جداتنا وأمهاتنا حالات لا يمكن أن تتكرر – نضال حمد

بإمكان كل واحد منا في هذه المجموعة أو بإمكاننا كلنا في هذه المجموعة ونحن لا بد نتذكر أمهاتنا وجداتنا وخالاتنا وعماتنا وأخواتنا أن نستحضر شريط الذكريات في المخيم أو في المخيمات من الألف الى الياء… أن نتذكر ونستحضر بالذات كيف كن هؤلاء النسوة العظيمات يقومن بتربيتنا والسهر على راحتنا وصحتنا وحمايتنا وتعليمنا ورعايتنا بأفضل ما يكون، وذلك في ظروف قاهرة وصعبة ومعقدة سواء معيشية أو أمنية، كما كانت ظروف أهل المخيمات في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الفائت.

نحن وأمي

برأيي المتواضع فإن كل أم من أمهاتنا هي مدرسة، حالة لا تتكرر، نعم كل أم منهن كانت مدرسة في التربية والرعاية والحب والحنان واحتضان فورتنا الثورية والوطنية بعد فورتنا العلمية والمدرسية. كل أم من أمهات اللاجئين الفلسطينيين في مخيم عين الحلوة وفي كل المخيمات الفلسطينية هي حالة انسانية عظيمة لا يمكن أن تتكرر بسهولة في هذا الزمن المقلوب المفاهيم. أمهاتنا راياتنا والوجوه الأجمل التي نعتبرها قدوتنا ونتمثل ونعتز بها…..

حمد أم ايمن

على كل شخص من مخيماتنا أن يستحضر ذكرياته وطفولته وبداية صباه وشبابه مع أمه وعائلته وبيته وحارته. لا بد عند العودة الى تلك الأزمنة الغابرة أن يجد كل واحد منا أشياء عظيمة تركنها فينا أو قمن بعملها بصمت، كانت تلك الأشياء بالرغم من عظمتها تمر مرور الكرام، وبالرغم من عظمتها ومرورها مرور الكرام فلم تكن لتمت لأن كثيراً منها علق في ذاكرتنا واستقر معنا في حياتنا.

الحاجة نعمة حمد

أذكركم-ن مثلاً، كيف كانت الأم تقوم برعاية من خمسة الى خمسة عشر طفلاً هو أولادها في وقت واحد وفي بيت صغير مثل قن الدجاج أو عش الطيور والعصافير، تقوم بغسلهم وتنشيفهم وترتيبهم وتمشيط شعرهم وإلباسهم واطعامهم واعدادهم للمدارس أو لزيارة بعض الأقارب في عين الحلوة أو في مخيم المية مية أو في صيدا… وأحيانا في مخيمات صور أو بيروت. بعضهن كن يقمن برعاية ذويهن أو ذوي أزواجهن الكبار في السن والمرضى والمقعدين والعجزة…هذا إضافة الى الأطفال والى عمل المنزل وطهيّ الطعام وتحضيره يومياً، كذلك كان على كل واحدة منهن أن تقوم بعجن وخبز عشرات وربما مئات الأرغفة كل ثلاثة أيام تقريباً. وكان لا يخلو الأمر من وجود طفل معاق في البيت وهذا الطفل كان يتطلب جهداً مضاعفاً ورعاية خاصة من قبل الأم. فهي وهو وبقية أهل البيت كانوا يعيشون في المخيم وليس في اسكندنافيا حيث الضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية والدولة، المسؤلون عن تأمين العلاج والطبابة وحياة انسانية كريمة للمعوقين ولعائلاتهم.

كل واحد منا عليه أن يتوقف قليلا أمام المرآة وينظر الى تجاعيد وجهه وشعره الأبيض الشائب ويتذكر وجه أمه وطفولته في مخيماتنا الفلسطينية في لبنان والشتات. عليه أن يقف قليلاً ويفكر بطفولته، بحايته، كيف كانت تحت سقف الزينكو والدلفة ومطر الشتاء… وكيف كانت الأم تقفز من هنا الى هناك داخل الغرفة أو الغرفتين لتضع سطل أو طنجرة تحت الدلفة التي كانت تتسرب منها أمطار الشتاء .. تذكروا الزينكو والدلفة وتذكروا الخيمة وبيوت القش وبيوت الطين… ثم البيوت التي أصبحت من الإسمنت جدراناً وسقفاً وسطحاً ومصطبة… وتذكروا مياه الشتاء التي تطوف وتتحول الى جارفة في حارات وزواريب المخيم..

علياء أحمد حمد أم أحمد خليل

تذكروا وتذكرن كيف كانت الأم عند زيارة الأقارب تجر خلفها سرية من الأولاد وتمشي بين الزواريب حيث تبدأ زياراتها للأقارب والجيران والمعارف سواء في المخيم أو خارجه .. كنا نسعد كثيراً بتلك الزيارات فرغم الفقر والقهر والحياة الصعبة للناس عامة وللأقارب الذين نقوم بزيارتهم، لكننا كنا نحصل على هدايا وسكاكر وملبس وقضامة وفستق وسكر نبات وأشياء أخرى.. كنا نحصل عليها من الجدات والعمات والخالات فيما غالباً ما كان الأجداد والأعمام والأخوال يحاولون منحنا بضعة قروش، كانت تنشر السعادة في قلوبنا وعلى وجوهنا، فنسرع بها الى أقرب دكانة بالمكان ونشتري ما تيسر من السكاكر أو البوظة أو البزر والخ.

ام غازي حمد

أجمل ما أذكره من تلك الأيام، العرائش في الدار، الحطة والعقال والقمباز واللباس التقليدي الشعبي الفلسطيني لختايرية المخيم والعائلة والبلدة.. وكذلك داليات العنب وأشجار التوت والتين والعصافير والحواكير المزروعة بالخضروات والفاكهة، وسجائر “الهيشة” أي التبغ العربي، وكانت بعض النسوة أيضاً يدخن السجائر العربية مثل الرجال، لأنهن من عائلات فلاحين كن في الجليل وفلسطين مزارعي ومزارعات تبغ .. وأذكر بمحبة كذلك القعدة وسط الدار تحت العريشة، القعدة العربية على الأفرشة والحصيرة ولهونا معاً نحن والأطفال من أقاربنا وجيراننا ومعارفنا.

بحر العيد – نضال سنة 1975

الله يرحمهن أمهاتنا ويرحمهم ختايريتنا ويرحم تلك الأيام والأزمان… فلم يبق لنا إلا الذكريات قبل أن نلحق بهم الى العالم الآخر، لذا علينا أن نحب ونقدر ونحترم بعضنا البعض لنكون عبرة لأولادنا ولأطفالنا كما كان أهالينا عبرة لنا في طفولتنا.

نضال حمد

15-11-2022