الصراع السعودي – الإيراني وتزييف التاريخ المعاصر – أسعد أبو خليل

لاقى كتاب كيم غطّاس «الموجة السوداء: السعودية وإيران وصراع الأربعين سنة الذي فكّك الثقافة والدين والذاكرة الجماعيّة في الشرق الأوسط» تهليلاً في الإعلام الغربي، كما أنّ الكتاب بات يحتلّ مركزاً مرموقاً في قوائم الكتب المُقترحة في صحف الغرب. عنوان الكتاب وحده يكفي ليدعك تتوقّع، أو تتوجّس، أنّ الكتاب سيكون «خبيصة» وأنّ الكاتبة ليس لها تركيز أو منهج معيّن، وأنّ تجميع مقالات مبعثرة للمؤلّفة يحاول أن يحشر عنواناً. والإطراء على الكتاب (من صحافة الغرب خصوصاً) متوقّع لأنّ غطّاس عملت في وسائل الإعلام الغربيّة، وهي تنتمي حكماً إلى الإعلام الغربي السائد، بليبراليّاته المنفّرة وانحيازه وقيمه وأولويّاته. والعربي لا يمكن له أن يدخل إلى الإعلام الغربي، من دون أن يعتنق كلّ انحياز هذا الإعلام ضد العرب، لا بل إنّ واجب العربي الأوّلي أن يُزايد في اعتناقه كي يثبت ولاءه وصدق تخلّصه من أيّ تعاطف مع الشعب الذي انتمى إليه بالولادة فقط: هذا مثل حالة نورا بستاني التي كانت مراسلة «ذا واشنطن بوست» في بيروت. كانت تجهد كي تقلّد كلّ انحيازات وعدم مهنيّة مراسلي الغرب. العربي في إعلام الغرب، مثل الشيعي في إعلام الخليج: يحتاج إلى إثبات ولاء يومي وإلّا الطرد الفوري. ولا تحيد غطّاس عن هذا الخط.

الكتاب ليس إلّا مجموعة مقالات صحافية غير مترابطة تتعرّض لمواضيع متفرّقة، مثل علي شريعتي ورفيق الحريري وضياء الحق وموسى الصدر وصدّام حسين وحزب الله، ثمّ الصراع السعودي – الإيراني في المنطقة. والعنوان الفرعي للكتاب يشرح المشكلة: أنّ الكاتبة أرادت أن تجمع مقالاتها الصحافيّة عبر عقديْن وتزعم أنّ النِتاج هو كتاب ذو موضوع واحد. وغطّاس عملت مراسلة لـ«بي.بي.سي» في بيروت، ثمّ في واشنطن وكتبت كتاباً تبجيليّاً عن هيلاري كلينتون. وفي كتابها عن كلينتون، «الوزيرة»، تشرح غطّاس توجّهاً للقارئ الغربي مباشرةً، إذ تقول له إنّ أمها هي هولنديّة (لا ندري أهميّة هذه المعلومة) وإنّها علمانيّة و«مرتبطة بالغرب» (ص. 2)، وإنّه بالنسبة لها: فإنّ أوروبا والولايات المتحدة تمثّلان «الأمل» (وليس الحروب، والاستعمار، والصهيونيّة، والقمع الطبقي، والاحتلال). هي تذهب أبعد من ذلك في كتابها الأول وتقول إنّها، خلافاً «لكثيرين» من أبناء وبنات جلدتها، لم تشعر يوماً برباط مع «الاتحاد السوفياتي أو إيران أو سوريا». ولا تدري في تلك المقدّمة إذا كنتَ تقرأ مقدمة لكتاب أو طلب انتساب لحزب الرجل الأبيض في الغرب، أو ملء قسيمة هجرة في دولة غربيّة. هي كانت تُطمئِن الحكومة الأميركيّة إلى أنها عادت في حياتها كلّ أعداء أميركا، حتى عندما كانت صغيرة في زمن الحرب الباردة. ولماذا لم تذكر أنّها كرهت برجنيف كما كرهت الخميني؟ وجمع النظام السوري والإيراني مع الاتحاد السوفياتي أفصح الكثير عن نوياها. الكاتبة تكتب هذه الأيام في مجلّة «ذي أتلانتك» التي يرأس تحريرها جيفري غولدبرغ، الجندي السابق في جيش الاحتلال “الإسرائيلي”. لكنّ مقدّمة الكتاب الأوّل لها (هذا هو كتابها الثاني)، تفصح الكثير عن عقدة متحكّمة بنفسها: إنّها تريد من الغرب أن ينسى اسمها العربي وأن ينسى مكان ولادتها وأن يقبلها كواحدة منهم. والغرب مضياف نحو العرب الوافدين إلى إعلامه، إذا أحسنوا الامتثال وأعادوا كتابة ما يقرأونه من غلاة المتعصّبين الغربيّين ضدّ العرب والمسلمين.

ولشخصٍ ينتمي للمنطقة ونشأ فيها، غطّاس جاهلة عن الإسلام لا بل معادية له. لكن جهل الإسلام بين سكّان لبنان ليس بجديد. ولو أنّ غطّاس تعاطت مع اليهودية، كما تعاطت مع الإسلام في الكتاب، لنالت وصمة أبديّة بمعاداة السامية، لكن ليس من وصمة لمعاداة الإسلام في الغرب، بل ثناء وأوسمة وتقدير. وهي تجد ضرورة لتوضيح جملة إذا ما ورد فيها إشادة بمؤمن مسلم (على الطريقة المتعارف عليها حتى في لبنان، «إنّ هذا لا يبدو مسلماً»، أو «إنّ هذا مسلم لكنّه ليس مثل غيره»، أو «أنتَ ما شكلك مسلم»، وغيرها من التعبيرات التي ألفها مسلمون ومسلمات في لبنان). تقول كيم غطّاس عن مسلم: «هو مؤمن لكنّه تقدّمي» (ص. 102). أي هي تقول للقراء إنّه ليس من عادة المسلمين الورعين أن يكونوا تقدّميين. والرجل الذي كانت تتكلّم عنه، والذي يكتسي هالة تبجيل في كتابها، ليس إلّا السياسي السوري المحافظ، معروف الدواليبي، المستشار الرجعي للملك السعودي والداعية ضد الشيوعيّة والاشتراكيّة في سنوات الحرب الباردة. وتذكّر القارئ بأنّ الدواليبي تزوّج من فرنسيّة للتدليل على تقدميّته وانفتاحه. يمكن لها أن تشيد بسهولة بمستشارٍ للملك السعودي، لكن لا يمكن لها، مثلاً، أن تشيد بمستشار للنظام الإيراني (هي مثل هؤلاء الذين يرفعون في لبنان على مواقع التواصل الاجتماعي شعار «لا مع إيران ولا مع السعوديّة» فيما كلّ تغريداتهم تصبّ فقط ضد إيران وضدّ حزب الله). لكنّ انحيازها السياسي ظاهر في كتاب عن الصراع السعودي – الإيراني، إذ أنّ كلّ أبطالها هم يعملون لمصلحة النظام السعودي أو لمصلحة إعلام أمرائه (جمال خاشقجي، وحازم صاغية وبادية فحص بيسان الشيخ وصبحي الطفيلي وهاني فحص، إلخ، وهؤلاء مذكورون في قسم التنويه والشكر لأنّها اعتمدت عليهم كمصادر أساسيّة في الحديث والمواضيع).

يظهر عداؤها للإسلام بأشكال عدّة، ومنها الهوس بالحجاب: من يرتديه ومن ينزعه. ونزع الحجاب هو دليل قاطع على التحرّر ولا تعطي هي المرأة المسلمة القدرة الإنسانيّة. وتزعم أنّ الفنانات المصريّات اللواتي تحجّبن وتقاعدن عن الفن فعلن ذلك فقط لأنّهن تلقّين الرشاوى. طبعاً، طالت هذه الإشاعات فنانات عديدات، لكنّ غطاس ليست من الصحافيات اللواتي يتمنّعن عن نشر شائعات في كتاب (ص. 165) إذا كانت الشائعة تتوافق مع الأهواء السياسية (إنّ «الموجة السوداء» في عنوان الكتاب ليست إلّا إشارة إلى مظهر الحجاب الأسود الذي يقضّ مضجعها على ما يبدو). وهي لا تعرف، مثلاً، أنّ الوهّابية لا تنتمي إلى المذهب الحنبلي، لأنّ العقيدة الوهّابية تزعم أنّها أصل الإسلام قبل المذاهب والفرق. وتزعم غطّاس أيضاً أنّ حزب الله قرّرَ هكذا تطويل فترة الحداد في عاشوراء (ص. 203)، وتصف عاشوراء بأنّها «فترة عويل وضرب الصدور». هل يمكن تصوّر ردّ الفعل لو أنّها سخرت، مثلاً، من طقوس دينيّة يهوديّة؟

كتاب كيم غطّاس لا يُعوَّل عليه إذ يحاول أن يبني سرديّة دعائيّة لا أكاديميّة أو تاريخيّة للصراع الإقليمي الراهن

والكاتبة لم تخفِ في عملها الصحافي تأييدها لـ14 آذار، وإعجابها بزعماء فاسدين موالين للسعودية، مثل وليد جنبلاط وفؤاد السنيورة ورفيق الحريري. وهي تقبل ما يقوله لها السياسيّون الذين تلتقي بهم. ولأنّها تفتقر إلى المعرفة والإدراك، فإنّ خداعها سهل. والمثل الأبرز في الكتاب، هو مقابلاتها مع حسين الحسيني ومع أفراد عائلته (المذكورين في قسم التنويه). لا ندري إذا كان ما نسبته للحسيني عن دوره هو صحيح أم لا، لكن في غياب النفي من قبله لما ورد في الكتاب المنشور، يجب أن نفترض أنّ نقلها لكلامه كان دقيقاً. لكنّ الرواية التي حاكها الحسيني عن دوره، بحسب ما يرد في الكتاب، لا تقترب من الواقع. هو يقول إنّه استقال من حركة «أمل» (ص. 113) لكنّ الاستقالة جاءت بعد خسارته لمنافسة مع نبيه برّي. تجعل غطّاس الحسيني مناضلاً شجاعاً ومجاهراً ضدّ حزب الله، وتنسى أن تذكر أنّه كان يخوض الانتخابات على قائمة واحدة مع حزب الله. ولا تذكر (إمّا لأنّها لا تعرف أو لأنّها لا تريد أن تعترف) أنّ الحسيني أيّد عبر السنوات سلاح المقاومة ضد “إسرائيل” ولم يعارضه (على الأقل في العلن) مرّة واحدة. لكنّ سرديّتها تزعم العكس تماماً، وقد يكون ذلك بناء على محادثات خاصّة غير علنيّة معه. حسين الحسيني الذي يظهر في الكتاب، لا يختلف عن فارس سعيد.

والأغرب في سرديّة الكتاب، مقولة إنّ الحسيني كان له تأثير بالغ على الخميني، وحتى في مرحلة الستينيّات (ص. 25). وهذا مضحك لأنّ الحسيني كان في العشرينيّات من عمره (وهو انتُخب في مجلس النوّاب للمرّة الأولى عام 1972) ولم يكن معروفاً خارج منطقته قبل ذلك. لا، أكثر من ذلك: تزعم غطّاس أنّ الحسيني هو الذي ثقّف الخميني عن القضية الفلسطينيّة والقضايا اللبنانيّة، وتروي أنّ عائلته هي التي كانت تسجِّل خطب الخميني وتوزعها في كاسيتات حول العالم. طبعاً، إنّ ذلك غير صحيح إذ كانت هناك شبكة من المعارضين الإيرانيّين الذين تولّوا ذلك، مع أنّ الكتاب يوحي بأنّ ماكينة التسجيل لم تكن متوفّرة عند الإيرانيّين. لقد وقعت غطّاس ضحيّة خديعة، إمّا من جهلها أو من غيرها من خلال أحاديث خاضتها مع عائلة الحسيني. وهذا القسم من الرواية يجعلك تشكّك في مصداقية كلّ ما ترويه.

تقول غطاس، مثلاً، إنّ عماد مغنيّة كان يتمتّع بروح النكتة (ص. 112). كيف تعرف ذلك؟ هل قابلَته ووجدته مزوحاً؟ هل عرفت واحداً من رفاقه أو أصدقائه؟ حتماً لا. محيطه في مكان آخر. لو قالت لنا إنّ أحمد فتفت أو جمال الجرّاح مزوح، لصدقناها على الفور لأنّها على صلة بمحيطه السياسي. ثمّ تنسب هذا القول لجان بول سارتر: «ليس لدي دين، لكن لو كان لي أن أختار ديناً فإنّه سيكون (علي) شريعتي» (ص. 33). لم يقل سارتر ذلك، ولا يمكن لسارتر أن يقول ذلك (مع أنّ القول نُشر في مجلّة فرنسيّة، لكن لنتذكّر أنّ الخيال الشعبي الشيعي المعاصر ينسب أقوالاً غير صحيحة لمشاهير حول العالم لشخصيّات شيعيّة، من الحسين إلى الخميني).

هناك أطروحتان في الكتاب. الأولى: أنّه ليس لأميركا و”إسرائيل” أيّ دور أبداً في شؤون الشرق الأوسط (وهذه الأطروحة سائدة في لبنان حيث لا يزال يصرّ البعض على أنّه ليس لأميركا أيّ ضلع في الانهيار المالي اللبناني). تعتقد الكاتبة أنّ كلّ الصراعات والقلاقل والدماء في المنطقة، هي نتيجة صراعات بين مسلمين. ولاحظت غطّاس في خاتمة الكتاب، فقط في الخاتمة، أنّ الولايات المتحدة غائبة تماماً عن سرديّتها. كيف تفسّر لنا ذلك؟ تقول إنّ السعوديّة وإيران لديهما «القدرة على التقرير» (ص. 274) كأنّها بذلك تستعمل مقولةً لدحض الاستشراق، لتسويق مقولة ترويج للهيمنة الأميركيّة وفرضيّاتها. وإذا كان للنظامين السعودي والإيراني القدرة على التقرير، أليس للإمبرياليّة الأميركيّة القدرة على التقرير؟ ثمّ هل السياسات والأدوار السعودية في المنطقة، من الصراع ضدّ عبد الناصر ومؤازرة «الإخوان»، إلى حرب اليمن الأولى والثانية، لا تكون مُنسّقة بالكامل مع الحكومة الأميركيّة؟ نحن لا نتكلّم عن عدوّ لأميركا هنا. لكنّ غطّاس تعترف بأنّ أميركا ارتكبت «أخطاء» (ص. 274)، وأنّ غزو واحتلال العراق كان نتيجة «تضليل» (ص. 188). مَن ضلّل من، يا كيم؟ هل ضلّل الضحايا الحكومة الأميركيّة وجعلوها تغزو العراق وتقتلهم؟ هل هذه على طريقة غولدا مائير عندما لامت العرب لأنّها تقتلهم؟

إنّ الكتاب هو ترويج للإمبراطوريّة ببساطة شديدة. وعندما تتحدّث عن فصل الترويج للإسلام المحافظ والمتزمّت من قبل الحكومة السعوديّة والباكستانيّة، لا تعترف أنّ الحكومة الأميركية كانت شريكة مباشرة وفعّالة في تلك الحقبة من الحرب الباردة. لم تكن دول الغرب بريئة البتّة في الترويج للإسلام الرجعي، عندما كان ذلك مؤاتياً ضدّ أعداء الغرب من التقدميّين والشيوعيّين في العالم العربي، وحتى في الاتّحاد السوفياتي. كان بريجنسكي وغيره من خبراء أميركا في شؤون الاتّحاد السوفياتي، يعوّلون على الإسلام كعنصر لتقويض الاتّحاد السوفياتي من الداخل. وكان لهؤلاء ما أرادوا عندما نصّب الاتّحاد السوفياتي نظاماً تقدّميّاً في أفغانستان، فشكّل التحالف الغربي – السعودي جبهة عالميّة من الرجعيّين الإسلاميّين الإرهابيّين. وكان للأنظمة العربيّة أسبابها لاحتضان «الإخوان» وفصائل الإسلام الرجعي (وهذه الأسباب كانت تتعلّق بمعاداة عبد الناصر والقيم التقدّمية التي كان يبثّها في الفضاء السياسي العربي) لكنّ الأنظمة فعلت ذلك أيضاً لمراضاة الحكومة الأميركيّة التي كانت تحبّذ استعمال الإسلام ضد الشيوعيّة والتقدّمية حول العالم. (راجع هنا كتاب جوزيف مسعد «الإسلام في الليبراليّة»).

أمّا عن “إسرائيل”، فهي غير موجودة في هذا الكتاب. والذي يقرأ هذا الكتاب لا بدَّ أن يطلع بخلاصة أنّ “إسرائيل” ليست إلّا ضحيّة بريئة للإرهاب الإسلامي والعربي. وغطاس تكنّ كراهية ضدّ الشعب الفلسطيني (وهذا مألوف في وسط اليمين اللبناني الذي يتسمّى بصفة الليبراليّة أحياناً). وتبلغ بها الصفاقة أن تزعم بأنّ المقاومة الفلسطينيّة كانت تتقصّد حصراً استهداف المدنيّين في فلسطين المحتلّة (ص. 113). أي أنّ غطّاس كرّرت الدعاية الصهيونيّة بلا كيف. وفصول العدوان “الإسرائيلي” المتكرّر، والغزوات والاجتياحات، لا تزعج غطاس. وحتى عندما يجمع مؤرّخو العدو “الإسرائيلي” على أنّ معظم اللاجئين الفلسطينيّين لم يغادروا فلسطين طوعاً، بل رُحّلوا عنها قسراً بقوّة السلاح، فإنّ غطّاس تصف طرد الفلسطينيّين بأنّه كان مجرّد «رحيل» لهم. كأنّها كانت تتكلّم عن مشوار لشعب فلسطين، ثم أضلّ الشعب طريقه. حتى صحف الغرب الصهيونيّة باتت تشير إلى عمليّات التهجير القسري التي طالت الشعب الفلسطيني.

بالنسبة إلى شخصٍ ينتمي إلى المنطقة ونشأ فيها فإن غطّاس جاهلة بالإسلام لا بل معادية له

الأطروحة الثانية في الكتاب مفادها أنّ النظام الإيراني مسؤول عن الصراع السنّي – الشيعي في المنطقة. صحيح أنّها لا تُكرِّر مقولة محمد بن سلمان الرائجة عن أنّ النظام السعودي لم يروّج وينشر الأصوليّة الإسلاميّة، إلا ردّاً على الثورة الإيرانيّة. وهذه المقولة لمحمد بن سلمان باتت لازمة في الإعلام العربي (التابع له، في أكثره). الطريف أنّ مذكّرات السفير والوزير السعودي السابق، عبد العزيز خوجة (صدرت تحت عنوان: «التجربة: تفاعلات السياسة والثقافة والإعلام»)، تدحض مقولة محمد بن سلمان لأنّها تذكر تأثير انتفاضة الحرم على السياسات السعوديّة، كما أنّ تكفير الناس والمعارضين، كما تكفير جمال عبد الناصر نفسه، جرى قبل انتفاضة الحرم وقبل الثورة الإيرانيّة – كان ذلك في الستينيّات. لكن رواية غطّاس تعطي أسباباً تخفيفيّة للعائلة السعوديّة المالكة، عندما تجعل أفرادها أسرى مغلوباً على أمرهم لعلماء المملكة. وتتحدّث عن علماء المملكة بجهل تام لطبيعة العلاقة بين العلماء وبين السلطة السياسيّة، لأنّ العلماء لم يكونوا يوماً صانعي قرار. كما أنّ السياسات الأخيرة لمحمد بن سلمان تتعارض تماماً مع العقائد الدينيّة التي كان العلماء يروّجونها (بإيعاز من العائلة المالكة على مدى عقود) ولم يكن هناك اعتراض يُذكر من هؤلاء العلماء الذين انتقلوا من المجاهرة بمعاداة الساميّة إلى الدعوات الحارّة للحوار مع دين واحد، فيما لا تزال عقائد الكراهية الدينيّة سائدة.

ولا تتضارب سرديّتها مع المصلحة الدعائيّة للنظام السعودي، لأنّ هوسها العدائي ينصبّ ضدّ النظام الإيراني. النظام السعودي هو ضحيّة علماء المملكة (كأنّ لهم سلطة مستقلّة) وشعوب المنطقة كلّهم ضحايا النظام الإيراني، فيما تعيش “إسرائيل” في المنطقة هادئة مسالمة مبتعدة عن مشاكل المنطقة. وروايتها، كما معظم الكتب الغربيّة غير الأكاديميّة عن إيران، تحوي الكثير من الحنين لنظام الشاه. ويظهر الشاه في الكتاب وهو يستفظع مشاهد العنف والقتل – على يد نظامه هو – وتلوم المعارضة على عنف نظام الشاه (ص. 24).

وفي لبنان: تزعم أنّ حزب الله منع الأحزاب السياسيّة، والموسيقى والكحول عن جنوب لبنان. وهذا يكفي للحكم على صدقيّة المؤلّفة. وتقول إنّ الشيعة قاتلوا “إسرائيل” من أجل الله، فيما قاتل غير الشيعة “إسرائيل” من أجل الوطن (ص. 121). وهذه التصنيفات، خصوصاً من قبل أعداء حزب الله الطائفيّين منهم والعلمانيّين، رائجة هذه الأيام. كأنّ المؤمن عندما يقاتل محتلّاً يفقد وطنيّته بسبب إيمانه – فقط إذا كان على مذهب لا يحظى برضى “إسرائيل” وأصدقائها الكثر في النظام العربي الرسمي. كيف يمكن ذكر وتحليل صراعات العالم العربي، منذ عام 1948 إلى الآن، من دون ذكر “إسرائيل” وهي ضالعة بصورة مباشرة. في كلّ منها؟ هل هناك صراع أهلي أو بين دولتين لم تكن “إسرائيل” شريكة فيه، لطرف ضدّ آخر؟ هل هناك صراع لم تؤجّجه “إسرائيل”؟ من جنوب السودان إلى شمال العراق إلى الحرب الأهليّة اللبنانيّة إلى المغرب وإلى الحرب السورية؟ بات الإعلام “الإسرائيلي” يعترف بتدخّلات “إسرائيل” في الشؤون العربيّة، فيما يقوم إعلام طغاة الخليج، وأتباعه في الغرب، بنفي هذه التدخّلات.

باختصار، هذا كتاب لا يُعوَّل عليه ويحاول أن يبني سرديّة دعائيّة لا أكاديميّة أو تاريخيّة للصراع الإقليمي الراهن الذي هو أيضاً صراع عالمي لأنّ أميركا ودول الغرب وأنظمة الخليج هي جزء منه، كما أنّ “إسرائيل” تلعب فيه دوراً أساسيّاً، ولم يبدأ هذا الدور فقط بعد إعلان التطبيع الرسمي. وليس هناك مجال لتعداد الأخطاء والأكاذيب والأضاليل في هذا الكتاب. وليس هناك من تسنيد أو توثيق للكتاب، فهو يعتمد على صحف الغرب وعلى مقابلات مع مسؤولي وصحافيّي النظام السعودي، أو مع عرب يعملون لصالح السياسات السعوديّة في المنطقة (وقد ذكرت أنّها قابلت ثلاثة أمراء سعوديّين، فيما لم ترَ ضرورة لمقابلة مسؤول إيراني واحد). وبالرغم من حديثها عن حزب الله، فإنّها لم تكترث لسماع وجهة نظره واكتفت بإجراء مقابلة مع مسؤول سابق في حزب الله، بات جزءاً من المحور السعودي في المنطقة. لكنّ الكتاب يأتي ليمدّ الدعاية الصهيونيّة والسعوديّة بدعاية على مدى صفحات طويلة، وهي ستسرّ جيفري غولدبرغ، الجندي “الإسرائيلي” السابق الذي يرأس تحرير مجلّة «ذي أتلانتك» والمُعجب بكتابات كيم غطّاس. لكنّ لبنان يزهو بمن «يصل» من أبنائه وبناته إلى إعلام الغرب. فليحتفل لبنان الرسمي بكيم غطّاس كما احتفل في السابق بمخرجٍ لبناني يحمّل أفلامه مضامين صهيونيّة.

* كاتب عربي
(حسابه على «تويتر» asadabukhalil@)

الأخبار اللبنانية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً