الأرشيفالجاليات والشتات

بلال سوف يلتقي بغسان*

كل من عرفك عن قرب أحبك وأحترمك وقدرك. أما من لم يلتقِ بك ربما خسر الكثير لأنه لم يتعرف إلى شخصٍ ودودٍ، وإنسان أكثر من رائع.

في قلبك كان هناك فائض حب وفي بسمتك فائض كرم وفي قلبك متسع للعالم أجمع.. حملت فلسطينك معك أينما وليت وجهك ومضيت بها لتنشرها كقصيدة حب وحرية فوق قمم الجبال، فأنبثت أصدقاء ومناصرين ومحبين لفلسطين.

رأيناك مع فرق الفولكلور والدبكة الشعبية الفلسطينية القادمة من الضفة الغربية ومخيماتها، مع فرق الرقص الشعبي والاستعراض العالمية. كنت متحركاً كفراشة ونشطاً مثل خلية نحل ومتنقلاً ومتعاوناً كفوج نمل.

كنا نجدك أينما فاحت رائحة الحنين إلى فلسطين ..

رأيناك في المدن والميادين مع الشباب والصبايا الذين عملت جاهداً على إحضارهم إلى بولندا كما أخبرتني قبل سنوات طويلة، هذا بعد أن توطدت كثيراً علاقتنا وصداقتنا… في الختام تمكنت من احضارهم لينالوا إعجاب الجميع في مهرجان الفولكلور العالمي في جبال بولندا الجنوبية، في بلدة ميشلنيتسه. هناك حيث سكنت وعشت مع زوجتك ليديا وابنتك ناديا، وحيث عملت مدرساً في مدرسة بالبلدة. لقد أحبك فيها الكبير والصغير، ربما لدماثتك، لطيبتك ونقاؤك وروحك النابضة محبة وسرور.

قبل أن أشارك معك في الحضور الاول للفرقة الفلسطينية التي شاركت لأول مرة في المهرجان المذكور، كنت تعرفت اليك بمبادرة شخصية منك. حيث حضرت معرض الرسوم واللوحات للفنانة البولندية دومينيكا روجانسكا، صديقة قضيتنا الفلسطينية. بنفس الوقت أقيم هناك أيضاً معرض الصور التي التقطتها أنا في المخيمات الفلسطينية في لبنان. سعدت بك يا أخي بلال وفرحت بأن لدى الفلسطينيين في جبال بولندا مثقف ومناضل فلسطيني..

بعد اللقاء الأول قلت لنا (أنا ودومينيكا) بأنك ستعمل مع البلدية ودائرة الثقافة فيها لدعوتنا لإقامة معرضنا هناك ولتوقيع كتبي (باللغة البولندية) ومن أجل إجراء ندوة مع المهتمين والمهتمات بفلسطين من سكان المدينة. كان هذا على ما اعتقد نهاية سنة ٢٠١٩ وبداية سنة ٢٠٢٠ ثم اجتاح وباء كورونا العالم فتوقفت النشاطات لفترة من الزمن.

فيما بعد عدنا للنشاط وللعمل معاً من جديد. فكان لي شرف تكريمك بإسم اتحاد الجاليات والمؤسسات الفلسطينية في أوروبا عبر تسليمك دبلوم التكريم في منزلك. ولن أنسى ضحكتك عندما قلت لي أكيد كتبت الإسم العائلي كذا .. يعني خطأ .. وفعلاً تبين أنني كتبته بلال “كاسوحة” والصحيح أنه بلال “قشوع”، القلقيلي، المنتمي لكامل تراب فلسطين من نهرها الى بحرها. رفيق التجربة الوطنية والثورية المميزة… خريج مدرسة الحكمة الضميرية الفلسطينية.

هكذا عرفت بلال الذي قاوم المرض العضال لأجل البقاء كما كان طوال حياته يقاوم الاحتلال ويودع الأصدقاء والشهداء..

هناك في تلك البلدة الجبلية، أحبوك – حيث كنت تعيش مع زوجتك ليديا وابنتك ناديا.

كنت تعمل مُدرساً، يُدرّس لغة شكسبير وبالفور.

رحل عنا بلال – الصديق من جبال بولندا، الفلاح من فلسطين، وخريج جامعات بلغاريا – رحل بصمت، متألماً في وحدته.

وأنا تألمت، لأنني لم أستطع مساعدته ولا زيارته في المستشفى – كانت الزيارات ممنوعة، وظلّ المنع قائماً حتى وفاته.

رحل وحيداً، على سرير لا أعرف رقمه – سرير أعاد إلى ذهني قصة قصيرة ( موت سرير رقم 12للشهيد الأديب الكبير غسان كنفاني – الكاتب الفلسطيني العظيم الذي كان بلال يعشقه.

بلال يا صاحبي!

سلّم لي على غسان كنفاني، وعلى كل من سبقونا إلى عالم الخلود في طريقهم نحو فلسطين الحرة.

*سوف يدفن غداً في ميشلنتسه بعيداً عن فلسطين لكن روحها المحلقة سوف تبقى فوق فلسطين مثل حمام السلام محلقة لأجل السلام.

* غسان كنفاني – الكاتب الفلسطيني الكبير والأشهر، 9 نيسان 1936 – 8 تموز 1972.

نضال حمد

موقع الصفصاف – وقفة عز

التاسع من تموز – يوليو 2025