القدس المحتلة…(مقبرة مأمن الله) – منير قليبو
وما إن غادرت المقبرة هذا الصباح باتجاه السوق التجاري حتى شدّني ذلك التناقض القاسي:
يسمّونه مول ماميلا — تسمية “إسرائيلية” قديمة للمكان — لكن اللافتات الصغيرة في الداخل تعترف بالمسمى الفلسطيني للشارع “مأمن الله” تيمنا بالمقبرة التاريخية ….
هذا الحيّ باكمله كان طريقاً فلسطينياً عتيقاً يمتد من باب الخليل أصلا وصولاً إلى مشارف مأمن الله، نابضاً بالأسواق والناس والحياة وكذلك المقبرة التي حملت اسمه.
بالنسبه للاسم ماميلا ، هذا الاسم ليس مستحدث منذ العام ١٩٤٨ بل يرجع إلى الفتره البيزنطيه على اسم المراة التى قامت بالتبرع لبناء البركة الضخمه الموجوده وسط المقبره حيث كان اسمها ماكسميلا وماميلا في أن وواحد ، وفي القرون اللاحقه قامت المقبره حول هذه البركه وأخذت اسم مامن الله .
واليوم، وسط الأبنية الحديثة والإضاءة اللامعة، تظهر علامة لا يمكن إخفاؤها: كل حجر في الواجهات الجديدة مرقّم بحروف وألوان ورموز.
بالنسبه للحجاره المرقمه ، فقد قامت السلطات “الاسرائلية” في اواخر تسعينيات القرن الماضي بتفكيك بعض المباني التراثيه بعد ترقيم حجارتها لإعادة بناءها ودمجها في البناء الحديث للمجمع التجاري الحالي
بعد الهدم الكامل، خلال حرب عام ١٩٤٨ تركت المنطقة باعتبارها حدودية مع حدود الأردن تم احتلالها بالكامل عام ١٩٦٧ والاحتلال لاحقا قرر اعادة بناء الشارع وترميم البنايات كاملة وتم وضع الحجارة الأصلية وإعادتها إلى أماكنها الأصلية لبعض المباني حجر فوق حجر، رقم بعد رقم، رمز بعد رمز حتى لا تفقد هذه البنايات شكلها ومضمونها التاريخي.
بالنتيجة، أعيدت الحجارة إلى مكانها والبنايات الفلسطينية إلى اصلها و لكن أهل المكان لم يُسمح لهم بالعودة؛ وهنا تكمن الحكاية: مقبرة تشكو العزلة، وسوق لامع فوق ذاكرة عميقة، وتراث أُعيد ترصيصه ظاهرياً… بينما رُوحه بقيت في الغياب.
في مأمن الله — فوق الأرض وتحتها — تظلّ القدس تذكّرنا بأن الهوية لا تُمحى، وأن الحقيقة تُكتب بالذاكرة وبالحجارة،
حتى لو حاولوا أن يغيّروا الاسم لذلك اقتضى التنويه حتى لا ننسا
منير قليبو
ابن القدس وابن التجربة الفلسطينية

