بحر العيد – نضال حمد

ترتبط تسمية “بحر العيد” بإحياء عيدي الفطر والأضحى المباركين من قبل المسلمين في مدينة صيدا اللبنانية وضواحيها ومخيميها الفلسطينيين عين الحلوة والمية ومية. حيث تتحول منطقة الميناء والقلعة البحرية وخان الافرنج والاستراحة على كورنيش المدينة الى مسرح شعبي لأحياء أيام العيد. يبدو أنها من هنا جاءت التسمية بحر العيد والتصقت بالمكان. لا أعرف هل في أيامنا هذه وبعد كل سنوات الغياب عن صيدا وبحر العيد، لازالت المنطقة تسمى كذلك وتشهد ما كنا نشاهده في طفولتنا وصبانا؟.

أذكر في السنوات البعيدة ومن أيام طفولتي وصباي أنه في كل عيد كانت المنطقة القريبة من مدينة صيدا القديمة وقلعتها البحرية التاريخية واستراحتها الشهيرة تتحول الى مزارٍ كبيرٍ ومنطقة احتفالات وتبضع وتسوق وعيد سعيد بالفعل. فهناك كانت تنتشر العربات والبسطات والأكشاك والمحلات والمطاعم والمقاهي والسوبرماركات، والمراجيح والأراجيح، والألعاب المختلفة التي تجذب الفتية والصبايا والشباب والشابات والكبار والصغار، بملابسهم الجديدة والأنيقة وبما تيسر لهم من أموال وفروها خصيصاً لهذه الأيام  . كما يمتلئ ميناء صيدا بالشخاتير والزوارق التي تقل الناس في رحلات بحرية الى الزيرة والقلعة في مقابل المدينة ومينائها الصغير ومسمكتها الشهيرة، حيث الآن توجد مطاعم ومقاهي “أبو العبد” وغيره على الرصيف قرب الطريق الساحلي على أوتستراد صيدا – بيروت وصيدا – صور.

يوم العيد تتحول الشختورة فجأة الى ما يشبه “ميني باص” محشو بالمسافرين كما علب السردين. فيما الزوراق الأكبر حجماً تصبح مثل “باصات” و”بالمانات” سفر ونقل شركة الزنتوت أو شركة الزعتري، مليئة بالناس. تظهر ملامح الفرح والسعادة والعيد على وجه غالبية الناس، المتواجدون في ذلك المكان في أيام العيد. في حين يتمنى أصحاب الشخاتير والبسطات والعربات والمقاهي والمطاعم والمحلات أن تستمر أيام العيد لمدة شهر كامل حتى يوفرون الكثير من المال، فتلك الأيام بما فيها من بيع وتوفير لا تعوض ولا تقدر بثمن بالنسبة لهم.

في بحر العيد يتجمع المُعيِدون من صيدا ومخيميها وقراها وبلداتها وضواحيها في منطقة بحر العيد. كنت وأنا صغير السن طفل ثم صبي طري العود وفي أول طلعته أسأل نفسي لماذا سموه بحر العيد؟ كما كنت اخترع الأجوبة ومنها: يبدو لأن الناس كانت وأعتادت أن تُعيّد أيام العيد في تلك المنطقة، حيث تتجمع كل أنواع وأصناف الرفاهية من الطعام والشراب الى الألعاب والاستراحات والملاهي والرحلات البحرية. فهناك يجد الناس العربات التي تبيع الحلويات والمكسرات والفاكهة والشراب، والأكلات الشعبية مثل الفلافل والسندويشات الأخرى والحمص والفول بليلة، والذرة المسلوقة، كما الحلويات مثل الهريسة والنمورة والصفوف والبقلاوة والكنافة والقطايف والعوامة والمشبك. كذلك البوظة العربية والآيس كريم الأجنبية وغزل البنات والجلاب والتمر هندي والمشروبات الباردة مثل عصير البرتقال والليموناضة والكوكتيل والخ. طبعاً كانت تتوفر في أيامنا في ذلك الزمان الجِعّة (البيرة) والمشروبات الروحية (الكحول). ورغم أن مجتمعاتنا لم تكن تتقبل ذلك لأسباب دينية وعادات وتقاليد عائلية وعشائرية، إلا أن بعض الناس كان يشربون ويسكرون ويخبصون وتنتهي الحكاية حين ينامون. كان هناك تسامح وعدم تشدد وكان أيضاً هناك إستيعاب لكل أصناف الناس. في تلك الأعياد الجميلة والسنوات التي مضت من عمرنا، كنا كأصدقاء نلتقي في المخيم ثم في منطقة بحر العيد ونقضي أيام العيد في تلك المنطقة متنقلين فيها من مكان الى آخر. ولازلت احتفظ ببعض الصور القديمة من أيام العيد في منطقة بحر العيد. منها بعض الصور لي وحدي وصور أخرى مع أصدقاء وأقارب لي ومع شهداء وأموات أصبحوا في العالم الآخر. تجدونها منشورة مع هذه المقالة على الرابط المرفق في موقع الصفصاف الالكتروني وقفة عز.

في 4 أيلول – سبتمبر 2021

بحر العيد – نضال حمد