بروز المسيحية الصهيونية وتحالفها مع اليمين السياسي – د. غازي حسين

بروز المسيحية الصهيونية وتحالفها مع اليمين السياسي

البريطاني والأمريكي والصهيونية والكيان الصهيوني

د. غازي حسين

استخلص بعض حاخامات اليهود أن اضطهاد المسيحية الغربية لليهود لن يتوقف إلاَّ بتغيير التعاليم التي تتضمن أن اليهود هم قتلة السيد المسيح وتتخذ موقفاً معادياً لليهود أدى إلى الاضطهادات التي حلت بهم في أوروبا. واعتقد هؤلاء الحاخامات أن اختراق المسيحية الغربية والسيطرة عليها يتطلب خلق تيار مسيحي عريض يؤمن بالتوراة قبل الإنجيل وبأن اليهود هم شعب الله المختار وفلسطين العربية وطنهم.

وجاء ظهور الحركة البروتستانتية الرافضة للكاثوليكية والمسيحية التقليدية لتوجه ضربة قوية للمسيحية.

وانتشرت آراء مارتن لوتر (زعيم الحركة) في ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وركَّز الحاخامات على بث الأطماع الصهيونية التي رسّخها كتبة التوراة والتلمود حول القدس وفلسطين في أوساط المسيحية الغربية وأهمها ما يلي:

أولاً: اعتبار اليهود شعب الله المختار وأنهم يشكلون الأمة المفضلة على الأرض.

ثانياً: اعتبار أن ما جاء في التوراة حول وعد يهوه لإبراهيم بتملك فلسطين وبقية الأرض العربية من النيل إلى الفرات وعد إلهي يجب الالتزام به.

ثالثاً: هجرة اليهود إلى فلسطين وتأسيس كيان (إسرائيل) يجمع اليهود فيها للإسراع بمجيء المسيح وتحوّل اليهود إلى المسيحية وحكم العالم ألف سنة من القدس.

وأدخلت الحركة البروتستانتية هذه الأفكار في عقول السياسيين الغربيين. ويمكن القول إن الحاخامات نجحوا في تهويد المعتقدات البروتستانتية لخدمة مخططاتهم المادية والشيطانية المعادية للعرب والمسلمين.

بدأ التغلغل اليهودي في أوروبا بعد خروج اليهود من إسبانيا. وتصدرت التوراة والتلمود حركة الإصلاح البروتستانتية. ونشر مارتن لوتر كتاباً بعنوان: «عيسى ولد يهودياً» جاء فيه «أن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم، وأن اليهود هم أبناء الله ونحن الضيوف الغرباء».

وكانت الكنيسة الكاثوليكية تعتقد منذ روما المسيحية أن اليهود قد انتهوا، وأن الله طردهم من فلسطين إلى بابل عقاباً على ما فعلوه من صلب السيد المسيح، وأن الحديث عن العودة يعني العودة من بابل، وأن هذه العودة قد تحققت على يد الملك الفارسي كورش. وكان القديس أوغسطين على رأس هذا الاتجاه والذي كان يعتبر أن القدس هي مدينة العهد الجديد وأن فلسطين هي إرث المسيح للمسيحيين.

رفضت حركة الإصلاح البروتستانتية مقولات الكنيسة الكاثوليكية حول اليهود وحول ارتباط المسيحيين بالقدس وفلسطين، وركزت على علاقة اليهود بهما فقط.

ويعتقد بعض المؤرخين أن الحروب الصليبية التي بدأت في مطلع القرن الحادي عشر واستمرت حوالي مائتي عام ربطت القدس وفلسطين بالعالم المسيحي الغربي بدون اليهود خلافاً للحركة البروتستانتية.

طرحت البروتستانتية أولوية العهد القديم (التوراة) كمرجع أعلى لفهم العقيدة المسيحية. واعتبرت اللغة العبرية اللغة التي أوحى بها الله، واللسان المقدس الذي خاطب به شعبه المختار.

تبنى الملك هنري الثامن أفكار الحركة البروتستانتية، وأعلن انفصاله عن الكنيسة الكاثوليكية في روما.

ونشر عالم اللاهوت اليهودي البريطاني توماس برايتمان (1562 ــ 1607) كتاباً قال فيه: «أن الله يريد عودة اليهود إلى فلسطين ليعبدوه هناك، حيث يفضل الله أن تتم عبادته فيها على أي مكان آخر».

ودعم المفكرون والسياسيون الإنكليز ومنهم هنري فينش هجرة اليهود إلى فلسطين والذي قال في كتابه الذي صدر عام 1621: «ليس اليهود قلة مبعثرة بل إنهم أمة ستعود إلى وطنها».

وتبلور التيار البيروتاني نتيجة للتغلغل اليهودي في الفكر البروتستانتي. وظهر أوليفر كرومويل، وهم أهم سياسي بريطاني تبنى فكرة هجرة اليهود إلى فلسطين وبأن يكون للشعب البريطاني شرف حمل أولاد وبنات إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد الله بها أجدادهم ومنحهم إياها إرثاً أبدياً.

وتحولت التوراة من كتاب ديني إلى كتاب سياسي تقوم على هجرة اليهود إلى فلسطين واحتلالها وإعطائها لشعب الله المختار المزعوم. وترأس كرومويل المحفل البيوريتاني لمدة عشر سنوات من 1649 ــ 1958. ودعا إلى عقد مؤتمر في عام 1655 لإلغاء قانون النفي الذي اتخذه الملك إدوارد وتشريع عودة اليهود إلى بريطانيا.

وحضر المؤتمر العالم اليهودي مناسح بن إسرائيل الذي ربط المسيحية الصهيونية بالمصالح الاستراتيجية البريطانية.

وعمل الحاخامات والمفكرون اليهود على ربط اليهودية بالمصالح البريطانية والغربية. وتحمس السياسيون البريطانيون لمشروع توطين اليهود في فلسطين. ومنذ تلك الفترة تم توظيف الدين لتحقيق مصالح سياسية مشتركة بين اليهودية وبريطانيا ذات بُعد استراتيجي مستقبلي في منطقة الشرق الأوسط. وجرى وضع الأسس الدولية للمسيحية الصهيونية في ألمانيا وبريطانيا وأمريكا.

وأعتقدُ أن تبني بعض رجال السياسة في بريطانيا «اليهودية» سياسياً بتهجير اليهود إلى فلسطين العربية وإقامة إسرائيل فيها سار بهدف التخلص منهم ومن مكائدهم وشرورهم وإبعادهم عن بريطانيا وخدمة المصالح البريطانية المستقبلية في الهند ومصر وبقية بلدان الشرق الأوسط وحل المسألة اليهودية في أوروبا على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.

ويعتقد مفكرون وسياسيون أوروبيون أن اليهودية والفكر المسيحي الصهيوني لعب دوراً في الحروب الأهلية بين البروتستانت والكاثوليك والتي دامت مئة عام في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وحتى الدول الاسكندافية.

وباعتقادي أن تلك الحروب تشبه الحروب التي شنتها إسرائيل والصهيونية العالمية والولايات المتحدة الأمريكية في فلسطين وبقية البلدان العربية والإسلامية باستغلال الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية لتفتيت بلدان المنطقة وإضعاف واستنزاف ثرواتها وإعادة تركيبها لإقامة إسرائيل العظمى الاقتصادية من خلال مشروع الشرق الأوسط الجديد.

نجحت اليهودية في حمل الأوربيين على تبني المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين. وساد تيار المسيحية الصهيونية في أوروبا بعد انتصار البروتستانتية على الكاثوليكية بانتصار ألمانيا على إسبانيا (1565 ــ 1606) أي بانتظار التيار البروتستانتي المؤيد والمتحالف مع اليهود دينياً وسياسياً.

وصدر كتاب في فرنسا للعالم فيليب لانجلير دعا فيه إلى مقايضة السلطان العثماني القدس بروما. وظهر كتاب موزيس هيس فيلسوف الصهيونية في لايبزغ عام 1658 بعنوان روما والقدس.

وظهر هدف الفكرة الشيطانية بإعطاء روما للسلطان التركي للقضاء على الفاتيكان مركز الكاثوليكية العالمية مقابل الحصول على القدس كمركز لليهودية العالمية والمسيحية الصهيونية لحكم العالم من المدينة العربية التي أسسها العرب قبل ظهور اليهودية والمسيحية والإسلام.

ويمكن للمرء أن يستخلص من تلك الدعوة أن اليهودية خططت لتدمير المسيحية من داخلها كما تعمل اليوم على تدمير عروبة فلسطين ومدينة الإسراء والمعراج والإسلام الأصيل وسورية والعراق وليبيا من خلال المجموعات الإرهابية الوهابية والتكفيرية الأخرى وبلورة إسلام يخدم مصالح الدول الغربية والصهيونية العالمية.

تأسست عام 1807 جمعية لندن لتعزيز المسيحية الصهيونية بين اليهود ولاستعمار فلسطين. وأنشأ اللورد بالميرستون أول قنصلية بريطانية في القدس عام 1837. وعين وليم يونغ قنصلاً لها وهو من المسيحيين الصهاينة.

ووجه المسيحي الصهيوني هنري إنس والذي كان وزيراً للبحرية البريطانية مذكرة إلى بالميرستون دعا فيها دول أوروبا الشمالية وأمريكا الاقتداء بكورش وتنفيذ إرادة الله بعودة اليهود إلى فلسطين.

وتبنى بالميرستون مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين. وبدأت حملة أوروبية مسعورة لتهجير يهود روسيا إلى فلسطين. وعقد القس هاليشر والمسيحيون الإنجيليون في فيينا مؤتمراً من أجل ذلك. وساعد القس هاليشر «المسيحيون الإنجيليون في فيينا مؤتمراً من أجل ذلك. وساعد القش هاليشر تيودور هرتسل في عقد المؤتمر الصهيوني الأول بازل عام 1897 والذي أقر بدء الاستيطان وتهجير اليهود إلى فلسطين لتأسيس إسرائيل فيها.

وكان اللورد شافتسيري من أبرز السياسيين البريطانيين في تلك الفترة وأعلن أن لدى اليهود المال والرجال لاستعمار فلسطين وحماية المصالح البريطانية في المنطقة. ونشر مقالاً عام 1839 أكد فيه أن اليهود سيبقون غرباء حتى يعودوا إلى فلسطين، وأن الإنسان قادر على تحقيق إرادة الله بتسهيل هذه العودة، وأن اليهود هم الأمل في تجدد المسيحية وعودة المسيح. وظهر العديد من رجال السياسة في بريطانيا الذين أبدوا دعوة كرومويل ومنهم وزير الخزانة البريطاني اليهودي اللورد منتفيوري. وساعدهم على ذلك التنافس بين بريطانيا وفرنسا على الهند ومصر وفلسطين وحملة نابليون إلى الشرق وفشله في فتح مدينة عكا.

فأعلن بيانه المشهور لكسب يهود آسيا وإفريقيا وقال فيه أنه جاء إلى فلسطين لإقامة إسرائيل في القدس.

جاءت اتفاقية سايكس ــ بيكو عام 1916 ووعد بلفور عام 1917 ومؤتمر فرساي عام 1919 ونظام الانتداب البريطاني على فلسطين في سان ريمو عام 1922 وتعيين اليهودي الصهيوني هربرت صموئيل المندوب السامي في فلسطين وقرار التقسيم عام 1947 ونكبة فلسطين المستمرة عام 1948 وحرب السويس عام 1956 وحرب حزيران 1967 لتحقيق الأكاذيب والأطماع التوراتية والتلمودية والتي تبنتها المسيحية الصهيونية واليمين السياسي في الدول الغربية بجانب الحركة الصهيونية العالمية والإمبريالية الأمريكية.

وهكذا حققت الصهيونية والمسيحية الصهيونية وبريطانيا مخططاتهم الاستعمارية والعنصرية بتهجير اليهود إلى فلسطين وترحيل الفلسطينيين منها وإقامة إسرائيل فيها وحل المسألة اليهودية في أوروبا على حساب وحقوق ومصالح الشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية والإسلامية.