الأرشيفوقفة عز

ترامب وفنزويلا: حين يتكلم الانقلاب والارهاب باسم “الديمقراطية”

نضال حمد

عندما خسر دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية أمام جو بايدن، لم يعترف بالنتائج، وحاول الانقلاب عليها علنًا. شهد العالم اشتباكات، عصياناً، واقتحاماً غير مسبوق للكونغرس الأمريكي نفسه على يد أنصاره. ومع ذلك، لم تُصنَّف الولايات المتحدة حينها دولة “فاقدة للشرعية”، ولم تُفرض عليها عقوبات، ولم يُطرح “بديل رئاسي” من الخارج. هنا بالضبط تتجلى ازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي.

ترامب قائد الانقلاب آنذاك ليس مجرد رئيس سابق، بل نموذج لرئيس منفلت، يتصرف كوحشٍ ضارٍ مفترس، يريد فرض من يشاء في أي بلد، والسيطرة على ثروات العالم لحسابه وحساب جماعته وشركاته. وهو يفعل ذلك حتى بممارسة البلطجة والتشبيح والارهاب باسم “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”، بينما يسجل تاريخه السياسي نقيض هذين المفهومين تماماً. فهو عدو للسلام وللديمقراطية ولحقوق الانسان.

في فنزويلا، الشعب منقسم، نعم، طول عمره منقسم بين مؤيد ومعارض لشافيز ومن بعده لمادورو. لكن اختزال كل الشرور في مادورو وسلطته، ونزع الشرعية عنه، والتشكيك التلقائي بنتائج الانتخابات، ليس قراءة موضوعية، بل تبنٍّ كامل للرواية الأمريكية. والأخطر أن البدائل المطروحة ليست بالضرورة أفضل، بل في بعض الحالات أسوأ بكثير: شخصيات مرتبطة بواشنطن، صهيونية الهوى، ترامبويّة التوجه، جرى تلميعها دولياً، حتى عبر جوائز “سلام” عالمية، تمهيدا لاستخدامها أدوات في مشروع الهيمنة الأمريكية.

قد لا يكون مادورو وجماعته الأفضل، لكنهم بالتأكيد ليسوا الأسوأ. ففنزويلا تعرّضت لهجوم متعدد الأشكال: حصار اقتصادي، محاولات انقلاب، اختطاف سياسي، وتلفيق تُهم باطلة لرئيسها، فقط لأن البلد يمتلك ثروات هائلة من النفط والذهب والمعادن، فضلًا عن موقعه الاستراتيجي. وما يدفعه مادورو هو ثمن موقف سياسي واضح ضد السياسات الأمريكية الإمبريالية الرأسمالية التوسعية العدوانية، وضد الاحتلال والجرائم الsahيونية في فلسطين المحتلة وفي العالم العربي.

أما الرهان على روسيا أو الصين كحلفاء مبدئيين، فهو رهان خاسر. هذه قوى تتحرك بمنطق المصالح لا المبادئ، وقد شاهدنا ذلك وعشناه في العراق وليبيا وسوريا، ويتكرر اليوم في فنزويلا. ما يجري ليس تحالفات، بل “بيزنس” سياسي بين قوى عظمى، تُباع فيه الدول والشعوب على طاولات المساومة.

ما هو أخطر أن هذا النموذج قد يتكرر في أي مكان. غداً قد نرى رئيس دولة أخرى مختطفاً، معتقلاً، تُفبرك له قضايا، وتُجرى محاكمته في دولة مارقة، تحت شعارات القانون الدولي، الذي يُنتهك يومياً من نفس الأطراف التي تدّعي حمايته.

لا يمكن لمجرم حرب أن ينشر العدالة، لا في فنزويلا ولا في أي مكان في العالم. الشخص نفسه الذي أراد السيطرة على قطاع غزة، وتهجير سكانه، وتحويله إلى “ريفييرا”، وسرقة ثرواته من الغاز، هو نفسه الذي ابتز دول النفط العربية، وفرض عليها دفع الجزية بمليارات وتريليونات الدولارات. وهو نفسه الذي يطمح للسيطرة على غرينلاند الدنمركية، ويطمع بأراضٍ في كندا والمكسيك، ويهدد كولومبيا، ويحتضن نتنياهو ومجرمي الحرب “الإسرائيليين”، ويمول ويسلح “إسرائيل” لتستمر في الإبادة والعدوان على المشرق العربي، ضارباً بالقانون الدولي وبالأمم المتحدة عرض الحائط.

في الختام، شعوب أمريكا اللاتينية، كما الشعب الفلسطيني، شعوب مقاومة، لا تقبل العيش تحت الاحتلال أو الإرهاب أو الإذلال. وهي تدرك، من تجربة تاريخية طويلة، أن الإدارات الأمريكية كانت ولا تزال إدارات معادية، منذ إبادة السكان الأصليين في تلك القارة وحتى يومنا هذا.

٤ يناير ٢٠٢٦

موقع الصفصاف – وقفة عز

نضال حمد