انتخابات صفقة القرن … وبدء التصدي – عادل سمارة

لم يكن المرء بحاجة إلى “الضرب في الحصى” ليتوقع أو يجزم بقاء نتنياهو في سلطة الكيان. فالعوامل الرسمية العربية والفلسطينية أي التطبيع بتلويناته والدعم الرسمي الدولي من واشنطن إلى لندن إلى موسكو تكاتفت لخدمته. وفي مقدمة كل هذا تسخير قنوات تزعم المقاومة لتغطية والتغطية على التطبيع الانتخابي في المحتل 1948 أو صمت أخريات دون التحشيد ضد انتخابات الكيان وفي ذيل هذا كله كانت تنظيرات الطابور الثقافي السادس وطبعته الجديدة المتخلفة والهابطة عقليا شبه الأمية من أدوات حكام النفط. وإذا كان كل هذا التطبيع والتسويق سوف يفشل لصالح نسخة مسحوتة عن نتنياهو وحزبه، أي جانس، فإن التحليل يكون أمرا لا عقل له.

ولكن، ليس مربط الفرس بقاء نتنياهو أو محاكمته الشكلانية، بل التحول الاستراتيجي في الهجوم المعولم لتصفية الشعب العربي الفلسطيني وقضيته وذلك ليس فقط لتصفية القضية بل ايضا لاجتثاث الجذر أو إطفاء الجذوة التي تشد المواطن العربي بما هي قضية جامعة. وفي سياق إطفاء الجذوة تمت إهالة الكثير من التراب عليها إلى درجة تشغيل أدوات جِد صغيرة كأن تأتي إحداهن من العراق لتغطي “فعلتها” بأنها في المكان الذي “صلى فيه عمر” في تكريس لمقولة خطيرة أن الإسلام يهودي! وبالطبع لن تسألها حكومات بريمر ومنها الحالية التي استضافت مؤخراً “أكذوبة” مؤتمر علماء المقاومة!
وكيف تسألها والفلسطيني الذي يرفض التواصل مع الكيان تحت تهديد القتل بأيد فلسطينية!

في سياق خدمة التحول الاستراتيجي أي صفقة القرن، ظهرت مواقف تطبيعية تنظر إلى انتخابات الكيان كأنها في “دولة” مجاورة، بل وظهر فلسطينيون ينظرون إلى فلسطينيي المحتل 1948 وكأنهم شعب آخر ومجرد جيران، في تساوق مع جوهر إتفاقات اوسلو، وتحدث آخرون عن هذه الانتخابات كما لو كانت مسألة فنية.

أما تيار التطبيع العريق في أوساط فلسطينيي 48 فكرر ان هذه الانتخابات مصيرية. وهي مصيرية حقاً لأنها انتهت إلى فوز اليمين الصهيوني على اليمين الصهيوني من جهة وفوز تيار التطبيع الصهيو-فلسطيني الذي يتمسك بان الكيان “شرعي وقانوني وباقٍ” وبأن المطلوب منه فقط تخفيف ضرب العصا على جلد الفلسطيني الذي أخذته النكبة على حين هزيمة وثبت في الوطن. وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن الحزب الشيوعي الإسرائيلي قد تمكن من جر أحزاب أخرى إلى ماخور التطبيع، وهذا تراث ما قدمه بشكل خاص إميل حبيبي وواصل حمل رايته المهزومة عزمي بشارة. وهنا يجب التذكير بأن إرسال بشارة إلى الخليج كان في مهمة لتطبيع الوطن العربي، وها هو يثمر خليجياً. فبعد أن تم إعداده كما يجب ضاق عليه وعاء التطبيع في المحتل 1948، وهذا ما كتبناه منذ يوم خروجه من فلسطين زاعماً أنه منفي أو هرب “تسلُّلاً” من بين مسامات تكنولوجيا الاحتلال!

إتضح هذا في موجة التطبيع النفطية التي بذلت كل جهد ممكن”في اللحظة” لخدمة الكيان، وإن بدا ذلك كأنه خدمة لنتنياهو بمعنى أن هدفها هو تطبيق التوجيهات الأمريكية بأن مقتضيات صفقة القرن توجب أن “إسطع بما تؤمر” وكان ذلك.
لو صح هذا التوصيف، فماذا عن رفض الكيان والتطبيع؟ 

بدأ تورط فلسطينيين في المشاركة في انتخابات الكيان منذ اغتصاب فلسطين 1948، أي ليس الأمر جديداً. ومع ذلك بقي تيار رفض المشاركة موجودا، وهو اليوم أقوى مما كان سابقاً، بغض النظر عن التحليل الإحصائي لنسبة رافضي التصويت سياسيا او دون سياسة. وأهمية هذا الرفض هو تحديداً بقائه في لحظة تساقط الأنظمة ومثقفين/عربا كأوراق الخريف بمعنى أن أهم فرق القتال في التاريخ هي جيوب المقاومة حين حصول الهزيمة حيث تعيق لحاق العدو بالجيش المتراجع إلى أن يستعيد قوته للهجوم المضاد.

هذا الرفض في المحتل 48 لم يواكبه بعد موقف من الفلسطينيين سواء في المحتل 1967 أو في الشتات، بمعنى أن التحول الاستراتيجي في هجوم العدو أي الثورة المضادة يتطلب تحولا استراتيجيا بالمقابل وليس فقط كردة فعل في البداية بل أن ياخذ زمام المبادرة ولو تدريجيا وعلى مساحات محدودة ولو بمساحة ما تحت الأقدام.

حتى الآن، ورغم وضوح الطريق، لم يتم بعد رفض بقاء م.ت.ف داخل الأرض المحتلة اي أن هذا البقاء يعني مواصلة التطبيع والاعتراف بالكيان وهذا يعني تمرير صفقة القرن حيث لا معنى لرفضها لغوياً. وحتى الآن لم يتم التبني الجماعي لمقاطعة محلية للمطبعين المحليين بالتوازي مع مقاطعة الكيان بأعلى قدر ممكن. إن هذين الأمرين هما نقطة البدء في التصدي والانضواء ضمن محور المقاومة من جهة، واستعادة الشارع العربي من جهة ثانية.

هذا الحديث يثير لا شك تساؤلات كثيرين وخاصة الذين لم يتعبوا من الثرثرة عن الحلول القريبة بينما هي أمامهم على شكل التصفية. ذلك لأن هذا الصراع كان مديدا وسيمتد. ولأنه كذلك صار لا بد من إزاحة من تعبوا أو استدخلوا الهزيمة بعيدا من طريق من لم يتعبوا أو لم يتمكنوا من تقدم الصفوف.

باختصار، التحول الاستراتيجي هوالصراع التناحري بين:

محور المقاومة
والثورة المضادة 

وكل ما يبدو بين الإثنين من تشكيلات وفرق وخطاب وإعلام لعوب وتلاعبات مثقفين/ات ومساومات لا قيمة لها سوى أنها تعيق الفرز.

 

المصدر: كنعان