ترامب البابا الصليبي الجديد – شحادة موسى

اذهبوا الى الضريح المقدس وانتزعوا هذه الأرض من الكفار وتملكوها أنتم”
البابا أوربان الثاني في دعوته الى الحروب الصليبية، 1095

لقد قررت أنّ الوقت قد حان للاعتراف رسميًا بالقدس عاصمة ل(إسرائيل)، العاصمة التي أسسها الشعب اليهودي في الأزمنة القديمة”
دونالد ترامب
رئيس الولايات المتحدة الأميركية، 6-12-2017

كانت حماسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعلان مدينة القدس عاصمةً “لإسرائيل” ظاهرة، وتُذكِّر بخطاب البابا أوربان الثاني في العام 1095 الذي عدَّه المؤرخون دعوةً الى الحروب الصليبية التي دامت (196) سنة.
كان البابا يحمل حقدًا كبيرًا على المسلمين؛ ففي ذلك الخطاب أمام حشد من السوقة والأمراء الإقطاعيين قال: “يا شعب الله المختار لقد جاءت من فلسطين أنباء محزنة تعلن أنَّ جنسًا لعينًا قد طغى وبغى في تلك البلاد، بلاد المسيحيين في الشرق … اجعلوا طريقكم الى الضريح المقدس وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث وتملَّكوها أنتم”.
وعُرف عن الرئيس ترامب حقده على المسلمين والعرب والتحريض عليهم. ففي حملته الانتخابية الأولى أطلق تصريحاتٍ ووعودًا نارية زلزلت الرأي العام الأميركي والدولي؛فقد اعتبر أنَّ الإسلام يكره الولايات المتحدة، وكان قد دعا في كانون الأول/ ديسمبر 2015 الى الوقف الكامل لدخول المسلمين الى الولايات المتحدة وأكَّد أنه يقصد غالبية المسلمين (قناة فرانس 24، 11كانون الثاني/ يناير2016).
وعلى غرار الحشد الذي خاطبه البابا أوربان، كانت الحشود الانتخابية التي يخاطبها ترامب، أو “ترامبان” (تشبيهًا باسم البابا)من العنصريين، والمسيحيين الكارهين للمسلمين والعرب، المتماهين مع اليهود ويُعرفون بالمسيحيين الصهيونيين. وقد أعلن أمامهم أنه سوف يعترف بالقدس عاصمةً ل”إسرائيل” وينقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس.
وقد أوفى ترامب وعوده. ففي شهر أيار/ مايو 2017 ذهب الى القدس، وارتدى الطاقية اليهودية (الكيبا)، ووقف متضرعًا أمام حائط البراق، الذي يُسمُّونه حائط المبكى، وبدا متعبِّدًا يهوديًا وليس رئيسًا سياسيًا لدولة عظمى، وكان هو أوَّل رئيس يزور هذا الموقع، وفي كانون الأول/ ديسمبر 2017 أعلن اعترافه بالقدس عاصمةً ل(إسرائيل).
على هذه الصورة رآه كثير من الإنجيليين، كما رأوا في ذلك الاعتراف ما هو أبعد من السياسة والدبلوماسية، ويخدم اعتقادهم بقرب يوم القيامة وعودة السيد المسيح.
وبدأ ترامب وأعوانه من الإنجيليين يرون في “إسرائيل” كيانًا دينيًا ويستخدمون لغة تُضفي شيئًا من القداسة على هذا الكيان؛ وأخذ ممثلوه في المنظمات الدولية ينفرون من أي نقد يُوجَّه الى هذا الكيان وما يمارسه بحق الفلسطينيين من قمع واضطهاد واعتداء وسطو على المنازل والممتلكات. وبذلك أصبحت “إسرائيل”، بفضل أميركا ونفوذها، فوق الانتقاد وفوق القوانين الدولية، وأصبح ترامب وإدارته يتَّسِم بالتعصب والتطرف مثل جماعات التطرُّف الإسلامية التي تدعو الى معاقبة من يمَسُّ ثوابت الدين أو الذات الإلهيِّة؛ ممَّا جعل جريدة الغارديان البريطانية تصف ترامب بالخليفة (18-6-2018).
وترامب في سعيه للفوز بولاية ثانية، رأى أنَّ نجاحه في حمل الدول العربية على إقامة علاقات طبيعية مع “إسرائيل”، سيُعدُّ إنجازًا تاريخيًا يلقى الترحيب والتأييد من الإنجيليين ومحبِّي “إسرائيل” في أميركا. وقد جعل من ذلك عنصرًا أساسيًا في حملته الانتخابية وأصبح يُكثر من التصريحات عن جهده وإنجازاته في هذا الشأن. ومن البيت الأبيض، وسطَ عدد من أعوانه، أعلن في 13- 8- 2020 عن اتفاق “أبراهام” بين دولة الإمارات و”إسرائيل”، وقال وهو يُدلي بإعلانه “إنَّ المسيحية أدَّت دورًا كبيرًا جدًا في المفاوضات الشاملة”. وبالفعل هلَّل المسيحيون الصهاينة للاتفاق، وقالت منظمة “مسيحيون متحدون من أجل “إسرائيل”، اليوم تمَّت الاستجابة لصلاتنا من أجل سلام القدس (ميدل إيست آي 21- 8- 2020).
بعد ذلك بوقت قصير أعلن ترامب عن اتفاق بين “إسرائيل”والبحرين. وفي 25- 9- 2020 جرى توقيع الاتفاقين في البيت الأبيض حيث ظهر نتنياهو، رئيس وزراء “إسرائيل”، مزهوًّا كعادته عند كل إجراءٍ يتخذه ترامب من أجل “إسرائيل”. وواصل ترامب تصريحاته الدعائية، مثل: أجريت حديثًا مع ملك السعودية ووليِّ عهده وإنهما منفتحان على السلام؛ وأنَّ خمس أو ست دول عربية على الطريق لإبرام اتفاقات تطبيع مع “إسرائيل”. وهو يشدِّد الضغط الآن على السودان ويجعل تطبيع علاقاتها مع “إسرائيل” شرطًا لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وهكذا لم يتأخر ترامب عن عمل كل ما يستطيع لخدمة “إسرائيل”، ويكرِّر القول إن ما يفعله من أجل “إسرائيل” لم يفعله أي رئيس قبله. والحقيقة إن ما يفعله غير مسبوق ويتجاوز السياسة والعلاقات السياسية المألوفة حتى مع أقرب حلفاء أميركا. فقد أصبحت خدمة “إسرائيل” همَّه الأول، وأصبحت صورة أميركا تبدو أُلعوبة بيد “إسرائيل”، فنشرت جريدة نيويورك تايمز (نيسان/ إبريل 2019) كاريكاتير يعبِّر عن هذه الوضعية الوضيعة ويظهر ترامب في صورة رجل أعمى يقوده كلب في صورة نتنياهو رئيس وزراء “إسرائيل”.
وفي الوقت نفسه ينبري ترامب وإدارته لمحاربة الذين يعرقلون السيادة اليهودية على “أرض إسرائيل”، وفي المقدمة منهم الشعب الفلسطيني صاحب الأرض التي أُقيم عليها الكيان الصهيوني. واتخذ ترامب سلسلة من القرارات التي تنضح بالحقد الشخصي، واستحضرت صورةً من تاريخ أميركا الأسود الذي كُتب بدماء السكان الأصليين في عمليات الإبادة الهمجية. بدأت هذه القرارات بعد تولي ترامب الرئاسة بقليل؛ فأعلن في ديسمبر 2017 اعترافه بالقدس عاصمة “لإسرائيل”، وفي يناير 2018 أوقف مساهمة أميركا في ميزانية هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ثم أوقف كل المساعدات التي تقدمها أميركا للشعب الفلسطيني بما في ذلك مساعدة المستشفيات في القدس. وفي العام 2019 قرَّر أنَّ إدارته لم تعد ترى في المستوطنات “الإسرائيلية” في الضفة الغربية مخالفة للقانون الدولي، وختم قراراته، حتى الآن، بصفقة القرن التي أعلنها في 28- 1- 2020.
ووسَّع ترامب مجال حقده ليشمل كل من يتعاطف مع الشعب الفلسطيني ويساعده لاستعادة حقه في وطنه؛ ففرض المقاطعة والحصار على إيران بقصد خنقها حتى الموت، وساعد في إرسال “الجهاديين” الى سورية بقصد تدميرها، ودفع بقوات أميركية لاحتلال أراضٍ في شرق سورية حيث آبار النفط؛ وتقوم إدارة ترامب وأجهزتها في التحريض على حزب الله وملاحقة أنصاره أينما وجدوا في هذا العالم. وتثير هذه التصرفات الهوجاء استهجانًا واسع النطاق لأن الجميع يعلم أنَّ المسألة لا تتعلق بأمن أميركا ومصالحها، وأنَّ الدافع الحقيقي الى هذه الحملة العدوانية هو التعصب والولاءُ “لإسرائيل” ليس إلَّا.
ومع ذلك يظل السؤال قائمًا: لماذا يندفع ترامب ويتصدَّر هذه الحملة وهو غير متدين أصلاًا؟  والتفسير الأقرب الى المنطق هو أن التدقيق في شخصية ترامب وسلوكه يُظهر أنَّ الدافع الذاتي الى هذه المهمة غير المقدسة مركَّب من نزعة التطلُّع الى الرئاسة ونزعة التعصُّب المتأصلة في نفسه.
في سعيه الى الرئاسة لم يكن كسب أصوات اليهود وحده هو الدافع. من المعروف أنَّ الرؤساء الأميركيين يتقرَّبون في حملاتهم الانتخابية الى اليهود ويطلقون الوعود لدعم “إسرائيل”؛ فاليهود قوة انتخابية يُحسب لها، إذ يزيد عددهم على ستة ملايين، ولهم تأثير ونفوذ في المؤسسات المالية والإعلامية. ولكن لم يصل أيٌ منهم الى المستوى الذي تطغى فيه صورة الداعية الصهيوني على صورة رئيس الدولة.
وكذلك الأمر فيما يتعلق بالتعصب. لقد تجلَّى تعصب ترامب في مسألة القدس، ولهذا شبَّهناه بالبابا أوربان الذي جعل من القدس سببًا للحروب الصليبية. غير أنَّ ترامب يظهر في صورة مشوَّهة للبابا؛ فالبابا لم يكن يطمح الى رئاسة، والحشود التي خاطبها كانت في طاعته وتطلب بركاته. أمّا ترامب فمهووس بالرئاسة، ويتملَّق الحشود التي يخاطبها وهي متديِّنة وهو على العكس من ذلك. وهذا الوضع غير الطبيعي جعله يبدو في تصريحاته وتعبيراته الجسدية شخصيةً خرقاء.
وهكذا وجد نفسه عند هذه الجماعات الإنجيلية وخصوصًا المسيحيين الصهاينة؛ فهم شديدو التعصب والكراهية للمسلمين، وشديدو التعصب والولاء “لإسرائيل”، وقوة انتخابية كبيرة أوصلته الى البيت الأبيض ويعوَّل عليها الآن للفوز بولاية ثانية. ومن الطبيعي أن ينحاز هؤلاء، من جهتهم، الى المرشح الذي تنطبق عليه هذه المواصفات. وقد عبَّرت جريدة نيويورك تايمز عن ذلك فكتبت في كانون الثاني/ يناير 2017 أنَّ ترامب غير المتديِّن هو حصان طروادة لليمين المسيحي الذي يريد السيطرة على السياسة الأميركية.
المسيحيون الصهاينة باختصار هم الأكثر تطرُّفًا في طائفة البروتستانت، ظهروا في انجلترا في القرن السادس عشر وعُرفوا بِ”الطُهريين puritans ” أو المتزمِّتين. يعتقدون بعودة السيد المسيح الى الأرض في فلسطين، وبضرورة تجمُّع اليهود فيها تمهيدًا لهذه العودة؛ تماهوا مع العبرانيين القدامى ومارسوا شعائر يهودية. ومع هجرتهم الى اميركا في أوائل القرن السابع عشر انتقلت أفكارهم معهم، وعند وصولهم الى “نيو إنجلند”، إحدى المستعمرات البريطانية سنة (1630) رأوا فيها “إسرائيل” الجديدة وفيها تقوم أورشليم الجديدة. وبمرور الزمن ازداد عددهم وانتشروا في الولايات المتحدة، ويُقدَّر عددهم الآن بنحو مئة مليون أميركي  يُعَدُّون كتلة انتخابية مؤثرة.
وتطوَّر وضعهم الحركي من حالة إيمانية بمعتقدات خاصة، الى حركة سياسية تدفع شخصيات سياسية الى تبنِّي معتقداتهم. ويبدو أنهم الآن ينتقلون الى حالة الفعل المباشر الذي يهيِّئُ الأوضاع لمجيء السيد المسيح؛ فلقد تحولَّت معنقداتهم الى “دوغما”، ودعوتهم الى تحريض وعدوان. ويتجلى ذلك في ما يتخذه ترامب وأعوانه من إجراءات عدائية في القدس وفلسطين والمنطقة بأكملها. وقد قال ترامب وهو يعلن عن اتفاق التطبيع بين الإمارات و”إسرائيل” إنَّ المسيحية أدَّت دورًا كبيرًا جدًا في المفاوضات الشاملة. هو الآن يضرب بسيفها لإزالة “العقبات”، من أمام نزول المسيح، الماثلة في الفلسطينيين الموجودين على الأرض، وفي المتعاطفين معهم وخصوصًا ما يُعرف بمحور المقاومة.
وقد أحاط ترامب نفسه بمجموعة من الصهاينة الذين يبدون أشبه بقُوَّاد الحملات الصليبية، بل يزيدون عليه بالتعصب والكراهية لأنهم يتحركون بدوافع عقائدية وليس المصالح الخاصة وحدها. ويشنُّ ترامب مع هؤلاء حملة مسعورة على إيران ويفرض عليها عقوباتٍ وحصارًا لخنقها حتى الموت، ويلاحق حزبَ الله وأنصاره في أي مكان وجدوا فيه على امتداد الساحة الدولية بأساليب وذرائع مثيرة للسخرية. فلا إيران ولا حزب الله أو سورية يهددون أمن أميركا أو يشكلون خطرًا على مصالحها؛ ولكنهم لا يُخفون تأييدهم للشعب الفلسطيني في نضاله من أجل استرجاع حقوقه، ومواجهة الاعتداءات الصهيونية وتعديَّاتها على الفلسطينيين وأملاكهم. ومن الواضح أنَّ هذا الموقف الإنساني يستفز مشاعر المسيحيين الصهاينة الذين يرون في “إسرائيل” كيانًا مقدسًا لا يُمَس. لا شيء غير هذا يمكن أن يفسر هذا القدر من الحقد الأميركي على الفلسطينيين ومحور المقاومة، وتسخير القدرات الأميركية لشن الاعتداءات المباشرة عليهم.
من أعوان ترامب هؤلاء على سبيل المثال:

  • مايك بنس؛ نائب الرئيس ترامب، مسيحي صهيوني، يصفه الإنجيليون بأنه نبيٌّ يعمل على جعل تيَّارهم يتبوأ الصدارة في السياسة الأميركية. زار بنس “إسرائيل” سنة (2018) وخاطبهم بوصفهم اليهود أهل الكتاب وأصل الدين، والشعب الذي عاد الى أرضه التاريخية، وقال: “نحن نشارككم في قضيتكم وقيمكم، والإرهاب الإسلامي يستهدفنا معًا”.
  • ديفيد فريدمان؛ سفير أميركا في “إسرائيل”، يهودي صهيوني، يوصف بالمستوطن التوراتي، ويستعجل عمليات الاستيطان وتهويد الأراضي الفلسطينية، وينتقد السلطات (الإسرائيلية) لبطئها في تنفيذ هذه العمليات.
  • مايك بومبيو؛ وير الخارجية الأميركي، مسيحي صهيوني، قال في مقابلة مع شبكة البث المسيحية في أميركا في آذار/ مارس 2019 “إنه بصفته مسيحيًا يعتقد بإمكانية أن يكون الله قد بعث ترامب لإنقاذ اليهود”.لا يتوقف عن الانتقال من بلد الى آخر ليضغط على الدول العربية كي تطبِّع علاقاتها مع “إسرائيل”وتتحالف معها ضد إيران ومحور المقاومة وتنسى القضية الفلسطينية. وفي بلدان أخرى يُحرِّض على إيران وحزب الله ويصفهما بالإرهاب، ويدعو الى دعم “إسرائيل” وتعزيز مكانتها في الشرق الأوسط الذي سيزدهر بقدر احتضانه “إسرائيل”.
هذه نماذج من الشخصيات التي تُمسك بالإدارة الأميركية،وتركز سياستها في المنطقة العربية على ضمان أمن “إسرائيل” وفرض سيادتها على المنطقة.
لسنا من الراغبين في الحديث في الشأن الديني أو إضفاء الطابع الديني على الصراع مع الصهيونية. فالصهيونية نشأت مشروعًا سياسيًّا مرتبطًا بالاستعمار الغربي بهدف إنشاء كيان غريب في قلب الأمة العربية لإبقائها تحت السيطرة الغربية.
لكن الحقيقة التي فرضت نفسها هي أنَّ معتقدات أُسطورية أُلبست لباس الدين باسم المسيحية الصهيونية، وأُدخلت في صميم السياسة الأميركية، تؤمن بها شخصيات نافذة في الإدارة والسياسة، تطوَّعوا للمحاربة في سبيلها، ووجهوا أسلحتهم علينا نحن أعداءَ “إسرائيل”.
وبدون هذه الحقيقة لا يكتمل الفهم الموضوعي للسياسة الأميركية تجاه منطقتنا، ولما ترتكبه أميركا من اعتداءات وحماقات بحق فلسطين والفلسطينيين ومحور المقاومة. وهو ما يفرض في المقابل على هذا المحور الاستعداد بما يتوازى مع هذه الهجمة الثقيلة.
كاتب فلسطيني