ربى عطية تكتب عن والدتها الراحلة حياة الحويك عطية

عن حياة الممتلئة حباً في ذكرى غيابها

ابنة العائلة المارونية العريقة، تركت كلّ شيء مقابل تصوّر ما عن الحق والخير والجمال، وعبرت الحدود إلى الأردن من دون أوراق أو أمتعة.

“ليت الفتى حجر.. يا ليتني حجر”. قلت لصديقي الفلسطيني: “انكسر ظهري يا غسان. انكسر عمود البيت”. قال لي: “كانت عموداً لأمة. عليك أن تنكسري. كان لك ما يستأهل البكاء”.

تلك الفتاة المتّقدة العينين التي نزلت من قريتها محمّلة بالكثير من الحبّ إلى كليّة الحقوق؛ بؤرة الصراع الفكري بين الخطابات الكبرى في السبعينيات، مرّت بالماركسية وتشرّبت أدواتها قبل أن تجد نفسها في الفكر السوري القومي الاجتماعي. كتبت يوماً: “لا شيء إلا الوهم خارج المكان”. كانت حبلى بي حين صادرت الميليشيات الطائفية بيتها وأصبحت وأبي ملاحقين.

حين فتحت الطرقات لأول مرة، واستدعيت إلى وزارة الاقتصاد، حيث كانت رئيسة دائرة، وضعتني على سطح المبنى ونزلت، لا لتقبض مرتبها، وإنما لتستقيل احتجاجاً على نظام الامتيازات الطائفي. ابنة العائلة المارونية العريقة، تركت كلّ شيء مقابل تصوّر ما عن الحق والخير والجمال، وعبرت الحدود إلى الأردن من دون أوراق أو أمتعة لتحل وأبي في ضيافة رفيقهما وصديق العمر الناجي من الإعدام في سوريا، علم عبد الرحيم. حفرت بالصخر كي تفتح بيتاً يسع الجميع وتربي أولاداً كانت تتمنى لو أنهم أكثر من اثنين، لكنّ العبء كان مادياً ومعنوياً وأمنياً، ومن ثم صحياً.

كان بيتها حضناً دائماً… في الثمانينيات للرفقاء الَّذين تركوا لبنان إبان الاجتياح وما بعده، في التسعينيات لمثقفين وفنانين عراقيين إبان الحرب الأخرى، ثم لطلابها ومتدربيها الذين تبنّتهم بعد عودتها من فرنسا. لم نرَ في البيت إلا رحماً كبيراً وسعنا ووسع الكثيرين في ماء حبٍّ بحجم بلد.

كنت ألعب بين الشباب في نزل السرور، كما كانت الجارة تسمّي بيتنا، وكانت أمي تحضّر الأكل في المطبخ. سمعت أحدهم يقول: “استشهد غسان الديك”. لم أعرف معنى الكلمة، لكنني عرفت من الوجوم المفاجئ أنّ الأمر مهم. ركضت إلى أمي لأكون أول من ينقل لها خبراً مهماً، وأستعرض لها الكلمة الجديدة: “ماما، استشهد غسان الديك”. رمت أمي الحلة من يدها، وهرعت بـ”لا” قوية إلى الخارج. عرفت في تلك اللحظة أنها مربوطة بحبل لا يرى مع أناس كثيرين لا نعرفهم، لكنهم أهلي وعائلتي، لأنهم أهل تلك السيدة الممتلئة حباً. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت لحظات الموت هي أصفى لحظات الحب.

 

هذه النافذة التي استرقت منها النظر على حياة امرأة عظيمة القوة وعظيمة العذاب وعظيمة الفرح، كانت أجمل ما سيفتح لي في حياتي وفي حيوات لاحقة كذلك، لكنها كانت طفلتي أيضاً؛ طفلتي التي تخاف بعدنا، طفلتي التي تستمتع بأصغر التفاصيل، وطفلتي التي تستنكر على نفسها أيَّ شيء لم تعطَ منه للآخرين.

“ماذا فعلتِ بأيام آدم يا شهرزاد؟

كيف شبَّ على ركبتيها إلهاً حزيناً له جنة ليس يملكها وطيور تناكده وعباد؟

كل ثانية، تنهب الريح حصتها من بهاء الشجر،

كل ثانية، تقضم الريح ما تشتهي من عناد الحجر،

كل ثانية، تتشابه أيام آدم مثل قطيع حزين،

فمن روض اليوم للريح هذا الغزال الخطير؟”

قصيدة قيل إنها كتبت لأمي.. شاعر تتشابه أيامه بعدها مثل قطيع حزين.. وأيامنا أيضاً.

عاشت صنوفاً من العذابات وصنوفاً من الفرح. متبوعة من كثيرين، ومعشوقة من كثيرين، حتى الصراع كان فرحاً. فرح الصّدق مع النفس. كتبت يوماً: قصص الحب انتهت، إلا قصتي مع مرآتي، لكني لم أرَ فرحاً يضاهي فرحها بأبنائها الآخرين.. طلابها، وتوسمها في أجيال لم تولد بعد.

قليلون هم الذين يولدون ولديهم كل شيء ويتخلّون عنه لأجل موقف مع النفس والآخرين. قليلون هم الَّذين لا يقبلون مكافأة عن موقف، كبرت أو صغرت. أخذت موقفاً مع العراق المحاصر، وكانت على عكس العادة متبرعة لا منتفعة. أخذت موقفاً مع سوريا المهددة، وكانت مرة أخرى متبرعة، بل ومعاقبة على ضميرها وعقلها النقديين. كان موقفها واضحاً: لا لتمكين نظام النهب الدولي من الاستيلاء على مواردنا وأرضنا وهدم دولنا بحجَّة تغيير الأنظمة. تحاربنا هذه الأنظمة وقت السلم ولا نحاربها حين تكون دولنا هدفاً. رفضت أمي ما اعتبره الكثيرون فرص عمر كي تكون حيث عليها أن تكون.

لم تفهم أمي أيَّ حبّ من دون عمل. كل عاطفة لديها تحولها إلى عمل، مهما كان مضنياً. إنَّنا لا نعرف تاريخنا، فلأبحث في الآثار. هناك مركزية فكرية مستلبة، فلأعمل على استعادة التنظير. زمن الرواية متتابع في الحدث لا في الرحلة، فلأكتب روايتي وأشتبك مع أزمنتها. سأزوّج أنس، وأشغّل سامر، وأطبخ لحنين، وأطرز ثوباً لربى، وأجدد بيت زينون، وأكتب مقدمة لبشير، وأجمع ثمن عملية الصبي في محل القطن. سآخذ آمال في رحلة علاجية، وأزرع قوارير لكفى، وأؤجل موعد فحوصاتي لأنَّ ابنتي تنتظرني عند باب المطار البعيد…

هل قتلها حبّها لنا؟ أم نظام طبّي متهاوٍ أخطأ معها 4 مرات في علاجها الأخير؟ أم وقوفها في الحياة كنخلة تناءت عن كلِّ سند؟

حتى في مماتك، أعطيتني الكثير. أعطيتني وضوحاً في كلّ شيء، أعطيتني قراراً في ألا أكون أقل سعادة مما تحبّين لي، وقدرة عظيمة على الاستغناء عن كل ما ليس حقيقياً، عن كل من يبحث خارج ذاته عن هوية، وعن كلّ من هم أقل قدرة على الفرح بالتراب والأخضر المتدلي وقهوة الصباح وأجراس الشرفة وذرات الهواء الممتلئة سحراً في بيتك.

بعد مطارات ثلاثة من دونك، نعلن من هنا، من بيروت، في اليوم الخمسين لغيابك، إطلاق “مؤسَّسة حياة الحويك للدراسات الثقافية المتخصّصة”، لنكمل مع كثيرين العمل الذي بدأت به، ليس بنشر ما لم يسعفك الوقت لنشره فحسب، إنما أيضاً بالعمل مع باحثين علميين مجدّدين، شباباً واثقين بأناهم ونحنهم، على كلّ ما أسّستِ وسعيتِ له من استعادة الفكر من استلابه الثقافي، وتطوير المنهجيات العلمية ضمن استراتيجية واضحة الأهداف، وإعادة بناء الفضاء العام أو جزء منه خارج أطر الهويات الفرعية التي تقمع الخيار الفردي الحر وتفتّت الهوية الجمعية الجامعة.

أما حلمك الأخير بالعودة إلى قريتك لإمضاء ما تبقّى من سنين، سرقت منك ومنا، في الزراعة والكتابة، فربما حقَّقناه في يوم ليس بعيداً، لكنه سيبقى، مثل كلّ شيء في غيابك، فرحة ناقصة.

السّلام عليك يا أمي.. يا حبيبتي.. يا كلّ بيتي، وكلّ حبي، وكلّ وجعي. يا كلّ تفاصيلي. أنا في انتظار حلولك في وجه طفلة تطلّ علينا من رحم الأيام الباقية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

ابنة الراحلة حياة الحويك عطية، صانعة أفلام ومنتجة وأستاذة السينما في الجامعة اللبنانية.