دياب العزابي من عين غزال إلى عين الحلوة – نضال حمد

دياب العزابي من عين غزال إلى عين الحلوة، جمع الغزال وعينه الحلوة معاً في رحلته مع العذاب والشتات واللجوء.

دياب العزابي هو الشخص الوحيد من قرية عين غزال الذي أوصلته النكبة الى لبنان. العزابي دياب العزابي حمل في قلبه وعقله وأحلامه عين غزال وعائلته التي فقدها وفقدته في النكبة. عاش بين فلسطينيي لبنان في عين الحلوة وكان واحداً من كل بيوت المخيم.

يذكر أن غالبية أهالي عين غزال وإجزم والطنطوره (شهدت مجزرة مروعة سنة النكبة) ولازال شهداء المجزرة مدفونين تحت تراب ورمال المسبح الساحر في البلدة، التي احتلها الصهاينة وذبحوا أهلها الآمنين.

أهالي عين غزال اختاروا الرحيل سنة النكبة مع وحدات من الجيش العراقي كانت تقاتل في فلسطين دفاعاً عنها. فهناك في جنين وقراها وضواحيها تعرفوا على القوات العراقيه التي دخلت فلسطين عام 48 ضمن جيش الانقاذ العربي، الذي بدوره لم يستطع انقاذ فلسطين وبالكاد أنقذ نفسه، بسبب ونتيجة خيانة الحكام العرب وارتباطاتهم بالاستعمارين الانجليزي والفرنسي، الراعيين الرسميين للحركة الصهيونية العالمية ومشروعها الاستعماري الاحتلالي في فلسطين المحتلة.

قاتل الجيش العراقي الذي كان من قياداته آنذاك الفريقان صلاح عمر العلي واسماعيل العارف والقائد الفذ عبد الكريم قاسم، قاتل قتال الأنواء وباحترافيه وحقق انتصارات وألحق الهزائم بالصهاينة في بعض المواقع. شهد له أهل جنين وقرى الطنطوره وإجزم وعين غزال، قرية المرحوم الحاج دياب العزابي جار المرحومين الاخوين الحاج حسين وسليمان العزابي في مخيمنا بالشتات واللجوء في لبنان. هذا ولازالت قبور الشهداء العراقيين موجودة في مناطق جنين حيث إعتنت ولازالت تعتني بها العائلات الفلسطينية.

بعد سقوط فلسطين ال 48 بيد العصابات اليهودية الصهيونية وبدء ما عرف بالنكبة رحلت أو فرت الغالبية العظمى من أهالي تلك القرى، منها قرية عين غزال التي يتأصل منها المرحوم دياب العزابي الى العراق، برفقة ومع وحدات الجيش العراقي المنسحبة من فلسطين.

أما دياب الغزابي فعنوة عن بقية الأهالي فر من بطش الصهاينة الفاشيين باتجاه لبنان. حيث عاش وحيداً وبعيداً عن أهله وأقاربه وأقرانه الذين استقروا في العراق. بقي في مخيم عين الحلوة الى يوم وفاته.

تبدو القصة غريبة نوعا ما لأن دياب العزابي فر باتجاه لبنان بينما كل أهل بلدته الى العراق. لكن شخصياً لدي تفسيري الخاص للقصة، ربما يكون هذا التفسير هو الأقرب للواقع لأن توجهه الى لبنان ولوحده بدون عائلته، قد يكون بسبب عمله اثناء حصول النكبة في شمال فلسطين. فلم يتمكن من العودة الى عين غزال واضطر للهرب واللجوء مع اللاجئين الآخرين نحو لبنان.

في هذا الصدد أذكر أن والدي المرحوم أبو جمال حمد حدثني عن بقاء اثنين من أبناء الصفصاف من آل القاضي – كردية في الضفة الغربية بعد النكبة سنة 1948. بقيا هناك  أحدهما استشهد والثاني تزوج وأنجب أطفالاً وأحفاداً في مخيم عسكر بنابلس وتوفي فيه قبل سنوات. وتعرفهم الناس في الضفة الآن بعائلة أبو عيشة. في وقت النكبة كان العمان القاضي- أبو عيشة يعملان في جنين أو نابلس بعيداً عن الصفصاف. هاجر أهالي بلدتنا الى لبنان وسوريا بينما هما بقيا في الضفة التي تبعت الأردن إدارياً في ذلك الوقت.

كان دياب العزابي بحسب صاحبي دياب العلي “يرتدي الزي الفلسطيني التقليدي مع الحطة والعقال وقد عمل في الزراعة حتى أواخر ستينات القرن الماضي. بعد ذلك توقف عن العمل في حقل الزراعة”. ربما توقف عن العمل بشكل عام نتيجة الكبر في السن. فقد هرم بسبب النكبة وويلات اللجوء في المخيم بعيداً عن الوطن والبلدة والأهل والمنزل الأول.  .

خبرني الأخ دياب العلي كذلك أن دياب العزابي كان حافظا للأشعار الشعبيه الفلاحية منها والبدوية وكذلك الكثير من الأمثال والأهازيج الشعبية الحماسية ومنها الغزل العفيف الراقي. وأضاف أنه هو نفسه علم من دياب العزابي بحكاية (يا حلالي يا مالي يا ربعي ردوا عليَّ). في حكاية دياب العزابي عن يا حلالي يا مالي نقرأ ما يلي نقلاً عن دياب العلي:.

“كان في إحدى قرى فلسطين مختار وهو بمثابة زعيم القرية ولديه بيت شبيه بالقصر فضلا عن أعداد كبيرة من الحلال (غنم، ماعز، أبقار وبعض الإبل، إلا أنه كان بخيلاً وعلى عداء مع صفة الكرم .

فقررت مجموعه من شباب تلك القرية أن يفتكوا بالحلال أثناء الرعيّ بعيداً عن القرية، بدأوا في ذبح الخراف والماعز الخ… عندما علم  زعيم القرية بذلك هرع مع “شبيحته” الى وادي الرعيّ فهاله ما رأى. في تلك الاثناء كان الشباب الثائر قد استغلوا انشغاله بخسارة الحلال، فأشعلوا النار في بيته. عند بلوغه الخبر بذلك أخذ يصيح ويلطم قائلا :-

يا حلالي يا مالي يا ربعي ردو عليّ.

قصة العزابية في عين الحلوة تعيدنا الى زمن مخيمي جميل، زمن التكافل بين كل أهل المخيم. بين الناس عامة. ففي ذلك الوقت  كان الجيران يرسلون الطعام المطهو والساخن للعزابيه الثلاثه يوميا، إنه التكافل الانساني الجميل، تلك الصفه التي إمتاز بها شعبنا رغم الظروف القاسية التي مرت ولازالت تمر عليه. أما الآن في زمن خراب المخيمات وتدمير التكافل بين سكانها وتخلي المسؤولين عنها عن مسؤولياتهم. غدت المخيمات وناسها بشوق للزمن الجميل، زمن العزابية والختايرة والأصالة والانتماء والفداء والعطاء.

 

إعداد وتقرير موقع الصفصاف

نضال حمد في 18-10-2021

 

الجدار العازل في عين الحلوة
Oboz Ain Elhilwe