اليسار هوية كفاحية أولاً – محمود فنون

تدبج المقالات والتحليلات الكثيرة عن ضرورة وحدة اليسار الفلسطيني كضرورة لتحقيق الأهداف الفلسطينية و/او موازنة القوى في اللوحة القائمة و /أو من أجل الدفاع عن حقوق الطبقات الفقيرة وفي مواجهة الميول والأفكار الرجعية  والدفاع عن المرأة… 
وحينما تقرأ ذلك تشعر انهم يطرحون الوصفة السحرية القاطعة المانعة والشافية لكل داء.مثل وصفة العسل للمريض الذي يشفي من أربعين داء بما فيها السكري والسرطان والقلب…الخ. 
(وبالطبع على ذات المنوال يطرحون هم انفسهم ضرورة إنهاء الإنقسام  بين فتح وحماس  وتجسيد الوحدة الفلسطينية بين الجميع من أجل تعزيز النضال الوطني ومواجهة صفقة القرن وممارسات العدو الغاصب و و و…). 
تجد هذا كذلك في الخطاب السياسي للفصائل وبرامجها ومحاضر اجتماعاتها.ويلوكون ذلك في كل مناسبة.وبالطبع دون أي نتائج يراها الرائي. وكأنهم يقدمون طلبات التوحيد إلى جهة أخرى. 
ومن يطرح ذلك يعتبر نفسه عبّر عن ما يجب وما هو ضروري وبهذا يعبّر عن إخلاصه والاهم عن ابداعه واجتراحه للحلول. 
إنهم يقولون ذلك تعبيرا عن عجزهم أولا وعن عمق الأزمة المعاشة في ظل هيمنة كاملة للمشروع الصهيوني بتهويد فلسطين واحكام السيطرة الأمنية  وهيمنة سلطة الحكم الذاتي على معظم الفصائل إما بالإخضاع أو القمع أو الإنتهاك، ووقوف معظم الفصائل والقوى المذكورة عاجزة عن المواجهة مما يضفي على الخطاب طابعا تبريريا وحافظا لوجودهم ومكانتهم في اللوحة السياسية  الفلسطينية العاجزة. 
ولنحصر حديثنا في اليسار ومنتمي اليسار. 

هوية اليسار 

أولا: الهوية اليسارية هي هوية كفاحية أولا.  وهذا توصيف أساسي لا يمكن القفز عنه إلى توصيفات أخرى حتى لو كان هذا التوصيف يتعلق بكل القوى الكفاحية. حيث يتوجب أن يكون اليسار كفاحيا بل يسعى إلى تصدر كل القوى الكفاحية والتقدم عليها بل محاولة قيادتها ببرامج موحدة أو بتغليب برنامجه حيث أمكن.  
هنا لا مجال للتلاعب بالألفاظ، بل يكون الكفاح في الميدان وبالمستويات التي يطلبها الواقع والمهمات المطروحة  وبأشكال الكفاح الأكثر جدوى في الظروف الملموسة. 
فالحزب الشيوعي الفيتنامي كان كفاحيا ومارس الثورة المسلحة على الوجود الفرنسي وحرر فيتنام الشمالية واستمر يمارس الكفاح المسلح حتى حرر فيتنام الجنوبية ووحّد فيتنام. أي التقط المهمة التاريخية المطروحة وناضل من أجل تحقيقها في الميدان وأمام ناظري كل القوى العالمية ومتفاعلا مع اصطفافاتها الدولية دون لبس أبدا. 
ثانيا: الهوية اليسارية هي اصطفاف. إصطفاف في الجانب الصحيح في التأييد والتحالفات. فلا يكون اليسار مصطفا مع اليمين في برامج يمينية ومتعارضة مع الأهداف المطروحة.
أ) اصطفاف مع القوى الأكثر كفاحية والأكثر تعبيرا عن الأهداف المطروحة والاكثر قربا مع برامج تحقيقها. 
فاليسار لا يكون وحيدا في الساحة النضالية وقد تكون هناك تيارات يسارية يتوجب أن تكون هي عنوان التقارب. في حالنا الفلسطيني كانت الجبهة الديموقراطية أقرب إلى فتح  وكذلك الحزب الشيوعي الفلسطيني بل هما أقرب في البرناج السياسيي الساعي للتسويات وشركاء معها. وفيما بعد تهاونت مع أوسلو ومع سلطة أوسلو واستوزرت فيها دون ان تحدث فيها أي تغيير لا في الشعارات ولا في السلوك ولا في مقاومة الفساد ولا من أجل وقف التنسيق الأمني ولا في أي شيء. هو استيزار إذن  ومناصب ومنافع.  
ب) أقرب إلى الجماهير وربما هذا التعبير ليس كافيا بل لا بد أن تكون مع الجماهير من حيث الإصطفاف والممارسة ومع طموحاتها المطلبية والمستقبلية ومع أهدافها النهائية ودون مواربة أو تدليس. 
ثالثا: الإصطفاف مع التغيير بل هي بالضرورة قوى التغيير في برامجها ومواقفها وممارساتها اليومية وتحريضها وتثقيفها وشعاراتها الفرعية  والمطلبية والآنية والأساسية. والتصدي لليمين والنزعات اليمينية معا.  
هي إذن صبغة أساسية في اليسار ومضمونه الحقيقي. 
رابعا: اليسار هوية فكرية صافية وخالية من اللبس. 
ذكرت ذلك لاحقا على أهميته، لأنه لا يكفي أن يقول طرف عن نفسه يساريا بمجرد إعلانه عن هويته الفكرية وكأنه شخص يجلس في بيته وتأثر بالماركسية مثلا وأخذ يعبر عن هويته الجديدة. 
كما ويتوجب أن يمارس التعبير عن هويته الفكرية بشكل متصل في داخل الحزب وينمي الفكر والإنحياز الأيدولوجي في صفوف  كوادره وأعضاءه، دراسة وتوجيها وتنمية قدرات معرفية وثقافية  وبشكل مستمر مع تعريفهم على واقعهم الاقتصادي الاجتماعي وتاريخ وطنهم وأمتهم وتراثهم  وفي السياق تحريضهم للنضال من اجل تحقيق الأهداف المطروحة آنيا ومستقبلا. وتعريفهم على حركة المجتمعات الأخرى واللوحة الدولية وسياقات حركتها ومعسكراتها. وضرورة التضامن مع الشعوب التي تناضل من أجل حريتها من الإستعمار و /او النضال من أجل الإشتراكية.والإنحياز التام للأممية، أممية الشعوب التواقة للحرية من الإستعمار وكل أشكال الإضطهاد من قبل دول أخرى او الإضطهاد الطبقي  وكل أشكال القمع والإضطهاد. والاممية البروليتارية المناضلة ضد الراسمالية ومن أجل بناء المجتمعات الإشتراكية. 
فالهوية الفكرية هي انتماء للمستقبل، وهي توعية وتحريض من أجل تحقيق مشاريع المستقبل بافق هذه الهوية ووضوحها.  وهي تأييد لكل المناضلين من قوى وأمم مكافحة من أجل أهدافها المحقة.وهذا أيضا مرتبط بالإصطفافات. 
هوية اليسار الفكرية هي الماركسية اللينية، الشيوعية، هوية البروليتاريا المناضلة من أجل الإشتراكية. 
هناك تيارات. نعم.  
وهناك قراءات تستهدف الإستيعاب الفكري والعقائدي ارتباطا بالواقع المحدد وليس بشكل انتهازي يبرر التخاذل  والميول المنخورة أصلا.  
خامسا: الإتصال الواسع بالجماهير بكل أشكال الإتصال المتاحة بتأليف الأطر والمشاركة في الأطر القائمة من نقابات واتحادات   وممارسة أدوار التحريض ونشر الفكر والمواقف ودفع هذه الأطر للنضال المطلبي وجذبها للنضال السياسي والطبقي  وكل أشكال النضال. وجعل تمايز اليسارية واضحا ولكن لا افتعال فيه وتمكين الجماهير من ادراك هذا التمايز بحسها وملاحظاتها.. الخ. 
سادسا: مادة الحزب اليساري هي العمال والفلاحين الفقراء والمثقفين الثوريين المنحازين فكريا وطبقيا للطبقات الشعبية المذكورة. مع العلم أن اجتذاب هذه المادة البشرية بالنسبة للحزب الشيوعي صعبا. انها تحتاج إلى نحت في الصخر وتحريض متواصل وسعي حثيث. 
وبالتجربة يمكن أن تدعو شخصا للانتماء إلى فتح بيسر وسهولة.. بضع كلمات  تنسجم مع حياته العادية بينما الدعوة اليسارية تحتاج إى تغيير جذري في  المواقف والمبنى المفاهيمي واقناع متواصل حتى يقبل الإنحياز وبعدها تبدأ عملية التربية الثورية الحزبية  الخاصة. 
في مراحل المد النضالي تكون الحالة أسهل من مرحلة الجزر. 
ولكن في جميع الأحوال يجب أن يتحول الحزب من منظمة صغيرة ومحدودة إلى حزب جماهيري وربما يصبح حزب الجماهير  وأغلبية عضوته الساحقة من المادة الطبقية من العمال والفلاحين. 
وتنحاز له النقابات العمالية ومنظمات الفلاحين والمتنورون من المجتمع. 
ويكون هذا الإنحياز طبعا ارتباطا بنضالات الحزب المباشرة. 
في حالنا الفلسطينية كانت الدوافع الوطنية والنضال ضد العدو الإسرائيلي هي أكبر جاذب للمناصرة أو العضوية. 
سابعا: النضال الفكري الدائم وشن النضال ضد الميول الإنتهازية في الحزب والأحزاب الأخرى وتعميق الإنتماء الفكري واستمرار تنوير الأعضاء وجذبهم للثقافة والفكر دون توقف. 
في كثير من الأحيان يكون التمايز النضالي هو أكبر منظم وداعية للحزب. فالجبهة الشعبية احتلت موقعها في الأرض المحتلة وكادت تصبح التنظيم الأول بكل مواصفات وعناصر التنظيم الأول ارتباطا بالرفض والتمايز الكفاحي والعديد العديد من رموز النضال في الداخل والخارج. 
جورج حبش وديع حداد ليلى خالد  ورموز عديدة في الداخل انخرطت في النضال وأصبح لها اسم رموزي بين الجماهير. 
هل كل طرح باسم اليسار صحيح ومواتي لمتطلبات الحالة النضالية؟ 
يهمل المحللون والمتابعون مسألة جوهرية في نشأة اليسار الفلسطيني والتطورات والأطوار التي مرت عليه. 
وما سمي باليسار نشأ من مصدرين: 

نشأة الحزب الشيوعي الفلسطين 

الأول: الحزب الشيوعي الفلسطيني والذي ورث الحزبية بعد عصبة الشيوعيين التي تشكلت في فلسطين من يهود وعرب قبل عام 1948م. 
بعد النكبة تشكل الحزب الشيوعي الأردني ويجمع بقايا شيوعيي فلسطين مع شيوعيي الاردن ”  وتشكَّل الحزب الشيوعي الأردني عام 1951 الذي حدد في برنامجه المهام المشتركة للشعبين الفلسطيني والأردني في الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه وتقرير مصيره والعودة إلى وطنه وفق قرارات الشرعية الدولية..” 
” رحب الحزب بقيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 ولكنه اعترض على ميثاقها ودعا إلى تبني قرار 181 الذي يدعو إلى الاعتراف بقرار التقسيم وعودة اللاجئين الفلسطينيين وفق قرار 194…” 
وهكذا كان اليسار الموجود هو يسار يعترف بأحقية إسرائيل في الوجود ويطرح النضال ضدها من خلال المحافل الدولية ولم يبادر قط إلى تشكيل فصائل تقاوم الإحتلال الصهيوني لفلسطين السليبة في أراضي 1948م.
وهو بهذا لم يلتق من نشاطات وأفكار الفصائل الفلسطينية التي بدأت في الظهور في ستينات القرن الماضي ولم يتناغم مع ما كان مطروحا من قبل حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب برفع شعار تحرير فلسطين وكذلك لم يتوافق مع ما طرحته كل من مصر الناصرية وسوريا البعث بشأن تحرير فلسطين.
بهذا كان الحزب نموذجا سلبيا عن اليسار وفي واد آخر عن ميول ومواقف الجماهير الفلسطينية  ومتقوقعا على ذاته في هذا الشأن مثله مثل حركة الإخوان المسلمين.
” و في آب 67 عقد الحزب كونفرنس حزبي لمناضليه في الضفة الغربية في مدينة نابلس وتبنى برنامجاً مرحلياً يدعو إلى دحر الاحتلال وتنفيذ قرار التقسيم. وحينما صدر قرار مجلس الأمن الدولي 242 أيده الحزب…” .
أي أن مناضلي الحزب الشيوعي في الضفة الغربية ظلوا مبتعدين عن فكرة تحرير فلسطين 1948م وظلوا يطابون ( يطالبون من؟)بتنفيذ قرار التقسيم. بل هم كانوا ولا زالوا يمجدون موقفهم بقبول قرار التقسيم 1947م ويهاجمون خصومهم الذين رفضوه، مبرزا أن هذا الرفض هو الذي أضاع فلسطين ويتجاهلون حقيقة أن بريطانيا لم يكن بواردها تطبيق قرار التقسيم حتى لو وافق عليه العرب لأنها تخدم برنامج تهويد فلسطين وليس تقسيم فلسطين ويتجاهلون أن الحكام العرب في ذلك الوقت كانوا مطايا لبريطانيا ومعها فرنسا وكانوا جميعهم متساوقين مع برنامج بريطانيا بتهويد فلسطين بالأقوال والأفعال. 
ودخل الشيوعيون في أطر المنظمة عام 1978 بدعم حثيث من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ولكن بعد أن تحولت المنظمة عن التحرير الكامل وانتقلت إلى برامج التسوية كريهة الصيت. 
في قطاع غزة  استمر شيوعيو العصبة ورفعوا ذات الشعارات إلا انهم بعد عام 1967 عقدوا العزم على خوض الكفاح المسلح ف:” في الأول من كانون أول 67 أقرَّت اللجنة المركزية البدء بالتحضير لاستخدام أسلوب النضال المسلّح جنباً إلى جنب مع أساليب النضال الأخرى، فشكل الحزب الجناح المسلح من الحزب والجبهة وقام هذا الجناح بمئات العمليات العسكرية منفرداً أو بالتعاون مع قوات التحرير الشعبية،…” .
في عام 1982 إعادوا تشكيل الحزب الشيوعي ثم في عام 1991 ” وفي أواخر عام 91 عقد الحزب الشيوعي مؤتمره الثاني، وأجرى تعديلات فكرية وتنظيمية على برنامجه ونظامه الداخلي، وجرى تغيير اسم الحزب ليصبح “حزب الشعب الفلسطيني. هذه التعديلات التي كانت وما تزال موضع جدل حتى الآن والتي طالت الهوية الاجتماعية للحزب وبناءه التنظيمي، وكان أبرز هذه التعديلات ادخال مفاهيم ليبراليه برجوازيه إلى البرنامج السياسي بعد أن كان مقتصرا على الافكار الماركسيه اللينينية، مدعين ان ذلك يهدف إلى توسيع قاعدة الحزب الاجتماعية وتمثيله…” .
وظل يطرح أفكار التسوية ويشارك في نشاطات التسوية حتى الآن وبعد مرور كل هذا الوقت الذي تمارس فيه إسرائيل عملية تهويد متصلة، ولم يتمكن حتى الآن من اكتشاف حقيقة أن اسرائيل بالمنشأ هي تهويد فلسطين وهي عدوان على الأمة العربية كلها  
هل ظل بهذا التغيير حزبا شيوعيا وظل يساريا ؟! 
وبعد فترة استوزر في حكومة أوسلو؟؟!!  

ملاحظة: التقينا في السجون مع كوادر من الحزب من قطاع غزة وعرفنا مدى معرفتهم بالشيوعية والنظرية الماركسية ثم تعرفنا على هذا الجانب فيهم خارج السجون. 
نشأة الجبهات 

ثانيا: نشأة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( المقصود كيسار ) 
أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن تبنيها للماركسية اللينينية عام 1969 وأذكر تصريح الأمين العام لوسائل الإعلام حيث قال: ” أنا ماركسي لينيني ” وكان ذلك مقرا في هيئات الجبهة وكان بعد نقاشات وربما صراعات حيث أقرت الجبهة تبنيها للماركسية اللينينية: 
” تبنت الجبهة الماركسية اللينينية رسميا في مؤتمرها الثاني في شباط/فبراير 1969، وكانت أدبياتها في تلك المرحلة أقرب إلى أفكار ماوتسي تونغ والتجربة الصينية.لاحقا تقاربت الجبهة مع الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية بعد مؤتمرها الثالث عام 1972…”.  
وكانت تنتقد اعتراف الاتحاد السوفييتي بإسرائيل وظلت كذلك. 

تاريخيا:

من المهم جدا ا 
وكانت قد تشكلت من تآلف ضم فرع حركة القوميين العرب الفلسطيني  وجبهة تحرير فلسطين وأبطال العودة وشباب الثأر وعدد من المستقلين وقوميون عرب من ساحات أخرى. وعادت جبهة تحرير فلسطين وانفصلت عن الجبهة وشكلت ما يعرف بالقيادة العامة. 
أي أنها تكونت وهي تحمل معها جذرها التاريخي من كادرات وخبرات وأفكار ومواقف. 
وكانت حركة القوميين العرب ترفع شعارات الوحدة العربية والتحرر من ذيول ونفوذ الإستعمار وتحرير الأماكن المستعمرة وفي مواجهة الانظمة العربية الرجعية والخائنة  وترفض كل وجود اسرائيل وتناضل من أجل تحرير ” الوطن السليب “. 
وكانت تؤيد الصين وتقاربت مع الناصرية وأيدتها ( قبل أن تنتقد موقف مصر من مشروع روجرز عام 1970). 
أي كان لديها بنيان تنظيمي وسياسي وتجربة كفاحية وتوجهات ومواقف  أقرب إلى النضوج من أي تشكيل آخر. 
وحركة القوميين العرب كانت تنظيما من البرجوازية الصغيرة والتي تأثرت برياح الإشتراكية والفكر الثوري الذي أخذ ينتشر في الجمهوريات العربية التي وصفت بأنها بلدان تقدمية في مواجهة دول المَلَكية والرجعية العربية وكذلك طالت الرياح حزب البعث العربي الاشتراكي وعدد من الاحزاب الاخرى. كما اعلن عبد الناصر  بما له من وزن وتأثير عن الاشتراكية  بل وفي إحدى خطبه قال لا إشتراكية إلا الإشتراكية العلمية. 
هذا مناخ يجب أخذه بالاعتبار حين الحديث عن يسارية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. 
فكوادر عديدة من حركة القوميين العرب قد اطلعت على الفكر الماركسي ومالت إليه. وهؤلاء على ما يبدو حملوا راية التغيير وليس في يوم وليلة.  
وبينهم قيادات من الصف الأول عربية وفلسطينية. أي أن تيارا متنورا في صفوف حركة القوميين العرب  كان ميالا للاشتراكية ونشر مواقفه وثقافته بين  الآخرين. وكان مؤثرا حيث كما علمت من رفاق قدامى في الحركة أنهم كانوا يدرسون الأدب الماركسي بتكليف رسمي  في الإجتماعات وخارجها  أي ضمن برامج التثقيف التي كانت تحرص عليها حركة القوميين العرب في تربية أعضائها وكادرها.هذا مع العلم أن الإشتراكية أخذت تلاقي قبولا كثيرا في أوساط الجماهير وبحث عنها الشباب. 
هكذا إذن حصل التحول. 
ولكن الفكر الثوري لا يصل إلى المتلقين هكذا ” قذفا في القلب ” كما المعرفة الصوفية. ولذلك أعلنت الجبهة الشعبية عن مرحلة تحول من حزب برجوازي صغير إلى حزب ماركسي لينيني وتفردت بهذه الرؤيا في الحقيقة. 
لقد اجتذبت الجبهة الشعبية في الأردن آلافا من الأنصار في تيارها السياسي والجماهيري والعسكري. ذلك انها مع غيرها من الفصائل قد نشأت بما يلبي طموحات الجماهير التواقة للنضال ضد العدو ومن أجل تحرير فلسطين. وكان لها عمليات عسكرية مشهودة شكلت استقطابا بحد ذاتها , كما كان لزعمائها البارزين والمعروف بعضهم في الساحة الاردنية دورا استقطابيا كذلك، ثم جاءت معركة الكرامة عام 1968م وشكلت نقلة نوعية أخرى إلى جانب ما تمتع به كادرات الجبهة  من صفات أكثر قربا من الجماهير بما تملكه من خبرة. 
كل هذا الفيض من الناس كان مستعدا تقريبا لقبول أو تبني مواقف الجبهة بما فيها يساريتها المعلنة. 
إن الدافع الأكبر للقبول هو الصفة الكفاحية عالية الوتيرة التي مارستها الجبهة قولا وفعلا. 
ومعظم هؤلاء الناس جاءوا وهم يحملون ما كيّفهم به المجتمع بتلاوينه  المتعددة ومعظمهم من الطبقات الشعبية وبعضهم غير متعلم و لكن يستوعبه النضال طبعا. 
هنا خاضت الجبهة عملية تثقيف وتوعية شاملة في قواعدها العسكرية والطلابية ومختلف علاقاتها. وأدخلت التثقيف اليساري في برامج الإجتماعات والتثقيف وأنشأت مدرسة الكادر كما بعثت بالكثيرين إلى كوبا والصين وغيرها من البلدان الإشتراكية ولاحقا إلى الاتحاد السوفييتي. 
أي أن الأمر لم يتوقف على إعلان النخبة بل دخلت عملية تطور ذاتي على الصعيد الفكري والفكر السياسي والنظرات إلى المجتمع الإنساني. وأعطت هذه الجهود أكلها مع الزمن وأصبح الفكر الماركسي اللينيني معروفا في كل أوساط الجبهة وتمايزت كوادر وتقدمت كوادر في سياق متصل. 

دور السجون:

تلقفت السجون هذا الأمر ويبدو أنه كان مفهوما لعدد من كوادر الصف الأول في السجون. وباختصار اقيمت في السجون حملة واسعة ضخمة. وبعد وقت من الإستقطاب شملت هذه  العملية الغالبية الساحقة من المعتقلين ويمكن القول أن حظهم من تلقي الفكر والثقافة كان أوسع وأعمق مما تحصل عليه كادر الخارج بحكم توفر المصادر والزمن اللازم للجلسات والمطالعة والنقاش. ولم يستلزم الأمر أية تصفيات على خلفية الفكر لا في الداخل ولا في الخارج. 

مرحلة التحول

هكذا اقتربت الجبهة من التحول إلى حزب شيوعي حقيقي في الفكر والتربية والمواقف والكفاح وكل أشكال الممارسة وفي الأرض المحتلة مدّت  وجودها  التنظيمي وعلاقاتها مع القطاعات الشعبية  إلى كل الأطراف وأصبحت تنظيما جماهيريا وتميزت عن غيرها بهذه الصفة. 
هذا التحول انتبه إلى القاعدة الإجتماعية الطبقية للتنظيم واستمر في التعبئة بالكفاحية العالية والكفاح المسلح والرفض ونقد اليمين وتنازلاته واصطفافاته وحدد معسكر الأعداء والأصدقاء دون مواربة وهاجم الرجعية العربية وعمالتها.. 

الجبهة الديموقراطية  

هي انشقاق عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومن ذات الجذور والظروف. وفي البداية أعلنت أنها انشقاق يساري عن القوميين اليمينيين في الجبهة الشعبية. وظلت لفترة زمنية قصيرة تحمل ذات المواقف والشعارات التي تحملها الجبهة الشعبية  وتتبنى ذات التحليلات بما فيها الموقف من فتح ومنظمة التحرير والتسويات والتنازلات، إلى أن هداها الله وقلبت العديد من مواقفها المذكورة أعلاه. 
“عارضت الجبهة الديمقراطية جميع الحلول السلمية، وقرارَي مجلس الأمن الرقمَين 242 و338، واتهمت كلَّ الدول العربية، التي تسير في ركب الحلول السلمية، بالتواطؤ والعمالة. 
أيدت الجبهة الديمقراطية انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني (حركة فتح)، عام 1965، وتبنت إستراتيجية الحرب الشعبية الطويلة الأمد، المستندة إلى ثلاثة أعمدة، هي: الكفاح المسلح، النضال السياسي، والنضال الجماهيري. 
وعارضت الجبهة فكرة الدولة الفلسطينية، المقترح إنشاؤها على جزء من أرض فلسطين؛ ورأت أنه لا يشكل حلاً جدياً، ولا يفي بحقوق الشعب الفلسطيني، وأكدت أن الحقوق القومية لشعب فلسطين لن تُستَوْفي كاملة، إلا عند سحق الكيان الإسرائيلي، وتحرير كامل التراب الوطني.” 
ثم بعد ذلك ” جنحت للسلم ” وطرحت برنامج النقاط العشرة للتسوية ودافعت عنها بحرارة  وسعدت جدا حين تبناها المجلس الوطني وكانت ولا زالت تفخر وتعتز بأنها ” كسرت تابو التحرير الكامل لفلسطين” أي لها الفضل الأكبر في التنازل عن الوطن السليب 1948م. 
واعترفت ذاتيا بقرار 242 و338 من تلقاء نفسها وأخذت تطرح أفكار التسوية “مسلحة” بهذا القرار وهذه المواقف.  
“يتحدد الهدف المرحلي في انتزاع حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان1967 م، وهي الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشريف.
دعوة حكومة إسرائيل إلى إجراء مفاوضات؛ لإقرار سلام دائم ومتوازن على أساس تطبيق قراري مجلس الأمن 242-338 الذين يقران مبادلة الأرض بالسلام، والحل العادل لقضية اللاجئين والنازحين.” من برنامجهم هذه هي الهوية السياسية وهنا تلتقي الجبهة الديموقراطية مع حزب الشعب ( الحزب الذي كان اسمه الحزب الشيوعي الفلسطيني قبل أن يطلق الشيوعية ويصبح حزب الشعب كما هو أعلاه) 
كانت تنتقد منظمة التحرير ثم صححت “خطأها ” وذهبت إليها. 
وفريق منها لم يكتف بحجم هذه التنازلات وانشق عنها باسم فدا. 

فدا – الإتحاد الديموقراطي الفلسطيني  

”  تزعم ياسر عبد ربه، أمين عام مساعد الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، انشقاقاً من الجبهة، إثر الخلاف الـسياسي والفكري والتنظيمي الذي وقع في دورة اللجنة المركزيـة للجبهـة الديمقراطيـة لتحرير فلـسطين التي انعقـدت في الجزائر ما بيـن 15 شباط – 3 آذار 1990 ” مصدر 
لا داعي للشرح الكثير فمنذ انشقاقها ورثت كل شيء عن الديموقراطية  نهجا وممارسة، وسارعت للالتحاق بقيادة المنظمة والاقتراب من سلطة الحكم الذاتي وتربطها الكثير من الخطوط والخيوط بقيادة السلطة. 
وياسر عبد ربة مع أي تسوية حيث ” عبد ربه، هو ممثِّل الجبهة الديمقراطية في اللجنة التنفيذية، وتولى رئاسة وفد المنظمة، في الحوار الأمريكي ـ الفلسطيني، ودافع عن الاتجاهات السلمية لدى ياسر عرفات… ” مصدر 
هكذا إذن فإن الانشقاق الجديد كان في خدمة عرفات مباشرة ونهجه التفريطي  وانخراطا تاما فيه. أي أن الدائرة دارت من انشقاق تدّعي تكريس اليسارية إلى أحضان اليمين صراحة  وكان خصوم عبد ربة يطلقون عليه ” ياسر عبد ياسر ” 
وبالمناسبة ظلت فدا شظية صغيرة بالرغم من دعمها ماليا من قبل السلطة وفتح باب التوظيف لعناصرها  ولم تشكل حالة نضالية ولا فكرية ولا سياسية ملموسة. 

المبادرة  الوطنية الفلسطينية  

” المبادرة الوطنية الفلسطينية حركة سياسية اجتماعية فلسطينية من مؤسسيها الراحل الدكتور حيدر عبد الشافي من قطاع غزة والدكتور مصطفى البرغوثي من مدينة رام اللهبالضفة الغربية، والأستاذ إبراهيم الدقاق من مدينة القدس، والراحل إدوارد سعيد.” وذلك عام 2002م وهي انشقاق عن حزب الشعب الفلسطيني وجزء من تيار التسويات والسلطة والحكومة. 
ولا أعلم إذا كانت تتبنى أي فكر يساري أو غيره. 
وقد ركزت في برنامجها على النقاط التالية: 

  • للإفراج عن الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال 
  • دور الجاليات وأبناء الشعب الفلسطيني في الشتات 
  • تعزيز دور منظمات المجتمع المدني 
  • حملة التضامن الشعبية الدولية مع الشعب الفلسطيني” 
  • أقرب إلى منظمة أنجزة منها إلى حزب سياسي. 

هذه ما يتوافق عليها البعض أنها القوى اليسارية التي يطلب منها:  
يقول ماهر الشريف وهو باحث فلسطيني: “.فبعد أن أخفقت جميع الحوارات الفوقية التي جرت بين طرفي الانقسام، أصبح التوصل إلى إنهاء الانقسام يحتاج إلى ضغط من تحت، كما أن مثل هذا الضغط ضروري لدفع القيادة الفلسطينية إلى تغيير نهجها والتحرر من أسر مسار أوسلو. ونظراً إلى أن تبلور الضغط الجماهيري يحتاج إلى رافعة قادرة على تعبئته؛ ونظراً إلى أن اليسار، المستند إلى القوى الديمقراطية وجميع الديمقراطيين، هو المؤهل كي يشكّل مثل هذه الرافعة، تصبح مهمة توحيد قوى اليسار حاجة موضوعية ومهمة ملحة.” 
وهذا القول هو الدارج تقريبا ويمثل نموجا لمعظم ما يقال عن ضرورة وحدة اليسار وأنه الرافعة التي تستطيع كذا وكذا. 
يقول ماهر الشريف: “…حتى وصل عدد التجارب التوحيدية التي جرت إلى سبع، كان آخرها تجربة التجمع الديمقراطي الفلسطيني الذي أُعلن عن قيامه في كانون الأول/ديسمبر 2018 وضم إلى جانب الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب، الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا) وحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية؛ وهي تجربة لم تصمد سوى أشهر قليلة وأخفقت جراء الخلاف الذي نشأ بين أطراف التجمع حول مبدأ المشاركة في حكومة السلطة الفلسطينية التي ترأسها الدكتور محمد اشتية. ” 
وما دام الشريف قد وصل إلى هذه التجارب التي كلها فشلت فيعود إلى “الجراب” ويستخلص العصا السحرية التي تنص على الإلتزام بمبدأ وحدة صراع وحدة وتتقارب بالتالي مع فتح لحماية المنظمة. 
 يقول الشريف في مقالة خصصها لهذا الموضوع وخص بها مجلة الهدف التي تصدرها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: 
” ولن يكون في وسع قوى اليسار الفلسطيني أن تضمن وجهها السياسي والفكري المستقل هذا إلا من خلال الالتزام الدقيق بمبدأ وحدة-صراع-وحدة في تعاملها مع القوى الأخرى المختلفة عنها في الساحة الفلسطينية؛ فضرورات التحالف مع حركة فتح من أجل حماية وحدانية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني،…” 
أي هو وأمثاله يريدون يسارا موحدا متحالفا مع فتح في النهاية. وفقط ينتقد ممارساتها في الجوانب الاقتصادية والتنموية ولم يتطرق للتنسيق الأمني. 
ويريد من اليسار أن يوحد الصواريخ المنطلقة من غزة ضد الإحتلال مع التنسيق الأمني ” المقدس ” في الضفة الغربية! يا للهول على هذه العصا السحرية في الجرابات الخاصة. 

ملاحظة واحد: ورد في البيان الختامي الصادر عن مؤتمر الجبهة الشعبية ” 

ثانياً/ على الصعيد الوطني

1.    استناداً لرؤية الجبهة لطبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، وحقيقة هذا الكيان وجرائمه المستمرة التي أسقطت كل أوهام التصالح أو التسوية معه بما فيها اتفاقيات أوسلو والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية، وقف المؤتمر أمام البرنامج السياسي للجبهة ليؤكد على الخيار الاستراتيجي بتحرير فلسطين، كل فلسطين من النهر إلى البحر، وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني.”
هل هذا يؤشر على امكانيات اللقاء السياسي مع قوى أوسلو والقوى التابعة لها ؟؟؟؟ 

ملاحظة إثنين: لم تبق الجبهة الشعبية كما كانت حتى منتصف التسعينات لا تنظيميا ولا جماهيريا ولا حتى سياسيا. 

ملاحظة ثلاث: أين هي قوى اليسار في واقع الحال حاليا وهل يتوجب البحث من جديد.
______

  • تابعوا “كنعان اون لاين” Kana’an Online على

https://kanaanonline.org/

  • “كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الوارد