جديدُ جوزيف كحَّالة لدى دار نعمان للثَّقافة: العلاَّمَة المتروبوليت ناوفيطوس إدلبي

صدر مؤخَّرًا عن دار نعمان للثَّقافة بجونية (لبنان)، كتابٌ نفيسٌ بعُنوان “المتروبوليت ناوفيطوس إدلبي” (1920-1995)، للأديب والباحث جوزيف إلياس كحَّالة الحلبيِّ المَولِد، والباريسيِّ الإقامة، يؤرِّخ فيه حياةَ علاَّمَةٍ فذٍّ هو المتروبوليت ناوفيطوس إدلبي، ويدرسُ أعمالَه. والحَبرُ الرَّاحِلُ من مواليد مدينة حلب عام 1920، وتوفِّي فيها عام 1995. وجاء في كلمة الإهداء الى الناشئة الكهنوتيّة المعقود عليها الأمل في بعث الحياة الروحيَّة في الكنيسة، إلى كلِّ مفكِّرٍ آمَنَ بالفكر والتاريخ، إلى روح علاّمة عصره المتروبوليت ناوفيطوس إدلبي، في الذكرى المئويَّة الأولى لولادته، والخامسة والعشرين لوفاته.

يقع الكتاب في 304 صفحات، ورَسمُ غلافه للفنَّانة التَّشكيليَّة السَّيِّدة جِهان أسود. وقد زيّنه المؤلِّف بالوثائق والصور الهامة، بالإضافة الى الحواشي الكثيرة، التي جاءت جميعها لتزيد من أهميَّة الكتاب. كما أنه قام بتحقيق بعضٍ من مقالات الإدلبيِّ التي كان الأخيرُ قد نشرها في الأربعينات والسبعينات من القرن المُنصرم.

***

بعد كلمة الإهداء، صدّر المؤلِّف شهادات حياة بأقلام كتَّاب عاصروا الإدلبي، وهم المِمتروبوليت ميخائيل أبرَص، والشاعر رياض حلاَّق، والأديب والباحث عبدالله نعمان، والأديب والناشط الثقافي ناجي نعمان (الصَّفحات 9-22). أمَّا في التَّمهيد (الصَّفحات 25-32)، فيعرضُ علينا المؤلِّف بعضًا من ذكرياته مع المِتروبوليت إدلبي، وقد عاصره وعرفه عن قرب. وقدِ اتَّبَع المؤلِّف منهجيَّة علميَّة دقيقة في تقصِّي المعلومات وبرمجتها وتبويبها، مبتدِئًا بتعريفنا بالمِتروبوليت ناوفيطوس إدلبي، لجهة حياته وأعماله وآثاره الفكريَّة والأكاديميَّة اللاَّفتة.

وقدّم لنا الباحث جوزيف الياس كحَّالة، في مؤلَّفه هذا، رحلةً في حياة الإدلبي. فهو يضع بين أيدينا نتاجًا جديدًا، مُنطلقًا بنا من عنوانٍ إلى آخر، كالطير المتنقِّل من غصنٍ الى غصن، في رحلة طويلة، وينقلُنا من التمهيد الى مقدِّمات عامةٍ حول تاريخ الأساقفة الملكيِّين الذين أقاموا في مدينة حلب من غابر العصور إلى يومنا هذا. بعد ذلك يعرِّفنا بالإدلبي التلميذ، الراهب الباسيليِّ الحلبي، ثمَّ الأسقف. ومن ثَمَّ نصلُ إلى المَجمع الفاتيكانيِّ الثاني، والدور الهام الذي مثَّلَه المِتروبوليت ناوفيطوس إدلبي، في تحضير التقارير والدروس القانونيّة المختلفة للجنة المركزية وللجنة الكنائس الشرقيَّة، وكيف سنحَت له الفرصة للتكلُّم من على منصة المَجمع، بضع مرَّات، فتناول في أحاديثه مواضيع طقسيَّة كالاشتراك في التقديس والمناولة تحت الشكلَين، كذلك في عديد من المواضيع اللاهوتيَّة والقانونيَّة. وينوِّه الباحث كحَّالة بأنَّ ناوفيطوس إدلبي كان ذا مواهب جمَّة ويتمتَّع بخصالٍ حميدةٍ قلَّ أن تجتمعَ في شخصٍ واحد، ولا سيَّما لجهة الذّكاء والحكمة. وجمع في شخصه دماثةَ الأخلاق، والذوق المُرهف، والعطاء.

***

 

 

المِتروپوليت ناوفيطوس إدلبي يومَ وصوله إلى مدينة حلب في العام 1969

وإلى يمينه المِتروپوليت نِقولاَّوُس نعمان

 

وينقلُنا جوزيف الياس كحَّالة، بعد ذلك، إلى عهد أسقفيَّة ناوفيطوس إدلبي على كنيسة الروم الملكيِّين الكاثوليك في مدينة حلب؛ فيعرض علينا، بأسلوبه البسيط غير المعقَّد، وقائعَ يوم وصل إدلبي الى مدينة حلب، وكيف استقبلَته المدينة بأطيافها كافَّة (ص 26).

وقد خدم المِتروبوليت ناوفيطوس إدلبي أبرشيَّة مدينة حلب مدَّةً تجاوزت سبعًا وعشرين سنةً كانت حافلةً بالمشاريع والأعمال الرعويَّة. ولعلَّ أوَّلَ مشاريعه كان تكريسه، في العام 1969، مزارَ كنيسة القديس جاورجيوس. كما قام بترميم بعض الكنائس، وبنى كنيسة القديسة تريزيا. أما من الناحية التربويَّة، فكان الإدلبيُّ يؤمن بأنَّ للتربية دورًا مهمًّا في ارتِقاء الشعوب والأوطان؛ ولذا أعطى اهتمامًا خاصًّا لرعاية شؤون المدارس، ودعم مشاريعها في كلِّ المجالات. كما أنّه اهتمَّ كثيرًا بالتنشئة الكهنوتيَّة لكهنة أبرشيَّة مدينة حلب. وهنا يقدِّم لنا الباحثُ كحَّالة لائحةً بأسماء الكهنة التابعين لأبرشيَّة مدينة حلب، مع لمحة عن حياتهم، وكان المِتروبوليت قد رقَّاهم إلى درجة الكهنوت (الصَّفحات 113-122). ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ المؤلِّف ذكرَ لنا، قبلَ ذلك، لمحةً عن نائِبَي الإدلبيِّ الأسقفيَّين في أبرشيَّة مدينة حلب (الصَّفحات 105-112).

وقد جاءت هذه الفصول، إلى كونِها في سيرةِ المِتروبوليت، سردًا لصفحاتٍ من تاريخ الكنيسة العامّ، وتاريخ كنيسة الروم الملكيِّين الكاثوليك بمدينة حلب. وقد أحكمَها المؤلِّف بلغةٍ أدبيّةٍ سهلة المَنال، مع كثير من الحواشي، ليسهِّل للقارئ فهمَ الأحداث التاريخيَّة ومتابعتها على نحوٍ متسَلسِل، بحيثُ غدا بحثُه المَنشورُ شبهَ موسوعةٍ مصغَّرة، غنيًّا بالحَواشي المفيدة والمُكثَّفة.

***

 

 

 

ويقودُنا الكلام على الكتاب إلى النتاج الفكريِّ للمِتروبوليت ناوفيطوس إدلبي الذي يُعَدُّ واحدًا من أهم الكَتَبَة الملكيِّين في القرن العشرين، فكرًا وأدبًا، وواحدًا من كبار القانونيِّين في الكنيسة الملكيَّة بعد الكردينال أكاكيوس كوسا. ويؤكِّد الباحث كحَّالة في كلامه أنَّه يمكننا اعتبار الإدلبي واحدًا من أهم مفكِّري الكنيسة على مرِّ العصور. وهو ليس كاتبًا وخطيبًا فحسب، بل متعدَّد الفنون في التأليف، وهو محقِّقٌّ ومترجِمٌ وكاتبُ مقالة.

وقد وضع المِتروبوليت ناوفيطوس إدلبي مؤلَّفاتٍ عديدةً تدور في الموضوعات القانونيَّة، الليتورجيا، التاريخ، بالإضافة الى العديد من المقالات نشرَها في عدَّة مجلاَّت عربيَّة وأجنبيَّة. كما أنَّه قام بإصدار سلسلة التراث العربيِّ المسيحيّ، وهي سلسلة صدرت بالتعاون مع الأب سمير خليل اليسوعي. ولا بدَّ لنا من إحالة القارئ إلى صفحات الكتاب للاطِّلاع على مؤلَّفات هذا الحَبر الجليل (الصَّفحات 123-141).

أمَّا عن وطنيَّة المِتروبوليت ناوفيطوس إدلبي، فيلخِّص كحَّالة حبَّ الإدلبيِّ وطنَه بكلمات اعتبرها وصيَّتَه الأخيرة لأبناء الأبرشيَّة: لست أدري كم من الأشهر أو السنين أو الأيّام بقي لي، إنما أستودعكم تلك الرسالة وتلك الخدمة. رسالتي كانت قبل كلِّ شيء في حبّ الوطن… لست أجهل الصعوبات والهموم والمشاكل، لكنَّني أحببت هذا البلد بالرغم من كلِّ شيء. قد لا تكون أمِّي أجملَ النساء، ولا أذكى النساء، لكنَّها أمِّي، الأمُّ لا تُناقَش، والوطنُ أمٌّ ولا يُناقَش.

***

عوَّدنا مؤلِّفُ الكتاب على البحث في بطون الكتب القديمة والحديثة، ليُطلعَنا على سِيَر رجالات الفكر والأدب والمعرفة وأعمالهم. وهو، في ذلك، لا يبخلُ علينا بالكشف عن الكثير من الشخصيَّات والمعلومات التي بدأ الزمن يُبعدُنا عنها. فكأنَّه يريد من ذلك الإبقاءَ عليها حيَّةً في ما بيننا، وكأنَّه يطبِّقُ مَقولةَ: ليكُن ذكرُه مؤبَّدًا.

وبعد أن أخذنا الباحث جوزيف الياس كحَّالة في رحلة طويلة مع المِتروبوليت ناوفيطوس إدلبي، ها هو يقدِّم لنا بعضًا من أهمِّ مقالاته التي كان الأسقفُ الجليلُ قد نشرَها في أربعينات القرن المُنصرم، لمَّا كان كاهنًا يافعًا (الصَّفحات 247-282). وقد أعادَ كحَّالة نشرَ خمسٍ من تلك المقالات، اثنتان منهما نشرَهما الإدلبيُّ زمنَ أسقفيَّته على أبرشيَّة مدينة حلب. ويعتبرُ المؤلِّفُ هاتَين المقالتَين من أهم مقالاتِ الحَبرِ الرَّاحلِ المنشورة (الصَّفحات 155-246). وقد قام الباحث كحّالة بتحقيقها، مع وضع الحواشي. وبدقة الباحث لم يتردد، وبأسلوب علمي دقيق، من تصيح بعض المعلومات التي كان قد أوردها المتروبوليت الراحل، في مقالاته.

بقيَ أن نقولَ إنَّ الباحث جوزيف إلياس كحَّالة، وُلد في مدينة حلب العام 1958. تلقَّى دروسَه في حلب قبلَ أن يُسافرَ إلى إيطاليا حيث درس الفلسفة. ومن إيطاليا انتقل إلى لبنان حيث درس اللاهوت. وفي العام 1984، سافر إلى باريس، مدينة النُّور، حيث تابع دروسه العليا، فتخصَّص في الفلسفة العربيَّة المسيحيَّة في العصر الذهبيِّ للإسلام، التصوُّف الإسلامي و تاريخ الكنيسة الملكيَّة. وله مؤلَّفات عديدة باللغتَين، العربيَّة والفرنسيَّة. وهو يحتلُّ مكانةً رفيعةً بين المؤرِّخين العرب المسيحيِّين في زمننا الحاليّ. تُعرَف عنه سعةُ اطِّلاعه ووفرةُ معلوماته ودقَّةُ ملاحظاته، إلى نقدِه البنَّاء. وهو لا يأتي بمعلومة إلاَّ ويدعمها بالمصادر الموثوق بها. وبحقٍّ، فإنَّ الأبحاثَ التي نشرَها بالعربيَّة والفرنسيَّة، وفي عدَّة مجلاَّت، كالضَّاد، والكلمة، والمسرَّة، تُعَدّ مصادر لا بدَّ لكلِّ باحث من العودة إليها. أمَّا لغتُه فشائقةٌ، وأما أسلوبُه فكالسَّهل الممتنع، إذ يختارُ البساطةَ لإيصال فكرته إلى قلب القارئ، أيًّا كان مستواه الفكريّ.

 

 

الخورأسقف إيلي وردة والباحث الدُّكتور جوزيف الياس كحَّالة

 

باريس في الأوّل من شهر تشرين الأوَّل 2021

الخورأسقف إيلي وردة

راعي طائفة السُّريان الكاثوليك