دم على صدر القميص – قصة: رشاد أبوشاور

-1-

لم يبح له بعمله، وأهله عندما حضروا لطلب يدها، قالوا دون خوض في التفاصيل: موظف في الحكومة، وراتبه مليح، وعنده شقّة، مفروشة وجاهزة، و..وسيّارة.

تأملت وجهه وهي تنحني وتقدم القهوة، ثم أطالت تأمله وهي تجلس قبالته.، فارتاحت لتقاطيع وجهه، وشعره الذي ينسدل على جبينه، ويرده بين الفينة والفينة، ويمسد عليه براحة يده اليمنى وهو يبتسم لها ابتسامة خفيفة لطيفة مغوية.

زارهم في البيت ثلاث مرّات، ومرّة اقترح أن يخرجا معا، فرّد والدها:

-عندما تكتبان الكتاب…

سألته في منتزه (مساء الورد):

-ماذا تعمل؟ ألا تريدني أن أعرف؟

طوى راحتها براحتيه، وتساءل:

-ألا تنتظرين حتى نكون معا تحت سقف واحد لتعرفي كل شيء عن حياتي؟1

تنهدت، وبدت الحيرة على وجهها ونظرتها، فغيّر الموضوع:

  • -ألاتريدين أن تكملي دراستك الجامعية؟ أنا موافق
  • ضجيج الصحون التي يضعها الجرسونات على الطاولات، وكركة النراجيل، وجلبة الصغار المتراكضين بين الموائد وضحكاتهم. سرحت: –_أيكون لي أطفال مثلهم ذات يوم؟ أتراني سأكون سعيدة؟
  • نبهها من شرودها:

-أين سرحت؟

-مع الأطفال…

-سيكون لنا أطفال، و..سنفرح بهم، خلينا معا الآن..والأطفال بعدين يا حبيبتي.

يا حبيبتي! يخاطبني بها لأوّل مرّة: ترى:هل سأكون حبيبته؟

-حبيبتي!..أما أحببتني بعد؟!

-سأ..حبك..بالتأكيد. نحن بالكاد نعرف بعضنا، حتى إنني لا أعرف ماذا تعمل!

-ستعر..فين، لن يبقى الأمر سرّا. أقول لك: أنا أخدم الوطن…

-سّر؟!

-لا سر عليك…

اقترب شاب مديد القامة، تبرز عضلاته من تحت قميصه نصف الكم، وعندما رآه انحنى، وسمعت كلمة:

-سيدي…

جلس الشاب غير بعيد، وبدا كأنه يراقب طاولتهما. طلب شيئا ما يشربه، ثم تشاغل عنهما، لكنها كانت تنتبه إلى تركيزه على طاولتهما.

سألته:

-ذلك الشاب الذي انحنى لك يبدو كأنه يراقبك. أأنت تعمل في السياسة؟

ضحك ضحكة فيها سخرية:

-سياسة! لعنة الله عليها، وعلى من يمارسونها، إنهم يرهقوننا ويخلطون ليلنا بنهارنا. لا تشغلي بالك به، فهو مجرّد فضولي. أيضايقك أن يبهر جمالك العيون..يا حبيبتي؟!

قالت في نفسها: يرشوني، ففي فترة الخطوبة تكثر المجاملات، ثم…

أخذت جرعة من كاسة العصير، وهي تتأمل وجهه ورأسه: ماذا يخفي هذا الوجه الناعم التقاطيع، وهذا الرأس المغطّى بشعر أسود غزير؟ وماذا تخبئ الأيام لي معك يامنير؟

غمز الغرسون، و:قهوة بدون سكّر…

-اثنان سيدي؟

تساءلت:ما حكاية سيدي؟

سالته: يخاطبك سيدي؟

-مجاملات الغرسونات! من أجل البغشيش!

ارتشفا قهوتهما، ونهضا، دفعها بلطف أمامه،ومرا بين الطاولات المكتظة بالساهرين، انحنى أمامه الغرسونات وهم يوسعون له.

عند الباب التفتت خلها فرأت صاحب العضلات يحاسب ، ثم يتبعهما بسرعة،  عندما تنبه على نظرتها أخذ يلتفت حواليه وكأنه يبحث عن أحد ما.

أحضر له سائق سيارته، فصعد بعد أن انتظر دخولها وجلوسها. شغّل السيارة وعدّل المرآة، ثم مضى بالسيّارة ببطء، وفجأة انطلق بسرعة وقد سبقته سيارة ولحقت به سيّارة.

-2-

لم تتوقع أنها ستعيش وحيدة في الشقة بعد الزواج. أهلها بعيدون عنها، ويعيشون في حي متوسط اجتماعيا. وهي لم تعد تذهب للجامعة بعد الزواج، لأنها أرادت أن تستمتع بشهر العسل، وهو الشهر الذي حلمت به، وأعدت نفسها له.

يتهرّب من وعده لها بشهر عسل في قبرص، او اليونان، أو حتى في إيطاليا، ويتعلل بضغط العمل، وما يعانيه من إرهاق. يغيب ، ويتركها وحيدة في الشقة، وعندما يحضر يتسلل متأخرا، ويندس بجوارها، يحتضنها و..بعد قليل يغفو.

تساءلت. أيكون مديرا لشركة تجارية؟ أتراه يشتغل في..في التهريب؟ أهو رجل عصابات؟! شعرت به يندس بجوارها وينام فورا وهو يتنهد.

استيقظت مبكرا، واعدت طعام الإفطار، وهي تتساءل: أين شهر العسل، وأين يتوارى ونحن لم يمضي على زواجنا أكثر من شهر؟ ولماذا لا يخبرني أين يختفي، وما أسباب اختفاؤه الغامض؟!

رنّ هاتفه الخلوي، ولكنه لم يجب. تقلّب في الفراش، وتنهّد بعمق.

تنبهت أنه ينام بقميصه. عرفت هذا من كم يده المتدلية على حافة السرير!

ما هذا؟ أين كان طيلة الليل، ولماذا؟! أهذه وعود ما قبل الزواج؟ أهذا العسل الذي وعدها به في فترة الخطوبة؟!.

فتح عينيه، وتثاءب:

-يبدو أنني نمت بعمق.

جلس في السرير، ومرر يده على صدر قميصه، وعبس، وهزّ رأسه: إبن الكلب، اضطرني أن..بنفسي!

اقتربت منه، وتأملته:

-صباح الخير حبيبي.

-صباح النور…

-ما هذا الدم الذي على صدر قميصك؟!

مدّت يدها لتلمس الدم على صدر القميص فضرب يدها بعنف:

-الكلب لم..يعترف طيلة فترة تعذيبه! لذا اضطررت للإشراف على..على ..انتزاع الاعتراف بنفسي!

-…

تنبه على ذهولها المتبدّي على وجهها الذي توترت ملامحه:

-من هو الذي لم يعترف؟ وما..هو عملك؟

-لاتهتمي..مش شغلك. المهم حققت ما يجب،و..لن يصمد أحد أمامي، و..هيا بنا لنفطر معا.

رنّ هاتفه الخلوي:

لم تسمع من يكلمه على الطرف الاخر، لكن صوته ارتفع غاضبا متوترا:

-ادفنوه في جهنم. واروه..يلعن أبوه. لقد أتعبنا، وكان لا بد أن..فاهم ولك؟

ماذا تقول: وأسرته؟ ما لها أسرته؟ لن يعرفوا، سيبقى مصيره غامضا..إلى يوم يبعثوووون…

جلست على كرسي وهي ترتجف. عرفت ما هو عمله.

نهض من السرير. خلع قميصه ورماه على الأرض:

-اسمعي: مزقيه وارميه في الزبالة …

-دم من هذا.

سألته وهي تكاد تسقط عن الكرسي، وإذ حدٌق في وجهها رأى دموعا في عينيها.

-دم كلب!  أنت ما دخلك في الموضوع؟

شعرت بالخوف.

دخل حيث خزانة الملابس. خرج بعد قليل.

-افطري وحدك، عندي شغل…

-هل هناك كلب آخر؟!

كان قد ادار ظهره، وفتح باب الشقة ومضى.

في الشارع، رأت عبر الزجاج سيارة تنتظره، هبط منها اثنان، أحدهما فتح له الباب، والآخر كان يراقب الشارع وإصبعه على زناد رشاش.

حاولت أن تقف وهي ترتجف رعبا. مشت خطوات قليلة. فتحت حقيبة من حقائب العرس، وضعت فيها بعض الملابس، ثم فتحت الباب، وخرجت.

سألت نفسها: ماذا سيفعل بي لو بقيت معه في هذه الشقة؟!و..كم كلبا سيملأ دمهم قمصانه؟! وأنا: هل سأنجو بدمي، أم سيأتي دوري ذات يوم..ككلبة؟!