الطاقة الإيجابية للحب – الدكتور عادل عامر

إن الإنسان بطبيعته الغرائزية وبعاداته الاجتماعية يميل إلى العيش بشكل جماعي وهذا نتيجة لابتكاره اللغة وأدواتها ومن الطبيعي إن هذه اللغة والتي تعتبر من أهم أدوات التواصل لا بد لها من وسط اجتماعي تنمو فيه وتستخدم أدواتها في نطاقه لأنها أي اللغة لن تنمو أو تنتج فكراً وعلماً وأدباً إلا نتيجة التواصل والحوار بين أفراد الجنس البشري

.. لذلك كان لا بد في مرحلة تاريخية معينة وبعد نضوج الظروف والشروط الموضوعية لأي بيئة أو مجتمع من أن توضع من قبل الأفراد قواعد وأدبيات لاستخدام اللغة ومفرداتها وأدواتها المتعددة لدى كل مجتمع وبيئة ثقافية لها خصوصيتها ومفرداتها المتعلقة بطبيعة المنطقة الجغرافية والإرث التاريخي والتفاعل مع المحيط الحي من طبيعة وعوامل جوية وصراع وجدل فكري وميتافيزيقي لذلك نرى لكل مجتمع ما خصوصية معينة وذلك نتيجة طبيعية لتلك العوامل والظروف والصراع الفكري مع عالم الغيب وانعكاساته على الطبيعة ومظاهرها الفيزيائية ..

 لكن رغم كل هذا الاختلاف بين الجماعات البشرية والأقوام والأعراق كنتيجة طبيعية لاختلاف الظروف البيئية والمناخية وربما الغذائية والمرضية والصحية من منطقة لأخرى إلا إن هنالك عامل واحد يجمع كل أبناء الجنس البشري على امتداد المعمورة مهما اختلفت مشاربهم ومنابتهم وتوجهاتهم وحتى مستواهم العلمي أو الثقافي أو تحصيلهم العلمي …

انه وبكل فخر …الحب هذه الطاقة الإبداعية العظيمة والملهمة فالحب هو اللغة الوحيدة المشتركة بين كل أبناء الجنس البشري على اختلاف ألسنتهم ومشاربهم وتوجهاتهم كما ذكرنا سابقاً فالحب هو طاقة إيجابية بكل معنى الكلمة هو يختلف عن غيره من  اللغات المحكية أو النشاطات أو الحاجات البشرية لأنه لا يحتاج في كثير من الأحيان إلى لغة خاصة للتعبير عنه

 فهو يستخدم لغة الجسد معظم الأوقات ونظرات العيون والإيماءات المتعددة للتواصل مع المحبوب هي لغة عالمية بامتياز لا تحتاج إلى مفردات خاصة بها او مصطلحات علمية أو تجارية فالحب بكل بساطة هو أن تشعر بأنك موجود في هذا العالم

هناك أوجه شبه قوية بين الحب والطاقة، وفي الحقيقة الحب شكل من أشكال الطاقة الروحية التي يمكن توليدها واستقبالها بأشكال عقلية وجسدية أو عاطفية، ومثل الطاقة يمكن أن يأتي الحب من جهات مختلفة ويمكن استخدامه بوسائل شتى.

فعلى سبيل المثال؛ يمكنك توليد الطاقة الحركية أثناء تحركها، أما الأضواء العلوية فتستخدم الطاقة الكهربائية لإنتاج طاقة إشعاعية حين تضيء. أما بالنسبة للزنبرك المضغوط فإنه يختزن الطاقة وهناك طاقة حتى في مكيف أو مدفأة سيارتك.

و الحب شكل من أشكال الطاقة الروحية التي يمكن أن تعطى أو يتلقاها الناس بأشكال جسدية أو عاطفية أو عقلية، ويبدأ الحب عادة في أفكارنا ومن ثم ينتشر إلى العالم الجسدي من خلال أفعالنا وصولاً إلى إنتاج المشاعر العاطفية القوية للحب، فإن من الضروري التفكير في الحب والقيام بأعمال تتعلق به، فإذا فكرت في الغضب أو الحقد فليس هناك من سبيل لك لتشعر بالحب أو القيام بأفعال تتعلق به.

ثالثاً: للحب وجوه كثيرة قد تبدو متناقضة في بعض الأحيان ولكنها ليست كذلك. وعلى سبيل المثال؛ فالزوج الذي يُقدِّم هدية لزوجته في إحدى المناسبات السعيدة هو ذاته الذي يقطب حاجبيه في موقف آخر. و التأمل هو محاولة لامتصاص طاقة الأشياء، وقليل من الرياضة والتأمل سيضفيان على حياتكما هدوءاً رائعاً.

ويمكن تحول مشاعر الحب إلى طاقة متجددة في جوانب الحياة المتعددة؛ إذ يدرك الإنسان الناضج أن الحب هو هذا الكائن الروحاني، الكامن في داخلنا، وهو الطاقة الروحانية التي تحرك الأشياء في داخلنا، وتغير العادات، وتبدل السلوكيات نحو الأرقى، ويفهم الإنسان الناضج أن الحب طاقات متنوعة، فهناك حب الإنسان لله سبحانه وتعالى،

 وهذه العلاقة شديدة الخصوصية، يصرفها الفرد ويستشعرها ويتذوقها، إنها الحب الصافي الذي يتعلق فيه المحب بحبيبه، وهذه العلاقة لا يعرف كنهها إلا من عايشها. وعلاقة أخرى سامية،

وهي حب الأم لأبنائها، إنه الحب الذي يتدفق عطاء وحناناً ورعاية إنه حب بلا حدود وبلا مقابل، لتنمي شخصية طفلها وتربي إنسانا قادرا على مواجهة مطالب الحياة وقادراً على المساهمة في بناء مجتمع ومن ثم وطن متحضر.

وعلاقة حب أخرى هي الزوج والزوجة، وهي علاقة بناء وتكامل وليست علاقة صراع، إنها علاقة تتصف بالود والسكينة والرحمة والاحترام والوضوح والتواصل والتضحية بنفس راضية.

وهناك حب الوطن الذي يرتبط بحضارة الآباء والأجداد والذود عن حياضه…الخ. وهذا الحب الذي يتفجر كالبركان في الغربة ولا نحس به إلا بالبعد عن الوطن.

وحب العلم وهو بحر واسع يجد السابح فيه متعة كبيرة، متعة البحث ومتعة الاكتشاف، ومتعة تقديم نتائجه لتوظف في خدمة المجتمع والوطن، فكم من النشاطات أثرت في خدمة الإنسانية بفضل حب العلم.

إن وظيفة الحب في حياة الكائن الإنساني امرأة كان أم رجلاً ليس الغرض منها الإبقاء على النوع، أو إشباع الغريزة.. بل إن هذه القضايا وما يتفرع عنها تأتي في الدرجة الثانية من عمل الحب داخل الذات الإنسانية، وتأثيره والدليل على ذلك نستخلصه من الواقع الملموس البسيط الذي يظهر بارزاً في كل جيل وكل عصر، وكل بيئة،

بل هو نتيجة تفتح الذات على غيرها وعلى العالم. فيندفع صاحبه في طريق النبوغ والجد والعمل والإبداع في أحد الحقول العامة، حسب الظروف والأوضاع والوسائل، بيد أنه يظل في أساسه قوة عطاء وإبداع خلاقة تقرب النفوس وتفجر إبداع العقول لما فيه خير المجتمع وإسعاد الناس، وهنا يأتي دور التربية الفعال  لأن الدور الذي لعبه جهل المربين والمربيات هو الذي حال وما يزال يحول بين الإنسانية والإفادة من الحب على أكمل وجه وأدقه وأحلاه، كما لا بد من ملاحظة هذا الجانب، جانب التربية في دراسة عالم الحب، لأننا نلاحظ دوماً أن شخصيات التاريخ الكبرى من شعراء وأدباء وعلماء وفنانين ومخترعين امتازوا أكثر ما امتازوا بقدرتهم العجيبة على الحب وتفردوا بذلك اللهب الداخلي

فلا يملون الجهد من أجل غيرهم، ولا يتوانون لحظة عن الاستمتاع بالخدمات التي كانوا يؤدونها رغم كل ما تنطوي عليه من صعوبات ومشقات، ولم يكن لهم من حافز أصيل على الصبر والجلد، سوى امتداد لهيب الحب في جوانحهم، منذ الطفولة وحتى نهاية العمر.

وهناك أنواع كثيرة من الحب، مثل حب الطبيعة من سماء وبحر وشجر، وحب الأماكن: مدينة، بيت، شارع… حب الجمادات: القلم الذي تكتب به، والكرسي الذي تجلس عليه، والكتاب الذي تقرأه و…إن الحب للإنسان هو المرسى في خضم الحياة،

وهو الكنز الذي يبحث عنه وهو بداخله، إن طاقة الحب للناس وللعمل وللأشياء من حولنا، تنعكس على صاحبها في حياته الحاضرة والمستقبلية سعادة، إن طاقة الحب هي البيئة النفسية التي تسهم في الإصلاح والبناء والتحديث للإنسان والمجتمع.

لا بد لنا من زرع ثقافة الحب بين الجميع .. صحيح أن الحب هو شعور ينبع من أعماق النفس البشرية ولن نتطرق إلى نظرة العلم وما يقوله حول الشعور بالحب وتلك الكيمياء اللعينة التي يعزو لها سبب شعورنا بذلك الحب العظيم  كنتيجة لإفراز هرمونات معينة..

إن الحب له فلسفته الخاصة فهو ينساب من داخل أعماق الشخص ويصعد إلى السطح وينعكس للخارج من خلال نشاط وسلوك إيجابي وفعّال يمنحنا الدافع للاستمرار في التقدم والمزيد من العطاء لذلك كما أسلفنا سابقاً علينا كأفراد وهيئات أن نحاول إشاعة وتعميم ثقافة الحب في كل المجالات لأنه مع الحب ستكون النتائج عظيمة ومثمرة وأكثر رقياً وسمواً

ومن جهة أخرى فسيادة ثقافة الحب ستنتج مع الأيام وللمستقبل أجيالاً أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر شجاعة وعطاءاً وأقل أنانية ونرجسية ووحشية وبهذا سيكون الحب عاملاً رئيسياً ومساعداً في التخفيف من حدة التوتر والاحتقان والتطرف والأنانية التي تسيطر على قلوب الكثيرين وستقف سداً منيعاً في وجه كل ممارسات الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله الدينية والعرقية والاجتماعية والثقافية ..

الدكتور عادل عامر

دكتور القانون العام والاقتصاد

وخبير أمن المعلومات 

وعضو المجلس الأعلى لحقوق الانسان