العم أبو حسين حمد صاحب مخيطة ومخترة ومضافة وسفارة مخيم عين الحلوة في صيدا

إعداد نضال حمد وموقع الصفصاف

من خزان الذاكرة: وجه صفصافي مشرق ومضافة صفصافية تاريخية

لا أدري إن كان هناك من أهالي بلدة الصفصاف الجليلية الفلسطينية المحتلة خارج لبنان أو من الصفصافيين الباقون هناك من لا يعرف أو لم يقم بزيارة مضافة العم علي حمد –أبو حسين-. فقد زاره هناك في محل الخياطة الخاص به كثير من الناس على مدار عشرات السنين. سنجد عدداً كبيراً جداً من الأشخاص قد زاروه هناك ولو لمرة واحدة في حياتهم. فقد تحول محل الخياطة خلال السنوات الطويلة من عمره الى مضافة ومخترة وسفارة للجميع، للم الشمل.

محل العم علي أحمد حمد – أبو حسين -الملقب بال (نعيم) وبال(حنون)، بقي منذ عشرات السنين مشرعا أبوابه أمام كل الزوار. من هؤلاء من كان يحضر قبله الى المكان وينتظره أمام الباب أو عند مدخل البناية، قرب مطعم البساط الشهير والحسبة الجديدة، بجوار (التربة) أي المقبرة القديمة، عند الاشارة بين داريّ سينما شهرزاد والهيلتون، اللتان غابتا عن الوجود في زمن استبدلت فيه السينما بصالات الألعاب والانترنت.

كان بامكان أي انسان من على الشارع أن ينظر الى الأعلى ليرى على الطابق الثاني العم أبو حسين في محله. أيضا كان يمكنه أن يقرأ بوضوح أسم المحل الذي يظهر لكل عابر على الشارع، حيث كتبت الكلمات بخط عريض (الخياط علي حمد).

عمي أبو حسين حمد الذي تعلم الخياطة مع شقيقه الأكبر منه سناً أي مع والدي الراحل أبو جمال حمد، كان خياطاً ماهراً يقصده زبائنه من كل الدنيا، حتى المسافرين والمقيمين منهم في الخليج وأوروبا وأمريكا واستراليا كانوا يأتون إليه لخياطة ملابسهم وكذلك للجلوس في مضافته.

عمي علي رحمه الله

زوار العم المقيمون منذ عشرات السنين في محله كانوا يأتون ويبقون هناك حتى يغادر العم محله عائدا الى بيته في مخيم عين الحلوة سيراً على الأقدام كعادته.فقد اعتاد أن يعود سيراً كنوع من الرياضة التي كان يحسد عليها. خلال الجلسات في المخيطة – المضافة كانت عادةً تحضر كافة أنواع الأحاديث والنكات والنقاشات والذكريات، فالجدالات الحادة وصولا الى زعل البعض والخلافات. كانوا يتزاعلون ثم يرضون ويعودون فلا بديل عن المضافة.

هناك الكثيرين من رواد المكان رحلوا عن عالمنا عبر سنوات العمر التي مرت ومنهم فيما بعد عمي نفسه. لذا أجد أنه من الصعب تعدادهم، رحمهم الله. هناك أيضا منهم من بقيوا ملتزمين بالمرور يوميا أو أسبوعيا والمكوث في المكان لبعض الوقت. من هؤلاء العم الذي رحل سابقاً أبو غازي حمد، ثم شقيقه العم عبد الله العبد –أبو محمد حمد- . أبو غازي رحمه الله اعتاد من سنين أن يترك أركيلته في المضافة. فحين يأتي في اليوم التالي يعمرها حتى تكاد أصوات موسيقاها تطغى على أصوات الباعة في الحسبة المجاورة. رحل العم أبو غازي بعد كتابة هذه الكلمات بأشهر عديدة. كما سبقه في الرحيل الى العالم الآخر العم الأستاذ صالح حمد أبو عماد، أحد أقدم زوار المخيطة. وها هو عمي مختار المضافة يرحل  ليلتحق برفاقه وزواره الذين سبقوه الى العالم الآخر. ليطوي برحيله رحلة حياة بدأت في الصفصاف في الجليل الأعلى وانتهت في مخيم عين الحلوة.

حصل أن زرت عمي في محله عدة مرات خلال زياراتي الى لبنان. فقدر لي أن استمعت لأحاديث البعض في محله. لم أتدخل في الأحاديث إلا مرة واحدة. لأنني شعرت بأن المتكلم فوقي وأستعراضي ويشوه الحقيقة ويقوم بالمزايدة على الجميع. بالرغم من أنه كان أستاذي في المدرسة المتوسطة في مدرسة حطين، لم احتمل كلامه لأنه كان استفزازياً بشكل كبير. قلت لأستاذي الذي توفي أيضاً فيما بعد رحمه الله، ما كان يجب أن يسمعه، كي يتواضع قليلاً، ثم غادرت المكان مودعاً عمي وضيوفه ومتمنيا لهم يوماً سعيداً.

بعد كتابة هذه الكلمات وخلال السنوات اللاحقة  توفي عدد لا بأس به من رواد المضافة لم يكن أولهم العم أبو غازي حمد ولا آخرهم عمي علي أبو حسين ولا العم ابو محمد عبدالله حمد ولا العم محمد حمد ابو أحمد زوج عمتي سرية أمد الله في عمرها… ولا والدي أبو جمال حمد.

قمت خلال وجودي في لبنان بزيارة عمي أكثر من مرة في مستشفى الراعي بمدينة صيدا حيث رقد لأكثر من شهر ونصف في العناية الفائقة. في نفس المكان الذي رقد فيه صديقه العم أبو غازي حمد آخر أيام حياته. كان وضعه سيئا لكنه صمد وقاوم. آخر لقاء لي بعمي كان قبل 4 أيام من وفاته وهو لقاء الوداع، في مستشفى الهمشري حيث زرته ولكن في تلك الزيارة شعرت بأنه لا بد ماضٍ الى العالم الآخر. لم يكن يستطع الكلام، كان يتكلم قليلا وبصعوبة. لا أعرف لماذا ركز عيناه في عيني ونظر فيهما طويلا. حاولت أن لا أنظر في عينيه. لأنني شعرت بالدموع تتجمع في عيني. غادرت المستشفى بعدما شددت على يده وودعته بصمت… ثم بعد ثلاثة أيام غادرت لبنان الى أوروبا. لكن في اليوم التالي لوصولي الى هناك جاءني خبر رحيله.

ترى هل علم عمي قبل رحيله بوفاة أنيس (الأخرس) كلكم تتذكرونه فهو علم من أعلام المخيم وهو إبن شقيقه الراحل الحاج أبو محمد – محمود أحمد حمد – محمود النعيم ؟…

هل علم أيضا بوفاة أبن عمه وزوج شقيقته الحاج أبو أحمد حمد؟.

 لقد توفيا في نفس الأسبوع وقبل أيام من وفاته.

رحيل هؤلاء الأقارب أثر كثيراً على نفسية وصحة والدي الذي كان بنفس الوقت قلقاً على عمي. فلم يخطر بباله أن يرحلا فجأة. بالنسبة لي عندما علمت بوفاة عمي إتصلت بالأهل بغية تقديم التعازي للوالد لكنهم حذروني من ذلك خوفاً على صحته المتدهورة. هذا ليس غريباً لأن أبي يعاني من الشيخوخة منذ سنين وهو تقريباً مقعد ولا يغادر بيتنا إلا مضطراً وفي مناسبات قليلة، مثلاً حين تشتد المعارك بين الأخوة الأعداء في مخيمنا كان يرفض المغادرة لكن كُنا نجبره على ذلك.

حين تكلمت معه عبر الهاتف سألته عن صحته فكان رده عما قريب سألحق بأبي أحمد، وسوف تأتي الى جنازتي بعد أسبوع أو أسبوعين. بعد كلامه تأكدت أنه من الغباء إخباره الآن برحيل شقيقه الأصغر عمي أبو حسين – علي حمد، فهو شبه متيقن من أنه سيلحق بقافلة الراحلين. للعلم بعد ذلك بأسابيع قليلة توفي والدي ولحق بعمي وإبن أخيه وأبناء عمومته.

نم قرير العين يا أبا حسين… نم لتبعث حياً من جديد يوم تحرير الصفصاف وكل فلسطين.

نضال حمد – اوسلو 14-2-2015  تم التحديث في الثامن من كانون الثاني 2022