بيلاروسيا.. محطة جديدة من الثورات الملونة؟ – نور الدين اسكندر

الاحتجاجات التي تشهدها بيلاروسيا عقب الانتخابات الرئاسية تفتح مساحة الجدل على احتمالات كثيرة. فهل هي محطة جديدة من محطات الثورات الملونة؟ أم أنها انفجار الحاجة إلى التغيير ضمن سقف العلاقة مع موسكو؟

 

حين انتهت الحرب الباردة، توسع حلف شمال الأطلسي في دول أوروبا الشرقية باتجاه الحدود الروسية، وتم تعديل مهماته ليكتسب أسباباً جديدة للاستمرار بعد انهيار غريمه “حلف وارسو”. لكن هذا التوسع الذي قضم دور الاتحاد السوفياتي السابق الواحد تلو الآخر، ووجه برفض موسكو الشديد له الذي تصاعد مع استعادة موسكو قدراتها وعافيتها استراتيجياً. ومع أن المواجهة بين الناتو وروسيا في المجال الاستراتيجي الفاصل بين أوروبا الغربية وروسيا طالت معظم الدول الموجودة في وسط أوروبا وشرقها، هو لم يطل بيلاروسيا.

لقد توسع الناتو، وتوسع في مسارٍ موازٍ له الاتحاد الأوروبي، ليضم 28 دولة بينها الدول المتاخمة لروسيا، من استونيا في الشمال ووصولاً إلى رومانيا في الجنوب وما بينهما. لكن مينسك بقيت في حضن موسكو على الدوام وبدا صعباً فصلهما.

وإذا كانت أوكرانيا توصف بأنها “روسيا التوأم”، فإن بيلاروسيا هي روسيا ذاتها، روسيا البيضاء التي يشتق اسمها من اسم البلاد الروسية الممتدة حتى المحيط الهادىء في أقصى الشرق.

ولأن الغرب حاول على الدوام فصل كل دول الاتحاد السوفياتي عن وريثته روسيا، فإن المحاولات التي فجرت أوكرانيا مستمرة في التفاعل لتوقع في شركها دول أخرى، فهل يكون دور بيلاروسيا قد حان على رزنامة الفوضى وتصدير الثورات الملونة؟

بيلاروسيا في الجغرافيا السياسية

من ناحية الجغرافيا السياسية، تقع بيلاروسيا في نقطة المنتصف بين هلالين يحيطان بها. نصف الهلال الأول تشكله الأراضي الروسية والجزء الشرقي من أوكرانيا (تسكنه غالبية سلافية مؤيدة لموسكو) التي تحيط ببيلاروسيا على شكل منحنى هلالي يمتد من الشمال إلى الجنوب مقعّر باتجاه الشرق. بينما نصف الهلال الآخر تشكله مجموعة من الدول على شكل منحنى هلالي مقعّر باتجاه الغرب، وهذه الدول هي لاتفيا، ليتوانيا، بولندا، وغرب أوكرانيا.

هذا الموقع يحكم بيلاروسيا بمجموعة من المعطيات التي لا يمكن لها أن تنفك منها. هي في كل الأحوال جار صغير في قلب الحضن الروسي، وتنسجم مع روسيا عرقياً وحضارياً وتاريخياً ولغوياً. وتتعرض من جانب آخر لضغوط من الغرب ومن نماذج الحكم الجارة في الدول التي سارت في ركب الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، والتي تتسرب منها نحو بيلاروسيا الأفكار والأنشطة والمنظمات والنشطين وتقنيات الدعاية السياسية وأسلوب الحياة وغيرها.

إذاً وفق دواعي الجغرافيا السياسية وتأثيراتها، تتعرض مينسك لوهجين استراتيجيين متقابلين يلفحان وجهها الخاص ذا الطابع الشرقي، ويهددان تمايزها عن جاراتها اللواتي دخلن في الفضاء الأوروبي سياسياً، وفي الفضاء الأطلسي المهيمن عليه أميركياً.

روسيا وبيلاروسيا

وبيلاروسيا وهي دولة حبيسة لا منفذ لها على المياه، ترتبط بموسكو بعلاقاتٍ تاريخية تسبق نشوء الاتحاد السوفياتي السابق، وتعود إلى الترابط المجتمعي والعرقي بين القبائل السلافية في إمارات المناطق التي كانت تواجه جنباً إلى جنب هجمات المغول والتتار من سهوب آسيا الوسطى، حيث كانت تلك الحملات تستهدف إمارة موسكو بالدرجة الأولى، والإمارات الصغرى في المناطق المأهولة من بلاد السلاف في الشمال. وقد شهدت هذه البلاد معارك طاحنة تبقى في رصيد الروس والروس البيض كمخزونٍ تاريخي وحضاري يربط بينهما، ويحتضن بدفئه العلاقات الحالية بين الدولتين.

وتشكل بيلاروسيا المساحة العازلة بين روسيا والدول التي وصل تمدد حلف شمال الأطلسي إليها، وبالتالي فإن خسارتها لمصلحة حكم موالٍ للغرب ثم انخراطها بعد ذلك في المنظومتين السياسية والعسكرية للغرب، سوف يجعل حلف شمال الأطلسي مطبقاً بصورةٍ محكمة على الحدود الروسية من الجهة الغربية، تماماً كما هي الحال في أوكرانيا التي يعزل بين مناطقها الغربية الموالية للغرب وروسيا، الجزء الشرقي من البلاد الذي لايزال موالياً لموسكو. وإذا نجحت مساعي الغرب في مينسك، أو تلك المساعي التي يعتقد أن الغرب يضمرها حتى اللحظة في هذه المسألة، فإن روسيا ستواجه تصعيداً استراتيجياً للتهديد الذي يطال أمنها القومي.

هذه المعطيات فيما لو تحققت، يرجح أن تدفع موسكو إلى الدفاع بشراسة ضد أي محاولات لتسعير الاحتجاجات في الشارع البيلاروسي التي انفجرت عقب رفض المعارضة لنتائج الانتخابات التي أعادت ألكسندر لوكاشينكو إلى سدة الرئاسة في مينسك للمرة السادسة.

وقد تجاوزت الأزمة السياسية التي اندلعت على إثر رفض المعارضة الاعتراف بنتائج الانتخابات الرئاسية، أبعادها الداخلية لتمتد إلى الأبعاد الاستراتيجية للدول المجاورة بعدما أعربت روسيا عن استعدادها لدعم لوكاشينكو عسكرياً، ما قد يحول مينسك إلى مسرح جديد للصراع الروسي الأميركي الأوروبي على خارطة النفوذ.

وعلى الرغم من التوتر الذي شاب العلاقات بين الحليفين التقليديين قبل انتخابات الأحد 16 آب-أغسطس التي منحت لوكاشينكو ولاية سادسة، أبلغت روسيا الأخير استعدادها لتقديم المساعدة العسكرية إذا لزم الأمر.

ويرى لوكاشينكو أن ما يجري في البلاد لا يرتبط بالاعتراضات الداخلية على حكمه، بل بمحاولات غربية حثيثة لإبعاده عن السلطة، حيث صرح “أن دبابات وطائرات حلف شمال الأطلسي منتشرة على مقربة من حدود بلاده.” وربما تعود خطوة روسيا باتجاه بيلاروسيا ورئيسها إلى مصلحتها في منع أي هزة سياسية في جوارها يمكن أن ينفذ منها الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي العدوين لها، إلى الاقتراب لدرجة الالتصاق بحدودها الغربية.

وسبق أن تدخلت روسيا في مناسبات مماثلة حين تعرض أمنها القومي، أو أمن إحدى الدول الحليفة لها للخطر. ولاسيما منذ آب-أغسطس 2008 حيث تدخلت في جورجيا لإعادة الوضع الخاص الى إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، بعدما أُلغي من قبل الرئيس الأسبق الموالي للغرب ميخائيل ساكاشفيلي. أو على طريقة تدخلها في سوريا لمساعدتها على مواجهة الإرهاب والتدخلات الغربية التي كانت تهدف إلى إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد. أو في السنوات الأخيرة أيضاً حين دعمت المناطق الموالية لها في الشرق الأوكراني في المواجهات التي شهدتها مقاطعتا لوغانسك ودانيتسك، ومن خلال ضم واستعادة شبه جزيرة القرم إلى أراضيها بعدما كانت تتبع أوكرانيا، عقب استفتاء أجري من جانب واحد في شبه الجزيرة في 16 آذار-مارس 2014.

أي مستقبل لبيلاروسيا؟

لا يستبعد كثيرون أن ينتقل السيناريو الأوكراني إلى بيلاروسيا إذا استمر مسار الأمور متجهاً نحو التصعيد، وإذا زاد الغرب تدخلاته لتسعير للأحداث الدائرة هناك. لكن موسكو تحاول أن تتلقف سريعاً الفرص البائنة الآن من لهيب التظاهرات المنطلقة. لقد أعلنت موسكو أنها مستعدة لتقديم الدعم العسكري لمينسك وفق اتفاقية دفاعية ثنائية عقب اتصال هاتفي بين بوتين ولوكاشينكو، وهو السيناريو المشابه بدرجة كبيرة لطريقة مقاربة روسيا للأزمات الأخرى في أوكرانيا وجورجيا قبل ذلك.

لكن ملامح اختلافات جادة تبدو أيضاً بين حالة بيلاروسيا والحالتين المذكورتين. فالتركيبة الاجتماعية مختلفة والتاريخ مختلف. ثم إن بيلاروسيا لم تكن يوماً محايدة في القسمة المستمرة بين روسيا والغرب. لقد كانت إلى جانب موسكو دائماً. حتى أن التظاهرات التي تشهدها حالياً لا تشهد المظاهر المؤيدة للغرب كما كانت الحال في الدول الأخرى التي شهدت مثل هذه الأحداث.

وبيلاروسيا تنتمي إلى التحالف العسكري الذي تقوده روسيا “منظمة اتفاقية الأمن المشترك”، ويدعي رئيسها أن حلف شمال الأطلسي يحاصر حدوده  من خلال الوجود في دول البلطيق المحاذية، ومن خلال إجراء تحركات عسكرية على نقاط حدودية مع بيلاروسيا، الأمر الذي نفاه الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبيرغ ، مؤكداً أن الناتو لم ينشر وحدات إضافية في بولندا أو ليتوانيا، بل إن وجوده “دفاعي” و”مستعد لردع أي اعتداء ضد حلفاء”. لكن لوكاشينكو أمر بعد ذلك الجيش بإجراء مناورات على الحدود الغربية للبلاد.

وعلى الرغم من وجود تباينات معروفة بين موسكو ومينسك في الفترة الماضية، تبدو الدولتان اليوم ورئيساهما أيضاً، أمام ضرورة التعاون في مواجهة خطر مشترك يتمثل بالمحاولات الغربية للاستفادة من الأحداث والدخول عليها؛ ولاسيما أن وسائل إعلام روسية نشرت صوراً للفرنسي برنار هنري ليفي في بيلاروسيا، الشخصية البارزة في تسعير الانتفاضات الشعبية في العالم العربي وفي الدول التي شهدت ثورات ملونة، وقد اقترن اسمه باستغلال الغرب للمطالبات الشعبية بالإصلاح في الدول المناوئة للمصالح الأطلسية.

ويحاول لوكاشينكو من جهته تثمين وجوده في أعين بوتين، من أجل دفعه إلى الانخراط في الدفاع عنه أمام الحدث الكبير المتمثل بالسعي إلى إبعاده عن السلطة من الداخل والخارج. وقد درجت وسائل الإعلام الغربي على وصفه بـ “آخر ديكاتوريي” أوروبا الشرقية، وهي التهمة نفسها التي تطلق على رؤساء الدول الأخرى الحليفة لموسكو في غير منطقة من العالم.

لكن هل تتدخل روسيا بصورةٍ مباشرة كما فعلت في سوريا والقرم، أو حتى في جورجيا؟

لا تبدو الأمور مرشحة في الوقت الراهن لهذا الاحتمال. فالدلائل على ذلك مرتبطة بالتزام مينسك بالاتفاقيات الموقعة بينها وبين موسكو، كما بالاتفاقيات التي تجمع الدولتين في أطر أكثر اتساعاً، وهي بنوعيها مواثيق تشكل ضماناً لروسيا حول تموضع جارتها بيلاروسيا.

من جهةٍ ثانية، فإن ما يهم روسيا فعلاً هو بيلاروسيا كدولة وليس لوكاشينكو. ولاسيما أن الحياة السياسية في مينسك بات واضحاً أنها بحاجةٍ إلى تجديد، في أعلى مواقع السلطة فيها من أجل مصلحة بيلاروسيا أولاً، ثم مصلحة روسيا والعلاقات المشتركة تالياً.

كما ان خطاب المعارضة البيلاروسية لا يبدو متطرفاً أو حتى مقلقاً بالنسبة لموسكو. فالسياسية المعارضة ماريا كوليسنيكوفا  قالت لصحيفة “فيلت أم زونتاغ” الألمانية إن العقوبات التي يعتزم الاتحاد الأوروبي حالياً فرضها على بعض المسؤولين هي غير بناءة، إذ أنها ستؤثر على أجواء الحوار بين الحكومة والمعارضة. “العقوبات تأتي في وقت مبكر”- قالت كوليسنيكوفا.

أجواء الحوار هذه يراهن عليها لوكاشينكو حين يطرح قبوله مشاركة السلطة مع المعارضة. خطوات من الطرفين قد تسهم في تقليص احتمالات التوتر بينهما. وحتى هذه اللحظة، لم يطالب الاتحاد الأوروبي باستقالة  لوكاشينكو، حيث يبدو أن الجميع يعرف قواعد اللعبة وخطورة انتزاع بيلاروسيا نحو الغرب بخطوةٍ حادة، لكن من يضمن ألاّ تكون هذه البداية فقط؟ لقد اعتادت القوى الغربية على التسلل بنعومة تحت جناح المطالبات الشعبية بالديموقراطية والإصلاح. لكن انتزاع بيلاروسيا يبدو متعذراً بصورة محسومة الآن. نظراً لكون المواطنين في روسيا البيضاء يؤيدون العلاقات مع روسيا بأغلبية ساحقة.

لقد حاول لوكاشينكو في المرحلة السابقة أن يلعب على حبال متعددة. فهادن دول الناتو بصورة واضحة لكن حذرة، وحاول الظهور بمظهر الرئيس الرافض للهيمنة الروسية من خلال إبقاء بلاده خالية من القواعد العسكرية الروسية؛ لكنه لم يخاطر بمعاداة موسكو مطلقاً، وكان يدير توازناً دقيقاً في مواقفه من دون أن يجعل من بيلاروسيا محايدة. لقد كانت إدارته منحازةً لموسكو، مع رغبة بتثمين وجوده في أعين رئيسها من جهة، وتحصين رئاسته بنعومة ظاهرة في مقاربته تجاه الغرب من جهةٍ ثانية.

باختصار، يمكن القول إن المسألة مرشحة لأن تدور حول لعبة الحكم في بيلاروسيا، أكثر مما هي مرشحة لانفجار كبير على شكل أحداث أوكرانيا أو جورجيا، حتى اللحظة.

 

المصدر: الميادين