بستان اليهودي أيام الطفولة والصبا – نضال حمد

من خزان ذاكرة الطفولة والصبا والمخيم …

في بداية مرحلة الخروج من الطفولة الى الصبا قمت مع أقراني وخلاني من رفاق الحارة وأبناء العائلة والبلدة بأعمال صبيانية كثيرة، بعضها كان عادياً وبعضها الآخر لم يكن عادياً على الاطلاق. في فصل الصيف خاصة وفي اثناء العطلة الصيفية والمدرسية كُنا نربط النهار بالليل في أزقة وزواريب الحارة بالمخيم، حيث كنا نلعب ونلهو ونصيح ونعبث بهدوء الأهل والأقارب والجيران من سكان الحارة.

أما الطريق قرب حائط بستان اليهودي بالقرب من بيتنا وحارتنا فقد كان من الأماكن المفضلة لنا، حيث كُنا نتسلقه وندخل خلسة الى البستان لقطف بعض البرتقال (الليمون) والحامض والكلمتين والاسكيدينيا والخ. ثم نقوم بتقشيرها والتهامها في المكان نفسه. بالنسبة للحامض بالذات (في فلسطين المحتلة يسمونه “الليمون” وفي أوروبا “سيترون” أو “ليمون”…). اخترَعنا أو ورِثنا عن الأكبر مِنا سناً طريقة تقشير الحمضيات، فقد كنا نقوم بنحت القشرة على جدار البستان، وكان كل شخص يمر من جواره يرى لوحاتنا الملونة على طول امتداد الجدار من الشارع الفوقاني حتى نهايته عند الشارع التحتاني. حيث كان يلفت الانتباه بتعدد الألوان، فهنا اللون الأخضر وهناك البرتقالي أو الأصفر، لوحات حمضاوية كنا نقوم برسمها بعفوية طفولية.

في تلك الأثناء كان بستان اليهودي يبدو من الخارج كمعرض للألوان والنحث الصبياني والطفولي.  وكان يمتد على مساحة كبيرة تعادل ربما ربع أو ثلث مساحة المخيم الجغرافية الأساسية. تلك المساحة التي حددت للمخيم سنة 1948 واستأجرتها وكالة الغوث – الانروا-، والتي ترفض السلطات اللبنانية لغاية اليوم وبالرغم من مرور أكثر من سبيعن عاماً على تأسيسها، توسعتها لاستيعاب النمو السكاني في المخيمات. فعندما سكن الفلسطينيون مخيماتهم في لبنان كانوا بضعة آلاف من اللاجئين أما الآن فهم مئات الآلاف.

على كل حال بعد غزو لبنان سنة 1982 وجرف البستان من قبل الصهاينة، استولت عائلات فلسطينية من المخيم على أراضي البستان وبنت وشيدت المنازل والمؤسسات هناك، لتصبح حياً سكنياً وأمراً واقعاً.

لقد عرفت بستان اليهودي منذ ولادتي ببستان اليهودي ربما لأن صاحبه ومالكه كان شخصاً لبنانياً يهودياً. لكن في حقيقة الأمر ليس لدي فكرة عن الشخص المذكور وعائلته وإن كانوا بقيوا في لبنان كما بعض اليهود الآخرين أو هاجروا الى فلسطين المحتلة، ضمن الهجرات المنظمة للوكالة اليهودية أحد أهم فروع ومؤسسات الحركة الصهيونية العالمية. لكن الاستاذ غالب الصالح يقول : “اسم صاحب البستان مانو اليهودي كانت عائلته تسكن قرب مستشفى لبيب ابو ظهر القديمه بجانب قلعة صيدا البحريه وكان المسؤول عنه ابو احمد البدوي عندما كان لنا البقر في البستان”.

كانت مساحة البستان تمتد من عند مدرسة قبية للبنين ومدرسة السموع للبنات وصولاً وعلى طول الشارع الفوقاني الى حي الصفصاف. كان الحائط يمر مقابل السور، موقع الصاعقة سابقاً، عيادة الوكالة، محل والدي أبو جمال حمد وفرن فوزي، محل الخياطة لأبي ناصر القاضي، منزل السيدة سكرة أم الأخ هربجت وربما بقربه منزل آل الحسري، منزل آل بركة، ومنازل دار الميعاري من أهل عكبرة، ومفرق بيت أبو غالب الصالح وعين الماء هناك. كانت الوكالة وضعت عيون ماء في احياء عديدة من المخيم كذلك حمامات لقضاء الحاجة. ونتابع مع البستان الذي يواصل طريقه مقابل بيوت آل حوراني والجوخ ودار علي نورا ثم قبل مفرق سيروب القديم نزولاً الى غرب الشارع المذكور ملاصقاً لمنازل آل فرهود والصالح وبيت أبو وحيد وحاكورة فاطمة العايزة ودار الخرسان من الرأس الأحمر، فمكتب جيش التحرير الفلسطيني مقابل بيت آل الخليل (الصوص) ودار السعسعاني مباشرة مقابل بيوت آل حمد (أهلي)، فمنزل أبو عصام هندية، ثم الى جانب الطريق المؤدي الى الشارع التحتاني مقابل منازل دار يوسف السمرة، دار أبو علي عليوة، دار جبر قديثا وجيران آخرين، ثم يلتف جدار البستان ليصل الى قرب بيت أبو حسن المطهر، والى منطقة موتور المياه قرب مقر الجبهة الشعبية ثم بعدها مباشرة يأتي المدخل الرئيسي الغربي للبستان حيث كان موقع حركة فتح، وحيث كانت سيطرة المرحوم أبو غالب الصالح، الذي كان يسيطر هو وحركة فتح على البستان قبل الغزو سنة 1982. كما يجب أن نذكر أن فتح وضعت في البستان دبابة تي 32 وهي واحدة من مجموعة الدبابات التي أحضرتها من الهند أيام الزعيمة الراحلة أنديرا غاندي صديقة شعب فلسطين. من هناك يستمر جدار البستان بالالتفاف قرب بداية حي التعمير ومقابل مدرسة الكفاح وصعوداً مع الكمب العتيق أي حي الطوارئ وصولاً من جديد الى مدرستي السموع وقبية حيث توجد مقبرة شهداء هبة نيسان 1969.

رحم الله أيام بستان اليهودي وما لذ وطاب من الحمضيات.

من لديه أو لديها ملاحظات غابت عن بالي أو نسيتها وغفلتها أنا فليرسلها أو ترسلها لي مع الشكر الجزيل.

نضال حمد

2-9-2021