المِسْعَده – من حكايات مخيم عين الحلوة وأهل الصفصاف- نضال حمد

كل أفراد عائلتنا (حمد) وأهالي بلدة الصفصاف الجليلية اللاجئون في مخيم عين الحلوة يعرفون (المسعدة)، التي نالت هذا اللقب لكثرة سؤالها وتردادها على مسامع الجميع سؤالين معروفين لازماها مدى الحياة وهما “كيفك يا مسعد؟” و”كيفك يا مسعدة؟”. والمسعد كما المسعدة من المفترض أنهما شخصين سعيدين من السعادة. وكانت الحاجة نزهة خليل “المسعدة” أم أحمد حمد تعتبر الناس مسعدين بالرغم من النكبة واللجوء والتشرد والحياة الصعبة في المخيم.

شخصياً ومنذ طفولتي حيث كنت كل يوم تقريباً أراها في منزلنا أو منازل أعمامي وعماتي وفي منازل أقاربنا وكذلك جيراننا في الحارة، لم ألحظ أنها سعيدة، يعني حسب تعبيرها هي “مسعدة”. فقد كان بالنسبة لي كطفل صغير وكذلك بعدما كبرت قليلا، كم من الحزن يظهر دائماً على وجهها وفي عينيها وربما يتجمع في قلبها.

فقدت نجلها الشاب عدنان محمد علي أسعد حمد في ريعان الشباب فقد استشهد بعدما كان عائداً من دورة ضباط ضمن أفواج الفدائيين الفلسطينيين في العراق سنة 1966، في زمن الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم. توفي الشهيد عدنان في حادثة مؤسفة حيث سقطت طائرة تدريب تابعة لسلاح الجو السوري على الأوتوبيس الذين كان يقل عدنان ومجموعة من رفاقه العائدين من الدورة فاستشهدوا جميعهم قرب الحدود العراقية السورية. ثم دفنوا في مقبرة في بغداد حيث لازالت قبورهم موجودة هناك حتى يومنا هذا. يومها أصبح عدنان حمد أول شهداء آل حمد بعد النكبة في الشتات العربي. فيما على إثر تلك الحادثة لم تعد “المسعدة” امرأة سعيدة، بل أصبحت من أكثر نساء الحارة والمخيم والصفصاف حزناً.

كانت تأتي الى منزلنا في أي وقت تريد حتى إن لم تكن والدتي في المنزل فقد كانت “المسعدة” من أهل البيت، تختار لنفسها مكاناً معيناً في الغرفة. تأخذ زاوية حيث تجلس القرفصاء كعادتها وتقوم بالتسبيح بلا توقف تقريباً. كانت كثيرة التعبد والصلاة والدعاء كما كانت قليلة الكلام ونادراً ما أذكرها متحدثة، فشعارها على ما يبدو كان قول ما قلّ ودلّ وذكر الله فقط لا غير. أما عندما كانت في بعض الأحيان تتكلم فتفعل ذلك بصوت منخفض. لكنها بنفس الوقت كانت مستمعة ممتازة، تستمع لأحاديث الجميع ولا تقاطعهم ولا تشوش عليهم إلا بحمدلله وشكره. المسعدة كانت صورة للأم الصبورة والكتومة ولآلام الأمومة. خاصة الأمهات الفلسطينيات اللواتي فقدن الأزواج والأباء والأبناء والبنات والأهل والمنزل والبلدة والبلاد. لكنهن لم يفقدن الأمل وبقين ولازلن على أمل التحرير والعودة والخلاص.

كانت شخصيتها مختلفة تماماً عن شخصية زوجها العم المرحوم “أبو علي عليوة” الذي كان متحركاً، متكلماً، متحدثاً، متنقلاً كفراشة وسريع كطير، وصاحب شخصية قوية وجذابة ومهابة. فيما هي كانت امرأة صامتة وقليلة الكلام ونادرة المشاركة في المحادثات والنقاشات.

تقول ابنتها فاطمة: ” الحاجة الفاضلة المسعدة، هي نزهة محمود خليل، أعتقد انها من مواليد 1920 أكثر أو أقل قليلاً. بالنسبة لكلمة “مسعدة” كانت دائماً على لسانها. تخاطب بها الجميع، مثل يا مسعدة أو يا مسعد. كل الناس كانوا بالنسبة لها “مسعدين” حتى لو كانت تعرف إسم الذي تخاطبه أو لا تعرفه، فقد كانت تخاطبه بمسعد وتخاطبها بمسعدة.

الله يرحمها كانت قليلة الكلام ولو تكلمت فقط عن الدين والحلال والحرام. كانت تحكي لنا دائماً عن الصفصاف وكيف كانوا عايشين. وكانت عند الحديث عن بلدتنا تبكي تلك الأيام وتندب النكبة وكيف خرجوا من البلدة ظلما وتشردوا بلا عودة. توفيت في لبنان ودفنت في مقبرة مخيم عين الحلوة. طيب الله ثراكي يا مسعدة”.

شخصياً يا ما سمعت منها سؤالها المحبب “كيفك يا مسعد؟”. الله يسعدك يا مسعدة في جنات النعيم ويرحم أيامك التي لن تعود. لكننا نعاهدك بأن أيام الصفصاف وكل فلسطين العربية سوف تعود عاجلاً أم آجلاً.

نضال حمد

4-7-2021

المِسْعَده – بقلم نضال حمد

من حكايات مخيم عين الحلوة وأهل الصفصاف.