القرار الوطني المستقلّ.. لماذا؟ – منير شفيق

 مجموعة الحوار الفلسطيني

عندما يُطرح الحوار حول شعار، أو مبدأ “القرار الفلسطيني المستقلّ”، لا بدّ من أن يُسأل: لماذا هذا الشعار الآن؟ ولمَن هو مُوجّه؟ أو هل يُراد أن يُطبّق القرار في العلاقة به؟  وذلك لأن هذا الشعار قُتل بحثاً منذ السبعينيات، وثمة تجربة طويلة في التعاطي معه، على مستوى ضدّ مَن كان موجهاً، ولأيّة أغراض، أو أهداف، وإلى أيّة نهاية انتهى.

  لنؤجّل الإجابة عن هذه الأسئلة، مؤقّتاً، ولنتناول الموضوع تجريدياً، ومبدئياً، بعيداً من التطبيق العملي الآتي بعد التجريد الأوّلي.

  لا أحد، فرداً أو تنظيماً، في الماضي والحاضر، إلّا ويقبل بمبدأ القرار الفلسطيني المستقل، حتى لو كان مرتبطاً بتنظيم خارج الساحة الفلسطينية، أكان عربياً أم دولياً، أو أكان تنظيمه حركة شعبية، أم حاكماً في دولة عربية، أو غير عربية.

لهذا فإن تبنّي مقولة القرار الفلسطيني المستقل، من حيث المبدأ، ليس حكراً لأحد، أو مستنكَراً من أحد. فالقوى التي تتدخل في القضية الفلسطينية كثيرة، كما تتعدّد طبيعة العلاقة الفلسطينية بها، كما تتعدّد طبيعة علاقة كل قوّة خارجية بالقضية الفلسطينية. بكلمة، لا أحد يقول إنّ التدخّل يُفقده الاستقلالية، أو يعني التبعية.

وهنا يجب أن يُذكر مبدأ فلسطيني وعربي وإسلامي، يتناقض بشكل أو بآخر، مع مبدأ القرار الفلسطيني المستقل، خصوصاً، إذا اتجهنا إلى حلّ القضية الفلسطينية، أو تقرير مصير فلسطين. هذا المبدأ مقرّر تاريخياً من جانب الحركة الوطنية الفلسطينية 1920-1964، ومكرّس في ميثاق 1964، وفي منطلقات حركة فتح، وكل الفصائل. وهو مبدأ: “قضية فلسطين قضية فلسطينية وعربية وإسلامية”، ويرى البعض أنّها “فلسطينية وعربية”.

هذا المبدأ يفترض المسؤولية العربية والإسلامية في تقرير مصير فلسطين. مما يشارك مبدأ القرار الفلسطيني المستقل، ولا يسمح للقرار الفلسطيني المستقل أن يستقلّ بتقرير مصير فلسطين، إلّا إذا أمكنه تحريرها كاملاً من النهر إلى البحر، ومن الناقورة إلى أم الرشراش.

ومن هنا فإن الذهاب بالقرار الفلسطيني إلى أن يقبل بحلّ الدولتين، أو يعترف بالكيان الصهيوني، يناقض مبدأ استقلاله. كما أن هذا الاستقلال بالقرار مقيّد فلسطينياً من خلال الأجيال القادمة التي لا تجيز له تقرير مصير فلسطين، إلّا بتحريرها كاملاً.

لهذا فإن الإصرار على القرار الفلسطيني المستقلّ، ملغوم ومدغول، إذا استُخدم في الاعتراف بالكيان الصهيوني، أو التخلّي عن أيّ ثابت من ثوابت الميثاقين 1964 و1968.

على أن التدخل العربي والإسلامي، من قِبَل الأنظمة والشعوب، لا يسمح للقرار الفلسطيني المستقلّ، أن يبني جداراً في وجه هذا التدخل، تحت حجّته. وذلك حين يُخالف الحقّ العربي والإسلامي في فلسطين، ثم حين يمنعها من ممارسة المسؤولية في العمل لتحرير فلسطين. فعندما تحرّكت مصر وسورية ومتطوعون عرب لتحرير فلسطين من الفرنجة، زمن صلاح الدين الأيوبي، أو زمن الملك قطز، والظاهر بيبرس لتحريرها من المغول، ما كان لفلسطيني، فرداً أو جماعة، أن يقول لا، أو حتى أن يُسأل رأيه. فموضوع القرار الفلسطيني المستقل لم يُستخدم إلّا في مرحلة الذهاب إلى حلّ الدولتين، والاعتراف بالعدوّ الصهيوني.

فالخلاف العربي والردّ على م. ت. ف. عام 1965، كان الردّ عليهما بالذهاب إلى إعلان إطلاق الرصاصة الأولى والمقاومة، وليس الاستقلال بالقرار. لأن أخذ القرار كان بحاجة إلى الدعم العربي (بعض الدول العربية: سورية). ولهذا لم يُطرح مع انطلاقة الثورة. وإنما طُرح عندما بدأت م. ت. ف، وخصوصاً قيادة فتح، تطرح الحل المرحلي (أوّل الطريق لحلّ الدولتين). وراحت تفتح خطوطاً سرّيّة مع أمريكا وأوربا، وأفراد وأحزاب صهيونية. وهنا بدأ العراق، خصوصاً، يضغط على قيادة فتح، لوقف هذه الاتصالات، وهنا بدأت نغمة القرار الفلسطيني المستقلّ تُرفع للردّ على هذا التدخّل. وليس على المتدخّلين الآخرين. ولكن عندما أصبحت تلك الخطوط سياسات متجهة بقوّة إلى التسوية (وصولاً إلى أوسلو) تحوّل القرار الفلسطيني المستقل ضدّ سورية، وضغوطها لعدم الانجراف مع هذه السياسات.

باختصار، دلّت التجربة التاريخية، لشعار القرار الفلسطيني المستقل، أنه موجّه ضد الدول العربية التي تعارض انفراد قيادة م. ت. ف. بقرار القضية المركزية، والخروج عن الثوابت والكفاح المسلّح، في نهاية المطاف. ولهذا كان القرار يُستخدم ضد سورية، التي كانت الدولة الأكثر نفوذاً، في معارضة مسار قيادة م. ت. ف. نحو التسوية التي أوصلت إلى اتفاق أوسلو.

وبذلك، فإن شعار القرار الفلسطيني المستقل لم يُستخدم لذاته، ولم يكن ثمّة حاجة، أو إمكان، إلى ذلك، وإنما استُخدم دائماً في خدمة التراجعات والتنازلات، وليس العكس. فيما كان خطّ التوجّه نحو المقاومة، ورفض مشاريع التسوية، يطالب الدول العربية والإسلامية، بدعم الشعب الفلسطيني وبالتدخل للوقوف ضدّ مشاريع التسوية، وكلّ توجُّه نحو الصلح مع العدو، أو غسل اليدين من القضية الفلسطينية.

ولهذا عندما يُراد إحياء هذا الشعار، واستخدامه الآن، يحقّ التساؤل: لماذا في هذه المرحلة التي تتصاعد فيها المقاومة في القدس والضفة الغربية، وبعد حرب سيف القدس، والانتفاضة في مناطق الـ48 والقدس والضفة. ثم الانتفاضة المسلحة في هذه الأيام؟ كيف يُرفع شعار القرار الفلسطيني المستقل في هذه المرحلة التي رفع فيها البعض “فلسطين ليست قضيتي”، وذهب بعضها إلى التطبيع، وقلّ النصير والمغيث؟! مما يعني أنه شعار في غير مكانه وأوانه بالنسبة إلى كلّ دولة عربية تخلّت عن القضية الفلسطينية، فيما المطلوب التدخل الإيجابي، وليس ترك الشعب الفلسطيني يتمتّع بالقرار الفلسطيني المستقلّ.

طبعاً الذين يطرحون شعار القرار الفلسطيني المستقل هذا في هذه المرحلة يقصدون ما قام من تحالف بين الفصائل الفلسطينية، وحماس والجهاد من جهة، ومحور المقاومة وإيران من جهة أخرى. ولذلك، عليهم أن يثبتوا: كيف أدّى هذا التحالف إلى فقدان قيادة المقاومة لاستقلالها، فيما سمح هذا التحالف بالمزيد من تصعيد المقاومة، واتخاذ قرارات هجومية ضدّ العدو الصهيوني؟ وذلك مثلاً، بصورة خاصة، قرار حرب سيف القدس، وقرار خوض حرب “وحدة الساحات”. وهذان القراران اتُّخذا عبر التمتّع بأعلى درجات الاستقلالية.

وعليهم أن يثبتوا أن ما يصل إلى المقاومة من سلاح ودعم مالي، هل جعلها أقوى، أمْ تابعةً وغير مستقلّة القرار؟  ثم ما هو القرار “العتيد المستقل” المطلوب أن تتخذه، وهي المقيّدة بما يمنعها من اتخاذه؟