الشهيد علي عبدو البكري – إعداد نضال حمد

ولد شهيدنا علي عبدو البكري أو “بكري” كما تحبون وتحبن، في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين سنة 1958، لعائلة فلسطينية من بلدة الزيب الساحلية على الحدود الفلسطينية اللبنانية. لجأت العائلة سنة 1948 الى لبنان وهناك في المخيم بعد عشر سنوات من العذاب والهوان والشقاء في العراء والخيام، ولد علي الذي سيصبح فيما بعد فدائياً كما غالبية أبناء المخيم آنذاك. درس الفتى على في مدارس مخيم عين الحلوة مع خلانه وأبناء جيله. بعد سنين التحق الفتى الزيباوي بحركة فتح فدائياً وهو كان لازال شبلاً. ثم أصبحمع مرور الزمن من مرافقي القائد الشهيد صلاح خلف – أبو إياد – وبقي يعمل مع أبي إياد حتى استشهاد الأخير إغتيالاً في تونس في 14-01-1990.

شارك علي في معارك الدفاع عن الثورة الفلسطينية والمخيمات والوجود الفلسطيني في لبنان. وفي التصدي للاجتياحات والغزوات الصهوينية التي استهدفت الأراضي اللبنانية والقوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية.

يقول صديقي سليم بكري وهو الشقيق الأصغر للشهيد علي: “الوالدة كانت تلاحظ عشقه للثورة ومحبته لأبي إياد. كانت تخاف عليه. ذات يوم قامت بوضع حجاب له تحت الوسادة. لكي يبتعد عن الثورة والفدائيين. كانت تخاف عليه أن يقتل أو يستشهد. كان معتاداً أن ينام على وسادة معينة فقط لا غير. لكنه في ذلك اليوم عندما حاول النوم وانتابه القلق، قال للوالدة بأن تغير له الوسادة لأنها لم تكن مريحة”.

بهذه الطريقة وصدفة طار الحجاب وبقي علي فدائياً يحمل رشاشه على كتفه وغضب وغضب وغضب كما كتب الشاعر الشهيد الفدائي علي فودة.  لكن والدة الشهيد علي لم تستلم ففي احدى سنوات السبعينات استدانت مبلغاً من المال وأقنعته بأن يسافر مع شقيقه الأكبر المرحوم أبو فادي للعمل في الإمارات.

يقول سليم بكري: “كان يجب أن يعمل مع أخي الأكبر في مطعم لبناني هناك هو مطعم “أورلوكان”. فقد كان المرحوم أخي أبو فادي يعمل بفرع لبنان بحمدون وصاحب المطعم يدعى “ايلي” مسيحي لبناني. في لبنان اثناء الحرب الأهلية كان أخي علي يؤمن الحماية للمطعم بسبب علاقاته الأمنية القوية كمرافق لأبي إياد”.

بعد وقت اقتنع الشهيد علي بكري ووافق على السفر الى الامارات مع شقيقه أبو فادي. بعد السفر مر شهر وشهرين وثلاثة شهور، فجأة وصل العائلة خبر يقول أن علياً تمت مشاهدته قبل شهرين في بيروت بالفاكهاني في مقر أبو اياد. أي أنه لم يصمد أكثر من شهر في الامارات وعاد الى العمل في صفوف الثورة الفلسطينية.

في ذلك الوقت كان علي بكري ينام عند دار عمه في صبرا قرب مستشفى غزة. معظم آل بكري يعيشون في بيروت. بعد مدة من الزمن تزوج من إبنة عمه التي تحمل الجنسية اللبنانية فأصل العائلة يعود الى بلدة برجا اللبنانية. بدوره صديقي سليم بكري يؤكد أن كل عائلة بكري باستثناء أهله يحملون الجنسية اللبنانية. فعائلته هي الوحيدة التي لم تحمل الجنسية وبقيت تحمل وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين في لبنان ومازالت تسكن في مخيم عين الحلوة.

يقول سليم أنه كان كثير الزيارات والتواجد في صبرا كي يلتقي بأخيه علي، لكن الأخير كان يحضر متأخراً للبيت “أنا أكون نائم وعندما أصحى لا أجده إذ يكون غادر باكراً”. فبينما علي بكري في دوامه مع الأخ أبو اياد كان سليم الصغير يقضي بعض الوقت على شارع عفيف الطيبي ومقابل الجامعة العربية حيث مقر أبو اياد وفي الفاكهاني بشكل عام. حراس مقر أبو اياد أصبحوا يعرفونه لأنه شقيق رفيقهم علي بكري… كانوا يقولون له إذهب وإلعب فليبرز في مركز سيلفستر سيتي القريب.

أما سليم فيقول: “كنت أمضي وقتاً طويلا في اللعب هناك ولا أرى أخي علي المشغول دائماً. في بعض الأحيان كان الحراس يقولون لي: ” أخوك حجز لك موعد عند الحلاق بجانب محل عصير الممثل الراحل فهمان… روح قص شعرك وإشرب عصير ليمون وما تدفع… وفعلا الحلاق كان يقول لي أخوك علي بكري… الحساب واصل ما تدفع. كذلك الممثل اللبناني الفكاهي الشهير “فهمان” الذي كان يمثل في التلفزيون اللبناني مع مجموعة أو فرقة أبو سليم الطبل كان له محل عصير على شارع عفيف الطيبي، لم يكن يأخذ مني ثمن العصير. حتى أن مركز “الفليبر” كانوا يقولون لي أن ألعب وما تدفع، حسابك واصل.

لقد كان أخي علي محبوباً من سكان صبرا والطريق الجديدة والفاكهاني، الكل كانوا يعرفونه. بسبب الشبه الكبير بيني وبينه الكُل كانوا بالشارع يسلمون ويقولون سلامنا لشقيقك علي. أنا استغربت لماذا هذا الحب والاحترام لأخي. بعدين علمت من معظم السكان أن ما من أحد منهم طلب مساعدة أو واسطة من أخي علي إلا وساعده. كان فدائياً شريفاً… فقد مات ولم يكن يملك أي حساب بأي بنك ولم يكن عنده حتى منزل بلبنان. كان دائما يساعد الغريب لكن عندما تصل الأمور لمساعدة أهله وخاصة نحن بالمخيم كان يرفض.عندما طلبت الوالدة منه أن يؤمن لها معاشاً سارياً من المنظمة رفض أو حتى مساعدة مادية أيضاً رفض”.

الشهيد علي بكري كان فدائياً مبدئياً قصصه التي ذكرها شقيقه سليم تذكرني بنفسي، حتى قصة السفر الى الامارات حصلت معي قصة مشابهة لها تماماً. تكررت مرتين وفي السفرتين كنت أبقى شهر في الامارات ثم أعود الى لبنان للالتحاق من جديد بِ “الفدائية”. مما سبب لأبي خيبة أمل كبيرة وفي النهاية “زهق” مني ومن جنوني. علي الشهيد ابن المرحوم عبدو البكري يذكرني بنفسي في زمن الفدائيين بلبنان، فأنا مثله ساعدت الكثيرين في تلك الحقبة من الزمن وما تلاها من أزمنة. ساعدت كثيرين ولكني لم أقبل مساعدة الأقرب لي. فقد كانت الثورة بالنسبة لي ثورة وليس شركة توفير ولا لتجميع الثروة.

قال لي صديقي سليم بكري: ” أذكر حين تم تحريرنا بعملية تبادل أسرى من معتقل أنصار وتوجهت إليه في تونس. طلبت منه أن يساعدني بأن أحصل على مستحقاتي المالية وهي مرتبات سنتين خلال فترة الأسر والأعتقال في أنصار… وقتها قال لي: (لا أريد أن أذِل نفسي لأي مسؤول علشانك أخي..)… ورفض.

خلال غزو لبنان عام ١٩٨٢ كان الصهاينة قد أخذوا بالتغلغل في الجنوب اللبناني. حضر الأخ علي بكري هو وأخ له من مرافقي أبو إياد. يقول سليم ربما كان اسم المرافق “أبوحسن” دخل علينا في البيت بمخيم عين الحلوة لمدة دقيقتين فقط… “سلم عالوالدة وغادر وقال انه في مهمة”. هذه القصة تذكرني بقصة شبيهة حصلت معي في نفس الوقت تقريباً. حضرت من بيروت الى جنوبي لبنان في مهمة خاصة في النبطية، ثم في طريق العودة دخلت تحت القصف العنيف جداً الى مخيم عين الحلوة، كان ذلك ثاني أو ثالث أيام الغزو الصهيوني للبنان صيف سنة 1982. كنت في ذلك اليوم برفقة القائد الشهيد طلعت يعقوب أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية ورفاق وأصدقاء آخرين. توجهت يومها الى البيت للسلام على والدتي وشقيقاتي وبقيت هناك بضع دقائق ثم قفلت عائداً الى بيروت.

كنا نذهب جنوباً في الوقت الذي كان فيه الحاج اسماعيل وقادة وجنرالات المصادفة يفرون شرقاً وشمالاً. في هذا الصدد قال صديقي سليم بكري: “يومها علمت من أخي علي أنه وصل الى الجنوب ورأى بأم عينيه الحاج اسماعيل وهو يهرب من صيدا… وقال له: لماذا الهروب؟   لكنه تابع هروبه. أما أخي ومعه أبو حسن تغلغلا باتجاه الجنوب وأكملا المهمة ثم عادا سالمين الى بيروت”.

الذي يحيرني لماذا صمت الشهيد أبو إياد على فرار الحاج اسماعيل ولم يحاسبه… ولماذا أيضاً صمت الشهيد أبو جهاد الوزير على فرار الحاج اسماعيل ولم يحاسبه. يبدو أنهما اقتنعا بأن أبو عمار هو المسؤول عن فراره وانسحابه لذلك رفض محاسبته، بل أنه احتضنه وحماه ودافع عنه. حتى الحاج اسماعيل نفسه لم يخجل وقال مراراً أنه تلقى الأمر بالانسحاب من أبي عمار نفسه.

رحم الله الشهيد علي بكري الذي كان فدائياً أصيلاً والذي توفي بلا مال وبدون ثراء وبلا بيت. فقد توفي بعد أن أنهكه المرض.

يا علي إنا باقون على عهد فلسطين الكاملة.

أعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

25-12-2021