الفيلسوف الصهيوني عمري بوم ـ”جمهورية حيفا”ـ المساواة (للإسرائيليين) والفلسطينيين في دولة واحدة

ننشر الحوار كما هو وكما نشر في موقع قنطرة الألماني باللغة العربية .. وهو يعبر عن رأي نوعا ما مختلف ومغاير ليهودي “اسرائيلي” صهيوني حريص على “اسرائيل” وبقاؤها .. رأي له في الصراع بيننا وبين أعداء أمتنا ومحتلي وطننا فلسطين.

حوار مع الفيلسوف ” الإسرائيلي” عمري بوم

ـ”جمهورية حيفا”ـ المساواة (للإسرائيليين) والفلسطينيين في دولة واحدة

لا نهاية للصراع بين الفلسطينيين و(الإسرائيليين) إلا بالمساواة في الحقوق بينهم بعيدا عن حل الدولتين الفاشل، كما يرى الفيلسوف (الإسرائيلي) عُمري بوم مؤلف كتاب “مستقبل لإسرائيل” وفق نسخته الإنكليزية، داعيا ألمانيا -المتحفظة نتيجة تاريخها النازي- إلى عدم اعتبار انتقاد يهودية دولة (إسرائيل) من المحرمات خصوصاً في ظل صعود اليمين (الإسرائيلي). المؤرخ الألماني والخبير في قضايا الشرق الأوسط رينيه فيلدأنغل حاوره لموقع قنطرة.

السيِّد عمري بوم، أنت تنتقد في كتابك المثقَّفين الألمان وتتهمهم بالرقابة الذاتية عندما يتعلق الأمر ب”إسرائيل”. ماذا تقصد بالضبط؟

عمري بوم: نعم، أنا أعتقد أنَّ هناك رقابة ذاتية. لقد تحوَّل الحذر المعقول إلى رقابة ذاتية وهذه الرقابة الذاتية أصبحت راسخة داخليًا لدى العديد من المثقفين لدرجة أنَّ معظم الناس لم يعودوا يلاحظونها. وعندما يتم تنبيههم إلى ذلك، يردُّون بانفعال. وخير مثال على ذلك “مبادرة الانفتاح على العالم GG 5.3” التي بدأت مؤخرًا. إذ إنَّ تحذير هذه المبادرة -من أنَّ “سوء استخدام الاتِّهام بمعاداة السامية قد يُبعد أصواتًا مهمة ويُشوِّه صورة المواقف الناقدة”-رُفِضَ مرات كثيرة بوسمه بأنه تحذير واهٍ.

توجد أسباب تاريخية وجيهة ينبغي بموجبها عدم التساهل بانتقاد “إسرائيل” في ألمانيا. ففي بلد يقول عن نفسه إنَّ أمْنَ “إسرائيل” يعتبر مصلحة وطنية ألمانية، من الواضح أنَّ النقاشات حول “إسرائيل” تجري بشكل مختلف عن نقاش موضوعات أخرى. ولذلك يوجد هذا المصطلح الغريب “نقد إسرائيل”. بيد أنَّ ما يُنظر إليه كنقد مشروع في ألمانيا يعتبر محدودًا جدًا. يمكن وبكلّ تأكيد انتقاد الاحتلال ونتنياهو والحكومة “الإسرائيلية”.

ولكن من غير المشروع مناقشة مسألة قيام دولة “إسرائيل” كدولة يهودية – على الرغم من أنَّ تعريف الدولة اليهودية لا يتوافق مع الديمقراطية الليبرالية. الأمر نفسه ينطبق على تصوير النكبة. عند طرح مثل هذا الموضوع للنقاش، تنهال عندئذ الاتّهامات بمعاداة السامية. وعندها يصبح حتى ذِكْر الحقائق أمرًا مستحيلًا.

ما هي الحقائق التي تقصدها؟

عمري بوم: لنأخذ على سبيل المثال الواقع الديموغرافي. مثلًا حقيقة أنَّ ما لا يقل عن ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون داخل حدود “إسرائيل” المفروضة بالأمر الواقع ويخضعون لقانون عسكري شديد القسوة، ولكنهم مع ذلك غير معترف بهم كمواطنين “إسرائيليين”. الألمان لا يريدون إدراك هذه الحقيقة، ويفضِّلون التمسُّك بحلّ الدولتين وَوَهْم “الخط الأخضر” بين “إسرائيل” والضفة الغربية. ولكن هذا الحلّ لم يعد موجودًا في “إسرائيل” منذ فترة طويلة. كما أنَّ هذا ليس ما يتم تعليمه “للإسرائيليين” في المدرسة. الكتب المدرسية تعلمهم أنَّ الضفة الغربية جزءٌ من “إسرائيل”.

 

الغلاف الألماني لكتاب "مستقبل لإسرائيل" للفيلسوف الإسرائيلي عمري بوم.  „Israel – eine Utopie“. (Foto: Verlag Propyläen).

دعوة إلى اتِّحاد فيدرالي “إسرائيلي” فلسطيني ثنائي القومية: يدعو الباحث عُمري بوم إلى إعادة التفكير في ماهية دولة “إسرائيل”، ويرى أنَّ المساواة في الحقوق لجميع المواطنين يمكنها وحدها إنهاء الصراع بين اليهود والعرب، وأنَّ الدولة اليهودية والأراضي التي تحتلها يجب أن تتحوَّل إلى جمهورية اتِّحادية ثنائية القومية، وأنَّ مثل هذه السياسة ليست معادية للصهيونية، بل على العكس: فهي تضع حجر الأساس لصهيونية حديثة وليبرالية. في الصورة غلاف النسخة الألمانية لكتاب “مستقبل لإسرائيل” للفيلسوف “الإسرائيلي” عمري بوم.

تمامًا مثلما يتعلم التلاميذ والطلاب “الإسرائيليون” أنَّه لا توجد نكبة [تهجير الفلسطينيين وطردهم من ديارهم]. وكذلك لا يوجد أي ذكر للـ”احتلال” في معظم وسائل الإعلام “الإسرائيلية”. “الاحتلال” بات يعتبر في هذه الأثناء مصطلحًا من مصطلحات اليسار الراديكالي.

يُطلق رسميًا في “إسرائيل” على الضفة الغربية اسم “يهودا والسامرة”؟

عمري بوم: هذا صحيح. وبالنسبة لمكتب الإحصاء المركزي “الإسرائيلي” فإنَّ اليهود في “إسرائيل” وفي “يهودا والسامرة” مواطنون “إسرائيليون”. وعلاوة على ذلك فإنَّ القانون “الإسرائيلي” يعتبر التصويت خارج الدولة غير قانوني: فأنا لا يمكنني التصويت من برلين أو نيويورك – لكن القانون يسمح لأكثر من سبعمائة ألف مستوطن يهودي في الضفة الغربية والقدس الشرقية بالإدلاء بأصواتهم. ولكن إذا لم يتم تجاهل الثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية -بل إحصاؤهم [كمواطنين] وهذا هو الصحيح [الذي ينبغي أن يكون]- فلن تكون هناك أغلبية يهودية واضحة أيضا.

وفي هذه الحالة ستكون لدينا دولة يهودية تتكوَّن حاليًا من نحو خمسة وخمسين في المائة من اليهود وخمسة وأربعين في المائة من غير اليهود – وذلك فقط إذا تجاهلنا المليوني شخص الآخرين في غزة. هذه هي الحقائق. ولكن هذه الحقائق تكاد لا تتوافق مع علاقة الألمان ب”إسرائيل”. ولهذا السبب يرفض الألمان مصطلح “الفصل العنصري” رفضًا  قاطعًا -سواء أكان من غير المعروف إن كان هذا المصطلح مناسبًا أم لا- أو يحكمون عليه بأنَّه معادٍ للسامية.

وفي الوقت نفسه أضحى هذا المصطلح شائعًا في “إسرائيل”، كما أنَّ أهم منظمة لحقوق الإنسان في “إسرائيل” -وهي مركز المعلومات “الإسرائيلي” “بتسيلم” لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة- أوضحت سبب استخدامها الرسمي لهذا المصطلح.

الواقع الديموغرافي هو السبب لعدم تمكُّن الدولة اليهودية من أن تكون ديمقراطية ليبرالية. يجب علينا أن نبدأ في مواجهة هذا الواقع: من أجل مصلحة البلد. المثقفون الألمان لن يقبلوا أبدًا بأن أتمتَّع كيهودي ألماني في ألمانيا بنفس الوضع مثل الفلسطينيين في “إسرائيل”، لأنَّهم وبكلِّ وضوح سوف يستنكرون هذا الوضع وسوف يعتبرونه عنصريًا. ولكن لو ادَّعى المرء أنَّ ل”إسرائيل” الحقَّ في الوجود كدولة يهودية، فهذا مثل منح ألمانيا الحقَّ في أن تكون دولة مسيحية للعِرْق الألماني فقط. اليمين المتطرِّف وحزب البديل من أجل ألمانيا يريدون ذلك أيضًا. ولكني لا أعتقد أنَّ الليبراليين الألمان لديهم اهتمام بذلك.

يُمثِّل حقُّ “إسرائيل” في الوجود كدولة يهودية وديمقراطية جزءًا من اتّفاق الائتلاف الحالي بين الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني والحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. الطلب الذي تم إقراره في البرلمان الاتِّحادي الألماني (البوندستاغ) ضدَّ حركة مقاطعة”إسرائيل” (BDS) – يُهدِّد جميع الذين يُشكِّكون في هذا الحقِّ بـ”مقاومة حازمة”…

عمري بوم: أجل. وحتى أنَّ هذا الطلب يذهب إلى أبعد من تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) لمعاداة السامية، والذي تبنته الحكومة الألمانية في عام 2017. صحيح أنَّ هذا التعريف يجب أيضًا مراجعته، ولكنه على الأقل يحرص على عدم وصف التشكيك في وجود “إسرائيل” كدولة “يهودية” كمعاداة للسامية – وذلك لأسباب وجيهة.

وفي المقابل يعرِّف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست استخدام “المعايير المزدوجة” فيما يتعلق ب”إسرائيل” على أنَّه معاداة للسامية. وينطبق الشيء نفسه على تصنيف “إسرائيل” كدولة عنصرية. أنا شخصيًا لن أصف “إسرائيل” كدولة عنصرية. ولكن عندما يدَّعي شخص فلسطيني أو “إسرائيلي” أو حتى ألماني أو أمريكي أنَّ “إسرائيل” دولة عنصرية، فهل هذا في حدّ ذاته معادٍ للسامية؟

لنفترض أنَّ الولايات المتَّحدة الأمريكية أعادت فرض الفصل العنصري – عندئذ ستتم إدانة ذلك وعن حقّ بوصفه عنصريًا. غير أنَّ وصف “إسرائيل” بأنها “عنصرية” -بحسب تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)- سيكون من حيث المبدأ معاديًا للسامية، بصرف النظر تمامًا عما تفعله الحكومة “الإسرائيلية”. وكأنَّ اليهود لا يمكنهم أن يكونوا عنصريين مثل جميع البشر. أليس هذا معيار مزدوج! وبعبارة أخرى فإنَّ هذا التعريف -وفق نفس منطق التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) نفسه- هو معادٍ للسامية.

“نحن بحاجة أيضًا إلى لغة جديدة”

لماذا يجب أن يكون ما يقوله المثقَّفون والسياسيون الألمان في هذا الصدد مهمًا؟

عمري بوم: أعتقد أنَّنا سنواجه قريبًا من جديد أوضاعًا يجب على ألمانيا فيها أن تتَّخذ موقفًا من السياسة “الإسرائيلية”. لا يمكن الحفاظ على الوضع الراهن. أنا لا أتحدَّث فقط عن الضم الرسمي. فقد تم ضمّ الضفة الغربية في الواقع منذ فترة طويلة، بل أخشى من احتمال حدوث عمليات تهجير أيضًا. صحيح أنَّ الحكومة “الإسرائيلية” لن تسميها هكذا، ولكن بحسب الرأي العام “الإسرائيلي”، لم يتم قَطُّ تهجير الفلسطينيين، ولم تكن توجد نكبة – ولا يوجد احتلال ولا فصل عنصري.

تخيَّل السيناريو التالي: يتم خلال صراع مستقبلي عنيف إطلاقُ صواريخ من الضفة الغربية ويصاب مطار بن غوريون بالشلل. فكيف سترد “إسرائيل”؟ سوف تستغل أي حكومة يمينية “إسرائيلية” مثل هذا الوضع كفرصة من أجل تحقيق أهدافها. ومن ثم سيشرح لنا المُرتابون التقليديون في ألمانيا لماذا تملك “إسرائيل” حقّ الدفاع عن نفسها ولماذا الفلسطينيون هم المسؤولون بأنفسهم عن معاناتهم الخاصة.

ولكن عندما تحدث أعمال طرد وتهجير واسعة النطاق من الضفة الغربية – أو عندما يحدث ما يشبه “غزغزة” الجيوب الفلسطينية [على غرار غزة] – فكيف سيكون ردّ فعل الحكومة الألمانية والبوندستاغ الألماني؟ وكيف ستتحدَّث وسائل الإعلام الألمانية حول ذلك؟

لقد اعتدنا على أنَّ القانون الدولي يتم تجاهله على حساب الفلسطينيين. يجب علينا أن نتحدَّث حول ذلك. نحن بحاجة أيضًا إلى لغة جديدة من أجل نقاش موضوع التزامات ألمانيا. وهنا يتعلق الأمر بالمسؤولية عن الماضي، وليس بالذنب. توجد في الولايات المتَّحدة الأمريكية تحوُّلات في الخطاب، والجالية اليهودية هناك باتت ترفض في هذه الأيَّام دعم رؤى اليمينيين “الإسرائيليين”.

هل ستزداد هذه الاتِّجاهات مع إدارة بايدن؟

عمري بوم: لا يزال من غير الواضح تمامًا كيف ستتصرَّف إدارة بايدن فيما يتعلق بالصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني. لم يكن الديمقراطيون في عهد أوباما قادرين على تحريك أي شيء بتعويذتهم المتمثِّلة في تمسُّكهم بحلِّ الدولتين. ثم جاء ترامب. وعلى العكس من أوباما والاتِّحاد الأوروبي، فقد كانت لديه سياسة واضحة – حتى وإن كانت مروِّعة. هل يعود بايدن إلى الصيغة القديمة العديمة الأهمية إلى حدّ كبير المتمثِّلة في “إبقاء المجال مفتوحًا أمام حلّ الدولتين”؟ . قد يكون ذلك كارثة. يجب على الحكومة الأمريكية إيجاد لغة لسياسة جديدة ذات صلة.

المصدر: موقع القنطرة