة بأسلوب التجويع لأجل التركيع. فقطعت عن الجبهة موازنتها من الصندوق القومي الفلسطيني وأعطتها للمنشقين عن الجبهة، الذين كانوا ولازالوا حتى يومنا هذا يتبعونها سياسياً ويلتزمون بما تمليه عليهم.  لكن وبالرغم من الجوع الحقيقي والأوضاع التي لا تحتمل، صبر وصمد رفيقنا أبو خلدون مع عائلته وأطفاله إسوة ببقية رفاقه وعوائلهم وأطفالهم، وبقي وفياً لجبهته ولقائدها الأمين العام أبو يعقوب، بقي وفياً لرفاقه الشهداء وللأحياء. ناضل شهيدنا وكافح في زمن غير زمن المتساقطين اللحديين… ناضل شهيدنا وكافح في الجو الثوري الفدائي العالمي. ناضل المناضل الفدائي الفلسطيني والقائد الميداني أبو خلدون على مدار سنوات طويلة، الى أن سقط شهيدا في غارة للطيران الحربي الصهيوني سنة 1991، استهدفت موقعاً متقدماً لجبهة التحرير الفلسطينية، شرق صيدا على محور كفر فالوس. كان الموقع المذكور من المواقع المتقدمة في مواجهة الاحتلال الصهيوني وأعوانه من جيش لحد العميل وجماعة القوات اللبنانية الفاشية الانعزالية. جاءت الغارة الصهيونية رداً على عمليات فدائية عديدة نفذتها الجبهة في مستعمرات شمال فلسطين في ذلك الوقت من الزمن الفدائي الفلسطيني. باستشهاده التحق أبو خلدون بشقيقه الشهيد الرفيق صبحي صالح عرسان قاسم – أبو حلاوة – الذي استشهد في اقتحام مغدوشة سنة 1987 وكان مقاتلا في صفوف جبهة النضال الشعبي الفلسطيني. لينضما الى قافلة طويلة من شهداء مخيم النبطية الشهيد ومن شهداء ثورتنا وكفاحنا الوطني التحرري.

المجد والخلود للشهيد أبو خلدون  ولكل الشهداء الذي سقطوا على درب تحرير فلسطين كل فلسطين. أما نحن فعلى العهد أوفياء للشهداء، أولياء للدم.

نضال حمد

23-3-2021

القائد ابو يعقوب