الأرشيفثقافة وفن

جريمة مروّعة بحق الإنسانية – المطران عطاالله حنا

إن مجرد التفكير في القضاء على حضارة عمرها آلاف السنين إنما هي جريمة مروّعة بحق الإنسانية.

لقد هدّد القابع في البيت الأبيض اليوم باندثار حضارة بأكملها، و نحن نتساءل ويتساءل معنا الكثيرون: بأي حق يريد الرئيس الأمريكي القضاء على حضارة عمرها آلاف السنين، بغضّ النظر عن النظام السياسي الذي يحكمها؟ نستغرب كيف يقوم رئيس دولة عظمى في هذا العالم بإطلاق تصريحات متهوّرة وغير حكيمة، بل وغير مسؤولة. فمن الذي نصّبك قاضيًا على العالم، ومن الذي أعطاك صلاحية أن تقوم باستهداف حضارة عمرها آلاف السنين؟

ولذلك فإننا نجدد دعوتنا بأن تستمر المحاولات والجهود المبذولة من أجل أن تتوقف هذه الحرب، فلا نريد تدميرًا لأي حضارة. فالحروب كلها شرّ مطلق، يدفع فاتورتها المدنيون، ناهيك عن الدمار والخراب الذي تخلّفه.

قبل ألفي عام وأكثر، وعندما وُلد السيد المسيح في بيت لحم، أتى ثلاثة مجوس من بلاد فارس لكي يقدّموا هداياهم للطفل المولود، وهو المخلّص والفادي. أتوا من تلك البلاد البعيدة إلى مغارة بيت لحم، وقدّموا الهدايا باسم الإنسانية كلها لمن وُلد لكي يخلّص البشرية جمعاء. قدّموا له ذهبًا ولبانًا ومرًّا، وهم خاشعون ساجدون أمام هذا النور السماوي الذي بزغ من مغارة الميلاد.

وهذا يعني أن هنالك علاقة روحية وتاريخية تربط أرضنا المقدسة ببلاد فارس، ولا يمكننا أن نكون صامتين أمام التصريحات الغير الحكيمة والغير المسؤولة الصادرة عن الرئيس الأمريكي.

لا يجوز أن يُسمح للقابع في البيت الأبيض بأن يدمّر حضارة عمرها آلاف السنين، فتدمير هذه الحضارة هو خسارة للإنسانية كلها، كما أن استهداف أي حضارة و في أي مكان في هذا العالم انما هو استهداف للإنسانية جمعاء. أنا هنا لا أتحدث عن نظام سياسي، بل أتحدث عن التاريخ والتراث والحضارة و التي وجب الحفاظ عليها، لا استهدافها وتدميرها.

لا أعلم إن كان الرئيس الأمريكي بكامل قواه العقلية عندما أطلق هذا التصريح، كما غيره من التصريحات السابقة المتناقضة والمتهوّرة وغير الحكيمة وغير المسؤولة.

يبدو أن القابع في البيت الأبيض، الذي ادّعى في وقت من الأوقات أنه رجل سلام وأصبح رئيسًا لكي يكرّس السلام في العالم، لكن تصريحاته اليوم لا تشير إلى ذلك، وكذلك دعمه المطلق للاحتلال وسياساته الظالمة بحق شعبنا الفلسطيني.

إن يكون إنسان من هذا النوع وبهذه العقلية المريضة والنرجسية رئيسًا لأقوى دولة في العالم، فهذا يعني أننا أمام كارثة ومصيبة كبرى ومأساة لا يمكن أن نتكهّن كيف ستكون وكيف سوف تتطوّر.

والأخطر من ذلك أن هناك في أمريكا من يدّعون أنهم مسيحيون، وهم يقفون إلى جانب ترامب ويصلّون من أجله ويدعون من أجل نجاحه في الحرب، وهذا يجرّدهم من أي صفة مسيحية. ولو كان هؤلاء مسيحيون حقيقيون، لطالبوا ترامب بأن يوقف حربه، ولطالبوه أيضًا بأن يكون أكثر عدلًا وإنصافًا فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني المظلوم.

لست منخرطًا في أي إطار سياسي، ولست تابعًا لأي جهة سياسية، كما أنني لست محللًا سياسيًا أو عسكريًا، بل أنا خادم لكنيستي التي أفتخر بانتمائي إليها، وانطلاقًا من قيم إيماننا نرفض الحروب بكافة أشكالها وألوانها، فلا توجد هنالك حروب مقدسة، فكل الحروب قذرة وشريرة.

نرفع دعاءنا ونحن في الأسبوع العظيم المقدس من أجل أن تتوقف هذه الحرب، والتي إذا ما استمرت ستحرق نيرانها الكثيرين في منطقتنا وفي عالمنا. نريد قادة يطفئون النيران المشتعلة، لا أن يصبّوا الزيت على النار. نريد قادة حكماء يعملون من أجل السلام وخير الإنسانية كلها، وكافة الشعوب التي يحق لها أن تعيش بأمن وأمان وسلام.

انحيازنا هو للإنسان، وفقط للإنسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله. ونؤمن بأن البشر جميعًا ينتمون إلى أسرة بشرية واحدة خلقها الله، فلا يوجد إنسان يستحق الحياة وآخر يستحق الموت، ولا يوجد إنسان من الدرجة الأولى وآخر من الدرجة العاشرة، فكل إنسان يستحق الحياة، وكل إنسان هو من الدرجة الأولى، لأن الله هو الذي خلقه ووهبه نعمة الحياة.

فلتتوقف الحرب، ولتكن هناك التفاتة نحو الشعب الفلسطيني المظلوم الذي يستحق أن ينعم بالحياة الكريمة، وأن تتحقق أمنياته وتطلعاته وثوابته الوطنية.

ومن قلب مدينتنا المقدسة أقول بأن نزيف منطقتنا هو نزيفنا، وكل قطرة دم بريئة تُسفك في هذا المشرق هي من دمائنا، فكلنا ننتمي إلى أسرة بشرية واحدة خلقها الله.

لا يمكننا أن نتكهّن إلى أين سيوصلنا تهوّر القابع في البيت الأبيض، الذي يبدو أنه يعتقد بأن الثروات الطبيعية من نفط وغاز انما هي أغلى من الدماء البشرية. نقول له ولغيره: لا يوجد ما هو أغلى من دماء الإنسان، وحياة الإنسان، وكرامة وحرية الإنسان.

المطران عطاالله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس

القدس، 7 نيسان 2026

المطران