الغارة على حمام الشط وشهيدنا الصفصافي فيصل شريدي

الغارة على حمام الشط وشهيدنا الصفصافي فيصل محمود شريدي

في الأول من هذا الشهر أكتوبر ١٩٨٥ قصفت طائرات حربية صهيونية مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي كان يقع في منطقة حمام الشط قرب العاصمة التونسية. مما أدى الى استشهاد عدد من المقاتلين الفلسطينيين وعناصر الشرطة التونسية. سميّت تلك العملية، الغارة من قبل الصهاينة بعملية “الساق الخشبية”. قبل أيام من تلك الغارة كنت على مقربة من المكان حيث قمت بزيارة صديق جريح فلسطيني بساقٍ بلاستيكية مثلي تماماً، كان أيضا يتواجد هناك. شاءت الصدف أن أغادر تونس قبل الغارة.

من الذين استشهدوا في الغارة المذكورة هناك الصفصافي ابن بلدتنا (الشيخ) فيصل محمود شريدي، الذي كان عنصراً في جهاز أمن ال 17 التابع لحركة فتح. هذا الجهاز الذي سماه أبو عمار “أمن الرئاسة” حتى قبل أن يصبح رئيسا للدولة التي أعلن عنها في المجلس الوطني الفلسطيني في دورة الجزائر سنة 1988. كان جهازا يعج أيضاً بما كان يعرف في ذلك الزمن ب(الشبيحة). الآن استبدلوا ب(السحيجة) في الحالة الفلسطينية الراهنة.

( صورة الشهيد فيصل محمود شريدي)

كان فيصل شابا هادئا ومتدينا وملتزما. على النقيض من كثيرين كانوا ينتسبون لجهاز ال17، هذا الجهاز الذي طغى على غالبية عناصره التشبيح والاستعراض.. فيصل كان من طينة وعجينة غير طينة وعجينة هؤلاء لكنه عاش معهم وقضى آخر سنوات عمره وحتى استشهاده في هذا الجهاز.

آخر مرة رأيت فيها فيصل شريدي ربما وحسب ما أذكر كانت اثناء الحصار في بيروت صيف سنة 1982، هذا اذا لم تخنِ الذاكرة. لم يحصل أن التقينا في تونس قبل استشهاده في حمام الشط، حيث زرتها مرتين قبل وقوع الغارة على حمام الشط، مرة في صيف 1984 وأخرى في خريف 1985. ربما يعود السبب في عدم اللقاء لعدم معرفتي بأن ابن البلدة كان موجوداً في تونس وفي مقر أبو عمار بالتحديد.

سنة 2007 في شهر اللوز قمت بزيارة مقبرة شهداء فلسطين في حمام الشط حيث ضريح الشهيد الصفصافي فيصل شريدي. تلوت الفاتحة على روحه وأرواح الشهداء الآخرين. بلغته تحيات أهله وعائلته ومخيمه عين الحلوة … وتحيات أهالي بلدته الصفصاف الذي يعتزون به شهيداً، مؤمنا، مناضلا وملتزما.

كان يومها برفقتي الأخ والصديق عبد القادر السيد ابن مخيمنا عين الحلوة وجبهتنا، جبهة الشهداء: طلعت يعقوب وعبد وطارق حمد وغسان كايد ومحمد الشعيري “سلامة” وشربل البني وحاتم حجير وعامر خليل، جبهة التحرير الفلسطينية وقائدها هذه الأيام، ابن مخيم عين الحلوة الرفيق أبو نضال الأشقر..

عبد القادر كان مرشدي في تلك الرحلة.

المجد والخلود لشهداء تونس وفلسطين والأمة العربية

لا صلح، لا تطبيع، لا تفاوض ولا سلام مع الصهاينة

المجد للمقاومة

نضال حمد

مقبرة شهداء فلسطين في حمام الشط – تونس

مدخل الجبانة

لوحة بأسماء شهداء الغارة على حمام الشط

مدير موقع الصفصاف يقرأ الفاتحة على أرواح الشهداء

اسم الشهيد الصفصافي فيصل محمود الشريدي على اللوحة التذكارية

قبور القادة الثلاث ابو اياد ابو الهول والعمري

*

قبور الشهداء بلا اسماء

قبور الشهداء بلا اسماء

*

مقالتي السابقة سنة 2003 عن فيصل محمود شريدي

بين حمام الشط وحطين أزمنة وسنين
تاريخ النشر السابق : 2 تشرين الأول 2003
نضال حمد
مضى فيصل شهيدا فلسطينيا في شمال أفريقيا، على مقربة من قرطاج و مآثر زعيمها العظيم هنيبعل ،الذي قاوم الفرنجة وهزمهم في أحيان أخرى. رحل أبن البلد الهادئ والمتواضع والشريد في عالم العرب القريب البعيد، رحل فيصل مدرجا بدمه ، ومرت الأيام والسنون وتشتتنا في كل بقاع الدنيا، تحت وفوق الأرض، ولم أجد الإجابة الشافية على سؤالي، لا في حياته ولا بعد مماته.
قبل أيام قليلة مرت ذكرى الغارة التي شنتها الطائرات الحربية (الإسرائيلية) على مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بمنطقة حمام الشط في تونس. كان ذلك يوم 01-10-1985، قيل أنها جاءت ردا على عملية لحركة فتح، ثم تبع ذلك في السابع من تشرين الأول 1985 عملية اختطاف السفينة الإيطالية أكيلو لاورو من قبل مجموعة فلسطينية مسلحة، حاولت الوصول الى ميناء أسدود لتنفيذ مهمة قتالية ضد الصهاينة في فلسطين المحتلة.
أدت الغارة لاستشهاد وجرح العشرات من الفلسطينيين والتونسيين، حيث لازالت قبور الشهداء موجودة في تونس حتى يومنا هذا. كان من بين شهداء الغارة، الصفصافي أبن بلدتنا الصفصاف في الجليل وبنفس الوقت أبن مخيمنا عين الحلوة في المنفى العربي، الذي تريده “إسرائيل” ومعها أمريكا وطنا بديلا. هناك في حمام الشط يرقد الصفصافي فيصل الشريدي أحد شهداء حركة فتح، من الفلسطينيين الذين استشهدوا في الغارة المذكورة.
لقد كان فيصل الشريدي شابا فلسطينيا تقيا ومؤمنا، ظل ملتزما دينيا حتى آخر أيام حياته ولحظات مماته.
لم يكن من الذين يعرفون من الدنيا أي وجه آخر غير وجه الله ودينه الإسلامي الحنيف، لذا كان دائما يثير استغرابي بوجوده في قوات أمن ال17 ، فعندما كنت أراه في لبنان قبل الرحيل عن بيروت وقبل وأثناء الحصار الصعب والطويل في عاصمة العروبة، حيث كان يقاتل بشراسة ويمارس معتقداته الإيمانية والدينية بهدوء وخشوع،كنت أقول هذا الرجل غريب الأطوار فعلا، فما الذي يجمعه مع قوم مثل أهل ال17 ؟
كان يداوم في وسط غريب وعجيب كما كان حال جهاز أمن ال17 في لبنان، فهذا الجهاز كان حكرا على فئة معينة من الرجال الذين أنجبتهم تجربة لبنان، حيث كان وكرا لمعظم الذين لا دخل لهم بالدين أو بالدنيا.
كنت أتساءل دائما لماذا هذا الفيصل في هذا الجهاز بالذات ؟

كنت في خريف العام الماضي زرت تونس برفقة أصدقاء لي، وكانت الزيارة ممتعة وشيقة، حيث أن لتونس مكانة في قلبي، ثم عدت وزرتها نهاية أغسطس – آب من العام الحالي، وعقدت العزم على زيارة مقبرة شهداء حمام الشط لوضع أكليل أو باقة من الزهور على قبر الأخ فيصل محمود شريدي وإخوانه الشهداء، لكن الحظ لم يسعفني في كلا الرحلتين، وعدت من تونس دون زيارة قبر أبن البلد وأبن المخيم، مما زاد من غضبي على نفسي وعلى قلة حيلتي وبرامجي غير المرتبة كما يجب أن ترتب، وغير المعدة كما يجب أن تعد وتكون.

ها أنا أخي فيصل أعلن ندمي وأسفي على عدم وفاءي بوعدي، مع أن الوعد قطعته على نفسي فقط لا غير ولم أخبر به أحدا… ولم أشرك أيا كان بنيتي زيارة قبرك، لكي تشتم من رائحة الورد الذي أحمله عبق ورد مخيمنا، وعطر زهور بلدتنا الجليلية.. ولم أفصح حتى لأصدقائي في سفرتي ورحلتي ما كنت أنوي القيام به، فزيارة قبرك يا فيصل واجب عائلي ووطني وأخلاقي.
الآن وبعد كل هذه السنوات من عمر الغارة الوحشية على حمام الشط ينظر الإنسان بحزن كبير للحالة العربية الرثة، حيث لا عرب ولا عروبة سوى على الورق وفي بعض الحناجر التي لم تتعبها الهزائم العربية المتتالية.
فالأمة العربية متعبة من ثقل الهزائم ووقعها الصاعق على الآباء والأبناء، لكن وبالرغم من احتلال العراق وسقوط الأنظمة العربية في وحل التبعية الأمريكية، إلا أن بشائر الأمل بحيوية وحياة هذه الأمة تأتينا دائما من أخوة فيصل الشريدي الذين يدافعون عن التراب الفلسطيني، ويصدون بأجسادهم المقنبلة وصدورهم العارية هجمة التصفية التي تستهدف الأمة العربية ليس في العراق وفلسطين فحسب بل في كل العالم العربي.
علينا أن نعيد الأمل للذين فقدوه، ففي مثل هذا اليوم من سنة 1187 حرر الناصر صلاح الدين الأيوبي القدس من الفرنجة الصليبيين في معركة الكرامة العربية والإسلامية في حطين الفلسطينية.
في ذكرى شهداء غارة حمام الشط ومعركة تحرير القدس في حطين بقيادة صلاح الدين نقول للعرب أينما كانوا: إن تاريخنا عظيم وجليل، لكن علينا النظر الى حاضرنا والعمل من أجل مستقبلنا، بعيداً عن البكاء على الأطلال وفوق أضرحة الموتى والشهداء، فليس سوى العمل والتلاحم والتضامن والأيمان بأن هذه الأمة لازالت عظيمة وتملك إمكانيات ومقومات الخروج من حالة الحصار والقنوط التي تسودها.

نضال حمد