ثالث وآخر أيام مجزرة صبرا وشاتيلا – نضال حمد

18-9-1982:

في مثل هذا اليوم الذي لا أذكر منه أي شيء، فقد كنت فاقداً للوعي في مستشفى غزة بمخيم شاتيلا بعد عملية انقاذ الحياة التي أجرتها لي الدكتورة البريطانية من أصول آسيوية، سوي شاي إنغ. وكانت تساعدها في المستشفى الأخت الممرضة الفلسطينية دنيا الكيّ. فجر السبت استباح الفاشيون القتلة عملاء “اسرائيل” المستشفى فطردوا الأجانب وقتلوا بعض الأطباء والممرضات والمرضى والجرحى، الذين كانوا فيه في ذلك اليوم.

لحسن حظي فإن متطوعات أجنبيات من النرويج والسويد والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وربما أيضاً من سويسرا وبلجيكا

 ساهمن في نقلي مع جريح آخر وكنا من أخطر الحالاات الجريحة بمستشفى غزة،

الذي كان يفتقر لكل شيء تقريباً، الدواء والماء والكهرباء والأطباء الخ…

 ساهمن في نقلنا من هناك عبر الصليب الأحمر الدولي الى مستشفى اللاهوت الميداني في قرب شارع الحمراء ومستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت.

في المستشفى الميداني الذي أقامه الهلال الأحمر الفلسطيني خلال حصار جيش الغزو الاسرائيلي للشطر الغربي من العاصمة اللبنانية بيروت، والذي استمر نحو 90 يوماً، كان يعمل عدد كبير من الأطباء والممرضون الفلسطينيين والعرب والأجانب، منهم من النرويج والسويد مثل الدكتور مادس غلبرت وليف توماسين وغيرهم نسيت الآن أسماءهم. كما كان يتواجد في بيروت مراسل التلفزيون النرويجي الصديق أود كاشتن تفيات ومان أول صخافي غربي يدخل المخيمين فور انتهاء المجزرة..

في هذا المستشفى الميداني لم يكن هناك أي شيء تقريباً لا وجود للأطباء والماء والدواء. في ذلك الوقت تدهورت حالتي الصحية وأصبت بغارغارينا جعلت مصيري وحياتي تحت خطر شديد، على إثر ذلك قمن المتطوعات الأجنبيات اللواتي ذكرتهن أعلاه

بنقلي الى مستشفى الجامعة الأمريكية المجاور وذلك لانقاذ حياتي من موتٍ محتمٍ في حال بقيت في مشفى اللاهوت الميداني.

على فكرة كان يعمل في مشفى اللاهوت ممرض من بلدتي الصفصاف ومن مخيمي عين الحلوة، هو السيد طلال فرهود، الذي ربما يعرف أكثر مني عن حالتي في تلك الأيام العصيبة، فأنا غالباً ما كنت فاقداً للوعي خلال الأيام القليلة التي قضيتها هناك. لم يحدث أن تحدثت مع طلال عن ذلك لأنني لم ألتقِ به من ذلك الوقت. قبل فترة زمنية التقينا من جديد في الفيسبوك..

أذكر أن العم الراحل جميل الزين – أبو اسماعيل حمد – الذي نجا مع عائلته من المذبحة في المخيمين، بحث عني وعثر علي في المشفى المذكور، وعند قيامه بزيارتي لحسن الحظ صحوت من غيبوبتي للحظات وتحدث معي لهنيهات، سألني ماذا أريد فأجبته أريد تفاحاً… (غريب طلبي فأنا لا أحب التفاح) هذا الأمر لم أكن أذكره لكن العم ابو اساعيل هو ذكرني بها فيما بعد.

فيما يخص العم الراحل أبو اسماعيل حمد وزوجته عمتي الراحلة أم اسماعيل حمد وأولادهم من أحمد الى أخواته نهاد ونيرمان وناديا وناهدة وفاطمة، فقد ساعدونني أنا والصديقين خالد ووائل. قدموا لنا غرفة في بيتهم الصغير، أقمنا فيها لشهور عديدة. ثم فيما بعد احتضنوا مجموعة أخرى من شباب مخيمنا عين الحلوة الذين وصلوا الى مخيم شاتيلا هرباً من الاحتلال “الاسرائيلي”.

لقد كانوا خير مثال للعائلة الفلسطينية المتضامنة.. فتلك العائلة العظيمة ساعدت أيضاً  بعض أصدقائي من الفدائيين العرب (من العراق وسوريا) الذين كانوا يقاتلون مع الفلسطينيين ضد الاحتلال الصهيوني.  أولائك الأصدقاء الذين تقطعت بهم السبل بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، ثم حدوث المجزرة وسقوط الشطر الغربي من العاصمة تحت الاحتلال الصهيوني ومن ثم حكم الفاشيين الانعزاليين اللبنانيين عملاء “اسرائيل”.

في مستشفى الجامعة الأمريكية كانت رائحة ساقي المبتورة من تحت الركبة والتي أصيبت بالغارغارينا بسبب نقص المواد الكبية في مستشفيي غزة واللاهوت، كانت ريحة نتنة ولا تطاق، هكذا خبرني أصدقائي الجرحى في المستشفى فيما بعد. كانوا يضحكون ويقولون كانت “الرائحة القوية والنتنة” تصل الى المصعد وهو الذي كان يوجد في مكان بعيد عن غرفتي.

هناك أجريت لي عمليات عديدة تم خلالها استئصال ما تبقى من ساقي ليصبح البتر شاملاً ولم يتبقى أي شيء يذكر من ساقي اليسرى.

كنت أمزح مع أصحابي وأقول لهم استهدفوا رجلي العقائدية.. لأنني كنت أنتمي لتنظيم فلسطيني يساري..  بتروا ساقي اليسارية  لكنهم لم يبتروا انتمائي لفلسطين وللمقاومة…

في مستشفى الجامعة الأمريكية ألتقيت من جديد برفيقي الدرب والطفولة خالد ووائل الذين فقدتهما يوم اصابتي.  علمت منهما أن صديقين آخرين لي هما عبد القادر وجمال قد اعتقلهما الجنود الصهاينة في نفس وقت إصابتي بجراح وهكذا تحولا الى أسيرين لدى الاحتلال.

كان خالد ينام في الغرفة بالمستشفى ويقوم بمساعدتي وبنفس الوقت يتخفى ويبتعد عن  الفاشيين الذين بمساعدة جيش الاحتلال الاسرائيلي كانوا يلاحقون الفلسطينيين.

هناك أيضاً ساعدنني بنات عمي أبو اسماعيل حمد، بالإضافة لشقيقهم أحمد.

هناك أيضاً زارني بشجاعة نادرة الصديق علي عزيز – أبو باسل – من قادة جبهة التحرير الفلسطينية-  الذي كان يعيش متخفياً  بعد احتلال بيروت الغربية. كما كان بنفس الوقت مطلوباً للمخابرات والجيش الطائفي الانعزالي التابع للحكم الفاشي آنذاك. والحديث عن الذين زاروني يطول وفيه أسماء كثيرة لا بد ذكرها وعدم نسيانها، ربما سأذكرها في المستقبل.

اقامتي في مستشفى الجامعة الأمريكية استمرت شهوراً عديدة ثم شهوراً أخرى في مخيم شاتيلا الذي كان لازال جريحاً وينزف بشدة بعد المجزرة،، بقيت هناك لغاية سفري الى ايطاليا للعلاج. ربما ستكون رواية عظيمة لو تمت كتابتها… ويا ريت يوماً ما أقدر أن أكتبها. في ختام هذه الشهادة لا أذكر هل قلت لأخي وصديقي خالد – أبو وليد- شكراً على كل ما فعله لأجلي في ذلك الوقت.. على كل حال أقولها له الآن: شكراً أخي خالد فقد كنت نعم الأخ والصديق. أما صديقي وأخي وائل الخطيب فلن استطيع شكره لأنه توفي فيما بعد

Chatila camp Jamil alzejn

نضال حمد

١٨-٩-٢٠٢٢