المستشرق البولندى مارك جيكان
المستشرق البولندى مارك جيكان: مُهمتنا تقديم العالم العربى كما هو لا كما تُصوِّره وسائل الإعلام
يُعد البروفيسور مارك ماريان جيكان، واحدًا من أبرز المستشرقين البولنديين المعاصرين، وأستاذًا للدراسات العربية والإسلامية بجامعة لودز، وقد كَرَّس أكثر من ثلاثة عقود لدراسة اللغة العربية وآدابها وتاريخ الإسلام، وأسهم فى التعريف بالتراث العربى والإسلامى فى بولندا من خلال المئات من مؤلفاته وأبحاثه وترجماته.. يتفق جيكان أن الاستشراق البولندى وُلد من حب المعرفة، لا من الطموحات الاستعمارية، وهى ميزة اختص بها،
مستعيدًا رحلته الأولى مع الثقافة العربية التى بدأت بقراءة المعلّقات السبع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتحوَّل إلى مسيرة علمية حافلة، وفى هذا الحوار، يؤكد أن مهمة المستشرق تقديم العالم العربى كما هو، لا كما تصوِّره وسائل الإعلام أو الأحكام المسبقة، ويتحدث عن تجربته فى ترجمة الأدب العربي، ومنهجه فى قراءة المصادر الإسلامية، وآفاق الحوار بين الثقافات.
أحاول كشف الموجود فى المصادر الإسلامية ولا أبحث عما هو غائب
بروفيسور جيكان، أمضيتَ عقودًا فى دراسة الثقافة العربية؛ ما الذى جذب شابًا بولنديًا فى الثمانينيات ليقع فى حب لغة وثقافة تبدوان بعيدتين عن بلاده؟
منذ أن كنتُ طالبًا بالمدرسة الابتدائية، كنتُ مهتمًا بالشعر؛ فى البداية، بالطبع، بالشعر البولندى الموجود فى الكُتب المدرسية، وبعد ذلك بالشعر العالمى أيضًا، وفى سنة 1981 اشتريتُ كتابًا كان غريبًا عليَّ آنذاك، وهو ترجمة المعلّقات السبع إلى اللغة البولندية، أعجبتنى هذه الأشعار، وقرأتُ مقدمة الكتاب التى كتبها مترجمها الدكتور يانوش دانتسكي، ولم أتوقع فى ذلك الوقت أنه بعد سنتين فقط سيصبح دانتسكى أستاذى فى جامعة وارسو، وعلى كل حال، بدأتُ أبحث عن كُتب أخرى فى مجال الثقافة العربية، وكان الكتاب الثانى هو «الإسلام» للبروفيسور يوزف بيلافسكي، الذى أصبح لاحقًا مترجمًا لمعانى القرآن الكريم إلى البولندية، ثم أصبح بيلافسكى أيضًا أستاذى فى جامعة وارسو، وهكذا كانت بداياتى فى مجال الاستعراب.
لطالما ارتبط الاستشراق فى الأذهان بالدوافع الاستعمارية، لكن المدرسة البولندية تُوصف بالحياد؛ كيف تشكَّلت هذه الخصوصية فى بلد لم يملك يومًا طموحات استعمارية فى الشرق؟
نعم، هذه حقيقة، ولكن من الجدير بالذكر أن البحوث فى المجالات المختلفة تتطوَّر غالبًا دون أسباب سياسية أو اقتصادية، وإنما تقودها الرغبة فى المعرفة ليس إلا، فهكذا كانت بدايات الاستشراق البولندي، الذى بدأ يتطور بسرعة فى القرن التاسع عشر، مع أن أكثرية المستشرقين البولنديين فى ذلك الوقت كانوا يكتبون بحوثهم باللغات الأجنبية، ومنها الفرنسية والألمانية والروسية، بسبب عدم وجود جامعات بولندية، إذ كانت بلادى تحت الاحتلال الأجنبى حتى سنة 1918.
ويمثل ذلك العام بداية الدراسات الاستشراقية البولندية الأصيلة التى أُجريت باللغة البولندية بجامعة كراكوف، ثم فى لفوف (فى أوكرانيا حاليًا)، وبعد ذلك فى وارسو، وكانت نتائج البحوث الاستشراقية البولندية ثمرة اهتمام وإعجاب وحب للشرق، أما الموضوعات المهمة خلال تلك السنوات الأولى، فكان الأدب فى مقدمتها، وربما كان ذلك نتيجةً لتأثّر الأدب البولندى فى القرن التاسع عشر بالاستشراق الثقافي، وهو ما انعكس فى أعمال كبار شعراء بولندا فى ذلك القرن.
ترجمتَ العديد من الأعمال العربية إلى البولندية؛ مَن هو الكاتب أو الشاعر العربى الذى تشعر بأن روحه أقرب إلى الوجدان البولندي؟
هذا سؤال صعب، فى الحقيقة، لا أعرف دراسات تناولت هذا الجانب فى بولندا، أما أنا، فقد ترجمتُ، على سبيل المثال، أعمال هاتف الجنابي، وهو شاعر عراقى بولندى يقيم حاليًا فى بريطانيا، ويمثل شعره أدب المنفى والمكان الوسيط بين الثقافتين العربية والبولندية، ويمكن للقارئ البولندى أن يرى عالمه من خلال عينى «الآخر» المقيم فى بلده، ذلك الآخر الذى يفهم الثقافة البولندية، ويجد القارئ فى قصائد هاتف موضوعات عربية وبولندية فى الوقت نفسه، والاسم الآخر المهم هو الشاعرة والكاتبة السورية خلود شرف، التى صوَّرت فى أعمالها مأساة سوريا خلال السنوات الأخيرة، وكذلك الشاعر نورى الجراح، وبالتأكيد أذكر هنا الشعراء والأدباء الذين ترجمت أعمالهم.
هل ما زال القارئ البولندى يرى الشرق من خلال عيون «ألف ليلة وليلة» السحرية، أم أن اهتمامه تحوَّل إلى الرواية الواقعية والسياسية المعاصرة؟
فى الواقع، لم تشكل حكايات «ألف ليلة وليلة»، صورة العالم العربى فى بولندا على نطاق واسع، فمع أن أصداء هذا العمل تتردد فى الأدب، فإن البولنديين، رغم معرفتهم به منذ القرن الثامن عشر، لا يبدو أنهم وقعوا تحت سحره إلى حد كبير، وعلى أية حال، فإن الأعمال المعاصرة هى التى تهيمن بطبيعة الحال خلال الوقت الراهن. فالقارئ البولندى مهتم اليوم بالأدب المعاصر، ولا سيما النثر؛ ولهذا السبب نجد أن ترجمات النثر العربى كثيرة جدًا، ويبدو أن هذا الاتجاه عالمى الطابع، إذ يتجاوز حدود الأدب ليصل إلى مجال البحث الأكاديمي، فمن الواضح أن هناك اهتمامًا متزايدًا، سواء بين الطلاب أو الباحثين، بالحِقبة المعاصرة، ولا سيما أن الأحداث الجارية بالشرق الأوسط غالبًا ما يكون لها تأثير يمتد إلى العالم بأسره.
كتابك «Arabia Magica» ناقش السحر والمعارف السرية بالجاهلية؛ ما أغرب معلومة أو عادة توقفت عندها خلال بحثك فى هذا العالم الغامض؟
يُعد هذا الكتاب من أوائل الكُتب التى ألفتها، إذ تبلورت فكرته أثناء إعدادى لأطروحة الدكتوراة حول موضوع الموت فى الشعر الجاهلي، ونظرًا لاهتمامى الدائم بعادات الشعوب وتقاليدها الشعبية، فقد قررت تعريف القارئ البولندى ببعض منها، وشمل ذلك عادات لها نظائر فى بولندا، كالاعتقاد بـ«العين» (الحسد)، وأخرى كانت غير مألوفة لدينا تمامًا، وتُعد هذه الأخيرة، بطبيعة الحال، الأكثر إثارة للاهتمام، وفى مقدمتها القيافة والفراسة، إلى جانب علم الرمل، وهو ممارسة ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بحياة الصحراء، ومن الأمور المثيرة أيضًا «نيران العرب»، وهى عادة مميَّزة لهذه المنطقة وتنفرد بها، كما ارتبطت طقوس السحر المتعلقة بالطقس، بما فى ذلك الشعائر المصاحبة للاستسقاء، بالمنطقة وبيئتها الطبيعية.
وكانت هناك، بطبيعة الحال، عادات أخرى مثيرة للاهتمام، مثل ممارسات العرافة التى كان يقوم بها الكهنة، غير أننا نجد لها نظائر، على سبيل المثال، فى اليونان القديمة (بيثيا) أو آسيا الوسطى (الشامان).
كيف تؤثر الصور النمطية التى تبثها وسائل الإعلام الغربية على جهودكم فى تقريب الحقيقة وتفكيك الأحكام المسبقة عن الإسلام والعرب؟
تؤثر وسائل الإعلام المعاصرة أساسًا فى المجتمع ككل، فهى المصدر الرئيسى للمعرفة لدى معظم الناس، ومع ذلك، لا ينبغى لنا كباحثين ـ أن نستسلم لها بأى شكل من الأشكال، فدورنا شرح الواقع، ولا يمكن لوسائل الإعلام أن تؤثر علينا إلا من خلال اقتراح موضوعات للبحث، لكنها لا تستطيع التأثير فى كيفية إجراء هذا البحث، فضلًا عن نتائجه.
واجبنا هو الاقتراب من الموضوعية قدر الإمكان، وأؤكد كلمة «الاقتراب»، لأن الموضوعية المطلقة مستحيلة ببساطة، فإذا استسلم الباحث لآراء وسائل الإعلام، فإنه لا يستحق أن يُطلق عليه لقب عالم، ولذلك نسعى جاهدين إلى دراسة تاريخ العالم العربى وثقافته وواقعه المعاصر، ومعظمنا يتجنب أى تأثير خارجي.
وبصفتنا مستشرقين، يقع على عاتقنا واجب تقديم العالم العربى والإسلام كما هما، لا كما يريد بعض النشطاء، سواء من الغرب أو من المسلمين أو العرب، تصويرهما، وهناك مقولة معروفة: «الأمور نادرًا ما تكون كما تبدو»، فنحن نسعى إلى تقديم صورة للعالم العربى وفقًا لأفضل ما لدينا من معرفة، وهى معرفة تنبع من البحث الميدانى والتواصل مع العلماء العرب والمسلمين.
بالحديث عن المستقبل، كيف ترى أفق الاستشراق البولندى فى ظل التغيّرات التكنولوجية المتسارعة؟
أعتقد أنه ينبغى أن تكون التكنولوجيا مجرد أداة مهمة تُستخدم فى البحث، وأنا أراقب الأجيال الشابة من الباحثين فى بولندا، ومقتنع بأن التكنولوجيا لا تفيدهم إلا إذا استخدموها بأمانة، وآمل أن يكون هذا هو الحال فى الغالبية العظمى من الحالات.
أما بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، فأعتقد أنه من السابق لأوانه التعليق على هذا الموضوع، فنحن لا نعرف بعد قدراته الحقيقية، ولا ما إذا كانت له حدود، وأنا مقتنع بأن له حدودًا، لأن الذكاء الاصطناعى مبنى على ما صنعه الإنسان، فهو ليس مستقلًا.
وقد أثبتُّ ذلك مرارًا من خلال طرح أسئلة بسيطة عليه، فخلال أحد الأيام سألته باللغة الإنجليزية عن تاريخ ميلاد كاتب عراقي، فأجابنى بأنه ليس كاتبًا، بل لاعب كرة قدم! وكان السبب أن أحدًا لم يذكر هذا الكاتب باللغة الإنجليزية، وعندما سألت باللغة العربية، تلقيت إجابة صحيحة. وهذا يوضح أنه، على الأقل فى هذه المرحلة، لا يمكننا الاعتماد كليًا على الذكاء الاصطناعي، وأنا أنبِّه طلابى إلى ذلك.
ما أحدث الأبحاث والمشاريع العلمية التى تعكف عليها حاليًا، وما الإصدار الجديد الذى ينتظره القُرَّاء منك قريبًا؟
أحاول حاليًا أن أستريح قليلًا، وهو أمر لا أوفق فيه كثيرًا، ففى السنة الماضية صدرت ترجمتى لـ«رسالة الغفران»، كما صدر قبل شهر كتابى الأخير، الذى يقع فى نحو خمسمائة صفحة، عن غزوة بدر وسورة الأنفال، ويمثل هذا الكتاب رؤيتى الشخصية للغزوة والسورة المذكورتين، استنادًا أساسًا إلى المصادر العربية، وعلى خلاف الاتجاه السائد حاليًا فى نقد النص القرآنى والمصادر الإسلامية القديمة فى الاستشراق الغربي، سعيت إلى عرض هذه الغزوة وشرح معانى آيات القرآن الكريم كما يفهمها المسلمون.
ولم أسعَ إلى إيجاد إجابات خاصة بى للأسئلة التى طُرحت خلال تحليلي، ما لم يكن علماء مسلمون قد قدموا لها إجابات، وكانت الاستثناءات فى الحالات التى حاولت فيها ترجمة بعض المصطلحات إلى اللغة البولندية.
وهذا هو منهجى الخاص؛ فأنا أحاول الكشف عما هو موجود فى المصادر الإسلامية القديمة، بدلًا من البحث عما هو غائب، كما يفعل بعض الباحثين، ولا أخفى أننى أتساءل عن رد فعل زملائى تجاه هذا المنهج.
وقد بدأت أفكر فى كتاب جديد، لكنها مجرد بداية فكرة، لذلك لا أريد أن أستبق الأحداث، فقد أصل بعد أيام قليلة إلى فكرة مختلفة تمامًا.
إذا أردتَ أن توجِّه رسالة إلى الشباب العربى والبولندى الذين يتلمسون خطواتهم الأولى فى حوار الثقافات، فماذا تقول لهم؟
الحوار بين الثقافات ليس بالأمر الهيّن، فهو يتطلب رغبة كبيرة ومعرفة عميقة، علينا أن نتعرف إلى بعضنا بعضًا تدريجيًا وبصورة أعمق، أما بالنسبة إلى الجيل الشاب الذى يزداد وعيًا بالتحديات التى يواجهها، فأتمنى له قبل كل شيء، التوفيق فى فهم نفسه وفهم الآخرين.


العالم العربى
البولندى مارك جيكان التراث العربى والإسلامى البروفيسور مارك ماريان جيكان
المصدر: جريدة الأخبار المصرية عدد 31 يوليو – تموز 2026
البروفيسور مارك ماريان جيكان
