تمام الزهوة من الصفصاف الفلسطينية الى مقبرة صيدا اللبنانية – نضال حمد

تمام الزهوة من الصفصاف الفلسطينية الى مقبرة صيدا اللبنانية – نضال حمد

سأحدثكم هذا اليوم عن هذه المرأة التي كانت تحمل اسم “تمام حمد” وهي إبنة عم والدي رحمهم الله.

ولدت حوالي سنة ١٩٢٠ في بلدة الصفصاف، قضاء صفد، بالجليل الفلسطيني الأعلى المحتل. عاشت طفولتها وصباها في الصفصاف، حيث كانت تلهو وتلعب مع قريناتها من بنات البلدة في الحقول والسهول، بين أشجار الزيتون والتين وشتائل التبغ وسنابل القمح.

كانت تأكل من ثمار الأرض المباركة التي عاش فيها وعليها أهلها وشعبها منذ آلاف السنين. كما كانت تشرب من مياه نبع ماء قديم عمره آلاف السنين وأقدم وأكبر سناً من مؤسس الحركة الاستعمارية الصهيونية أرثور هرتسل ومن كل قادة ومجرمي وسياسيي وجنرالات ومستوطني ما يسمى دولة “اسرائيل”.

لم يخطر على بالها في يوم من الأيام ولا في أحلامها أن اليهود الصهاينة سوف يأتون من أوروبا وأمريكا ليحتلوا بلادها فلسطين الكنعانية، العربية، وبلدتها  الجليلية، ولا أنهم سوف يحرقون حقل زرعها ثم يقومون بتدمير بيتها وبقتل أفرادا عديدين من عائلتها… ومن ثم يقومون بإعدام أكثر من مائة شاب ورجل من الصفصاف، من بينهم زوجها وأقاربها. الذين دفنوا كما بقية الضحايا في قبر جماعي، في نبع الماء التاريخي، الذي يعود اكتشافه للعصر الروماني، الذي كان يشرب منه أهالي البلدة ومعهم مشايتهم وزرعهم.

كنت في سنة 2007 بمخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين بلبنان أجريت مقابلة صحافية مصورة مع ابنتها “زهيا حمد” التي كان عمرها يوم المجزرة بالصفصاف تسع سنوات. قالت لي أن أمها السيدة تمام حمد، في فجر يوم 29-10-1948 علمت من جارتها بأن زوجها لازال حياً مع شخص آخر بين الجثث. قالت لها الجارة بأنه رأته وتكلمت معه وأنه يريد ماءا لأنه عطشان.. وأخبرتها بأنه لم يمت في المجزرة وخلال اطلاق اليهود الصهاينة الرصاص على المعتقلين بغية اعدامهم. كما قالت لها بأنه يريد ماءا كي يشرب. قالت لها أمها أن تأخذ بعض الماء وتتسلل وتروي ظمأ والدها. لم تذهب الأم لأنها كانوا سيعدمونها لو اكتشفوا ذلك. في النهاية أرسلت الأم ابنتها زهيا لتتفقد والدها وتشربه قليلاً من الماء. وصلت الطفلة وقدمت الناء لوالدها ولجاره الجريح. سالها والدها عن امها واخواتها وأهله والعائلة والجيران وأهل البلد. قالت له ان امها واخوتها بخير. ولكن البلدة سقطت ولا يوجد فيها اي رجل. فقط بعض العائلات بقيت وكلها محاصرة في بيوتها. تكلمت معه قليلاً وقالت له أن اليهود الصهاينة يحرسون الطريق في الخارج. لكن عندما يذهبون سوف يأتي من ينقذه هو والجريح الآخر.

لكن عندما خرجت من مكان المجزرة شاهدها حارسان يهوديان مسلحان فنهراها وسألاها ماذا كانت تفعل في الداخل وإن كان هناك من لازال حياً. ارتبكت الطفلة ولكنهم دخلوا المكان ووجدوا والدها والشاب وكلاهما كانا جريحين. قام الجنديان اليهوديان على مرأى من الطفلة زهيا بالاجهاز عليهما وبتفريغ وابل من الرصاص في جسديهما.

بالمناسبة فقد نجا من المجزرة تلك ثلاثة أشخاص أصيبوا أيضاً بجراح وتظاهروا أنهم ميتين. أحدهم قدم شهادته عن المجزرة على مدار سنوات حياته فيما بعد. قال في شهادته لوكالات أنباء وصاحفةعديدة ولي شخصياً كذلك: ” أنه عندما كان جريحاً بين قتلى وضحايا المجزرة وكان يتقن اللغة العبرية، سمع المسلحون اليهود الصهاينة وهم يقولون لبعضهم فتشوا عن الجرحى والأحياء واقتلوهم… ولا تدعوا أحداً منهم على قيد الحياة”. أما هو فتظاهر بأنه ميت وكانت الدماء تغطي جسده، دماؤه هو ودماء الضحايا الآخرين. لقد كان محظوظاً لأنه لم يمت واستطاعت عائلته تهريبه الى لبنان حيث عاش مع اعاقة بيده وساقه، بقيت تلازمه حتى وفاته قبل سنوات قليلة. كل مخيم عين الحلوة يعرفه ويعرف قصته واسمه أبو كامل يونس.

في  يوم ٢٨-١٠-١٩٤٨ هاجمت العصابات اليهودية الصهيونية المسلحة، التي تدربت في اوروبا، وأرسلت الى فلسطين الانتدابية بمساعدة بريطانيا وغيرها من دول أوروبا الغربية والشرقية. هاجمت العصابات الارهابية اليهودية بلدة الصفصاف بالطائرات والمدرعات والمدفعية. كان سكان الصفصاف الفلسطينيون من الفلاحين والمزارعين البسطاء ولم يكن لديهم سلاحاً ثقيلا ولا مدفعية ومدرعات وطائرات ولا مقاتلين مدربين على السلاح والحرب. بالرغم من ذلك دافعوا عن بلدتهم وصمدوا حتى الرمق الأخير.

فجر يوم ٢٩-١٠-١٩٤٨ استطاعت العصابات الارهابية الصهيونية من عصابة الهاغاناه، التابعة للارهابي الصهيوني بنغريون، دخول بلدة الصفصاف، التي فرغت من المدافعين عنها ومن الذخيرة. قام المسلحون اليهود الصهاينة بدخول البيوت وبجمع من تبقى من شباب ورجال الصفصاف، اقتادوهم الى بهو بيت كبير وهناك أعدموهم جميعاً رمياً بالرصاص، بلغ عدد الضحايا أكثر من 100 ضحية مدنية بريئة.

فعلوا تماما ما كان يفعل النازيون خلال الحرب العالمية الثانية. لأنها نفس المدرسة الارهابية والعقلية الاجرامية الاستعمارية العنصرية التي نجدها أيضاً في العقيدة النازية شقيقة عقيدة الحركة الصهيونية. إذ لا فرق كبير بينهما في الاجرام والمجازر والابادة والتصفية العرقية. الفرق الوحيد بين الحركتين الارهابيتين يكمن في أن ارهاب الصهاينة لايزال مستمراً منذ ٧٣ عاماً بينما العالم الذي هزم وحاكم النازيين، يواصل غض النظر عن ارهاب الصهاينة… وأكثر من ذلك في أوقات كثيرة عبر عن دعمهم وتفهمهم وقام بتبرير جرائمهم.

لا أحد في أوروبا والعالم إستمع أو يود الاستماع لصراخ الضحايا الفلسطينيين فدور الضحية مخصص للصهاينة “الاسرائيليين”. حتى أننا نجد ذلك التمييز الواضح في القوانين الأوروبية والغربية وفي افلام هوليود وفي السينما الأوروبية والأمريكية. كما أنه على ما يبدو ممنوع على غير “الصهاينة” من الناس في العالم أن يظهروا في وسائل الاعلام كضحايا. كما ممنوع ذلك بالذات على الفلسطينيين والعرب، مع أنهم ضحايا الارهاب “الاسرائيلي” الصهيوني المستمر منذ سنة 1948.

هل هناك محطة تلفاز أو اذاعة أو جريدة اوروبية وغربية توافق على نشر وتقديم حكاية مجزرة الصفصاف؟.

هل يمكن لتلك الوسائل الاعلامية الحديث عن الارهاب الصهيوني في بقية قرى وبلدات فلسطين المحتلة؟

وعن المجازر التي ارتكبتها العصابات اليهودية الصهيونية وهي بالتأكيد مجازر مروعة. حيث قامت بالتصفية والتطهير العرقي ولازالت حتى يومنا هذا تفعل ذلك.

تصوروا أنه حتى “اليهودي” أو “الاسرائيلي” الذي يكشف عن جرائم “اسرائيل” والصهاينة تتم معاقبته وملاحقتهم وعزلهم وحصارهم وتشويه سمعتهم عالمياً ومحلياً وإقليمياً وإعلامياً.

تمام حمد التي فقدت زوجها وفيما بعد أحفادها في النضال لأجل العودة الى الصفصاف وتحرير فلسطين. وبعد أن عاشت لاجئة في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في لبنان. حيث عاشت منذ اعدام زوجها ومنذ النكبة لاجئة وأرملة بلا معين. عاشت مع أطفالها الذين ربتهم وعلمتهم فتزوجوا وأنجبوا الأبناء والبنات، ثم استشهد عددا من احفادها في معارك تحرير فلسطين.

تلك المرأة ماتت في المخيم لاجئة وهي تحلم بالعودة الى منزلها في الصفصاف. لكن المنزل دمره اليهود الصهيانة وسرقت محتوياته عائلات يهودية صهيونية جاءت من أوروبا خصيصاً بغية استعمار واحتلال فلسطين العربية. لايزال الصهاينة حتى هذه اللحظة يقيمون على أرض الصفصاف وكل فلسطين المحتلة. بينما تمام حمد ومئات آلاف مثلها من الذين تم طردهم من بيوتهم في فلسطين، أصبحت وغدت وصارت عظامهم-ن رميم في قبور ومقابر غريبة بعيدة عن قبور أجدادهم-ن في الصفصاف وفي كل فلسطين العربية المحتلة.

نضال حمد

24-10-2021