الشيخ والزعيم – نضال حمد

 أراه الآن أمامي جالساً كعادته، بنفس لباسه الشعبي، في يده اليمنى لفافة تبغ عربي، وباليسرى مسبحة من خشب الزيتون، حملها معه منذ غادر بلاده مطروداً لكن على أمل العودة.

 موقد النار نفسه مازال مشتعلاً في باحة الدار، لم يتبدل منه إلا لونه.. فيما ابريق القهوة العربية يتوسط الجمر الشديد الاحمرار وبالقرب منه ابريق الشاي.. هكذا يظل ديوان الشيخ مستعداً لاستقبال زواره، سواء حضروا بميعاد مسبق أو دونما ميعاد. أنها قوانينه العربية كما يحلو له أن يردد على مسامع الشباب وصغار السن..

 الشيخ بشاربه الشائب وشعره الأبيض، حريص على ديوانه، حرصه على زواره، وبنفس الوقت لا يفارق مذياعه، ولا تغيب عنه نشرات أخبار راديو لندن بي بي سي وراديو مونتي كارلو الفرنسي. يستمع للنشرات ساعة بساعة، ويقارن بين أخبار الانكليز والفرنساويين.. عندما يسأله الشباب عن سر اصراره على سماع الأخبار من راديو مونتي كارلو أومن محطة بي بي سي… يجيب : كي نعرف أخبار بلادنا وماذا يحدث فيها.. الأذاعات الأجنبية أكثر مصداقية من إذاعاتنا… مع هذا لا تغيب لعنة بريطانيا العظمى وفرنسا الاستعمارية عن لسانه. يلعنهما لأنهما سبب سايكس بيكو ووعد بلفور. وأيضاً سبب اقامته الطويلة في خيمة بالعراء ثم في كوخٍ تحت سقف من ألواح الزنك لا يصلح للحياة لا في الصيف ولا في الشتاء.

 في صدر الديوان علقت لوحة مزركشة، خطت عليها صورة قرآنية. بالقرب منها صورة للزعيم الذي خلده طوال حياته وكان دائم الدفاع عنه.

على الجانب الآخر صورة ابنه الشهيد، رحل الصبي أحمد على درب الجبل، حيث كان في طريقه لإعداد نفسه من أجل العودة إلى فلسطين…

 بعد سنوات من العذاب في الخيام والأكواخ، استطاع الشيخ بناء هذا المنزل. لكن الحرب أجبرته على الفرار من منزله الى مكان آمن في المدينة. وبعدما وضعت الحرب أوزارها عاد يتفقد منزله، فوجده مهدماً باستثناء أحد جدران الديوان.. رأى محتوياته محترقة، بما فيها الأباريق والموقد وعكاز والده ومسبحة والدته.. وأخذت الحرب حيوات بعض زواره… بعد دقائق من الصمت التام، التفت الشيخ نحو الجدار الباقي من ديوانه، فرأى صورة الزعيم لازالت معلقة .. توجه نحوها، وقف أمامها وقال مخاطباً الزعيم : كل هذا الشقاء بسببك .. كل هذا الدمار بفضلك .. لماذا كلهم نزلوا وأنت لاتزال واقفاً .. أنزل صورة الزعيم وقذف بها في باحة الدار … ثم أخذ يبحث عن صورة ابنه الشهيد بين الركام، وعندما وجدها أعاد تعليقها على شبه الجدار.. ثم اشعل لفافة تبغ وأخذ يتكلم .. بدا وكأنه يتحدث مع ابنه الشهيد.

بيروت – 1982