الصديق محمد عيسى عطالله في رحاب الله – نضال حمد

وداعاً للرفيق والصديق والأخ محمد عيسى عطالله – أبو أحمد- ابن مخيم عين الحلوة، فيوم أمس غادرنا أبو أحمد الى رحاب الله. فقد عاش مناضلاً كادحاً ولم يغادر المخيم في أصعب وأحلك الظروف سوى في مرات عديدة قليلة. كانت مغادرات إما في مهام جبهوية أو تعليمية مدرسية أو جامعية، باستثناء فترة الأسر في معتقل أنصار الصهيوني بعد غزو سنة 1982. بقي محمد عيسى صامداً، صابراً رغم صعوبة الحياة والظروف التي كانت تحيط به… وبقي ينتظر العودة الى بلدته المزرعة في فلسطين المحتلة لكنه خسر معركة الانتظار.

عاش محمد عيسى عطالله طفولته في مخيم عين الحلوة حيث ولد في خمسينيات القرن الفائت لعائلة لاجئة فلسطينية من بلدة المزرعة قضاء عكا في فلسطين المحتلة. سكنت العائلة وسط المخيم قرب سوق الخضار الشهير، على مقربة من وبجوار عائلات أخرى من بلدات المنشية والسميرية وعمقا والزيب والخ.

درس في مدارس المخيم في عين الحلوة وكان طالباً متفوقاً جداً في المدارس ومميزاً في شهادة البكاليوريا. بعد انتهاء مرحلة المدرستين الابتدائية والتكميلية درس في مدرسة المقاصد الاسلامية العريقة في صيدا. بحسب ما سمعت من البعض في نهاية سنوات السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الفائت، فإن الصديق والرفيق محمد عيسى عطالله أنهى امتحانات شهادة البكالوريا كأفضل طالب في الجنوب اللبناني.

خلال فترة نضاله في صفوف تنظيم جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة الشهيد الأمين العام طلعت يعقوب، حيث كان في ذلك الوقت عضو قيادة منطقة صيدا في الجبهة. أكمل دراسته الجامعية وتخرج من جامعة بيروت العربية بإختصاص الأدب العربي، كما كان متبقياً له سنة واحدة لإنهاء اختصاص التاريخ في الجامعة اللبنانية. لكن لا أعرف السبب الذي منعه من تحقيق ذلك.  

عاش محمد طفولة صعبة ووضع عائلي أيضا صعب بسبب وجود شقيقة له كانت تعاني من مرض رافقها منذ الولادة. كانت الفتاة سناء معروفة بالحارة ومحبوبة من الجميع لبساطتها وطيبتها. أذكر أنني رأيتها كثيراً أمام بيتها أي بيت محمد، الذي كان مواجهاً لمكتب جبهة التحرير الفلسطينية. كما شاهدتها مراراً في سوق الخضار بالمخيم.

كان محمداً يحب شقيقته سناء ويعاملها بحسن ورفق ويهتم بها وبصحتها الى أن توفاها الله قبل سنوات طويلة. عرفت اليوم من خلال تواصل مع نجله أحمد أن والده أوصى بدفنه في نفس القبر مع والدته وشقيقته سناء، تم ذلك يوم أمس في مقبرة المخيم.

محمد عيسى كان انسانا حساساً ومرهفاً ومسالماً وضد كافة أشكال التشبيح والزعرنات التي شهدها زمن الثورة في مخيماتنا خاصةً وفي لبنان بشكل عام. كما كان شديد الحرص على السلم الأهلي والعلاقات الأخوية والرفاقية وحسن الجوار. حرص على التنبيه دائما الى ضرورة أن يحترم المقاتل الجماهير التي حمل السلاح لأجل حمايتها وعودتها الى فلسطين. لذا كانت لديه حساسية مفرطة من أي إشكال فردي أو جانبي. لا أذكر أنه في يوم من الأيام حمل سلاحاً حربياً. كان سلاحه عقله وقلبه ولسانه ومعاملته الطيبة مع الجماهير. لقد كان حبيب الناس ف يالحارة وحبيب الرفاق، وحظي بتقدير واحترام كبيرين.

في يوم من الأيام شهدت له واقعة حصلت قبل الغزو الصهيوني للبنان بسنتين اعتقد سنة 1980، جاء أحد الرفاق من الجبهة راكضا ودخل المكتب، وقال أن جماعة الأمن الموحد (أبو عريضة والذي عمل عميلا وجاسوسا مع الصهاينة بعد احتلال لبنان والآن هو حر في صيدا القديمة)، في البلدة القديمة اعتدوا عليه وعلى رفيق آخر، وأضاف أنهم ربما اعتقلوا الرفيق المذكور بينما هو استطاع الفرار من المكان… ثم سأل الرفيق المذكور عن الرفيق أبو هلال مسؤول الأمن وقال أنا ذاهب الى بيت الأخير. أوقفه محمد وقال له لا، لن تذهب الى هناك “هيك ستكبر القصة”. كان ضد الاشكالات الجانبية ومع الحلول العقلانية والهادئة.

صديقي عبد القادر السيد قال لي اليوم أيضاً أنه في يوم ما حصل خلاف بين مجموعته من جبهة التحرير ومجموعة رفاق من الجبهة الديمقراطية، بسبب اعتقالها لابن العم الشهيد فيما بعد عبد الرحمن حمد، لأنه بعد تركه الديمقراطية لم يُعِد بارودته للجبهة الديمقراطية. كادت المشكلة تكبر وتتطور لولا تدخل المرحوم محمد عيسى عطالله.

رحم الله الصديق ابو أحمد الذي  عاش ومات نظيف الكف وطيب القلب.

اعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

27-12-2021