رحيل صديقة فلسطين النائبة البولندية يولنطا شيبينسكا

 

في الثامن من الشهر الجاري ديسمبر 2018 رحلت عن عالمنا النائبة في البرلمان البولندي عن حزب القانون والعدالة، السيدة يولنطا شيبينسكا. وذلك بعد خوضها صراعا مريرا وطويلا مع مرض العضال، الذي بدوره انتصر عليها كما جرت العادة في غالبية صراعاته مع البشر.

شيبينسكا من مواليد 1957 في مدينة سلوبسك الساحلية، درست في معهد التمريض وتخرجت ممرضة. في 1980 مع بروز حركة التضامن ضد الحكم الشيوعي في بولندا، ساهمت في تأسيس حركة التضامن في المؤسسات الطبية والصحية بمنطقتها.

منذ بداية سنة 1990 أصبحت من تفاهم الوسط (بوروزوميينيا سنتروم) وكانت رئيسة لجنة المحافظة في سلوبسك. وهي من قيادات الصف الأول في حزب ( القانون والعدالة ) أكبر أحزاب بولندا ومنه الرئيس الراحل ليخ كاشينسكي والرئيس الحالي للدولة دودا، ورئيس الحزب كاشينسكي شقيق الرئيس الراحل، الذي لقي مصرعه في حادث تحطم طائرته الرئاسية الخاصة في روسيا قبل سنوات. ولي عودة هنا للحديث عن هذه الطائرة وعلاقتها بقطاع غزة.

السيدة شيبينسكا انتخبت في عدة دورات لعضوية البرلمان البولندي، وأحتفظت بعضويتها في البرلمان حتى وفاتها. وأسست مجموعة صغيرة من البرلمانيين البولنديين تشكلت من أصدقاء فلسطين في البرلمان البولندي. وسبق لها أن زارت فلسطين وبالذات قطاع غزة مع مجموعة من البرلمانيين وبرفقة الأخ عمر فارس من وجهاء الجالية الفلسطينية في النرويج. وأيضا زارت الجولان العربي السوري وشاركت في تظاهرة هناك ضد استمرار احتلال الجولان وفلسطين. ولها موقع إلكتروني شخصي باللغة البولندية وفيه قسم عن فلسطين.

في الحادي عشر من شهر يونيو – حزيران 2009 أجريت معها حوارا موسعا باللغة البولندية وقمت بترجمته فيما بعد للغة العربية ونشرته في موقع الصفصاف وفي عدة مواقع أخرى. تركز الحوار معها على الالتفاتة الطيبة التي قام بها الرئيس الراحل ليخ كاشينسكي وعقيلته، حيث أرسل طائرته الخاصة الى العريش في مصر لإحضار أكثر من سبعين طفلا فلسطينيا من مرضى وجرحى قطاع غزة للعلاج والاستجمام في بولندا. وأشرفت شيبينسكا مع النائبة غوشيفسكا على سير أمور الأطفال في بولندا وذلك بالتنسيق مع النشطاء الفلسطينيين في بولندا، الذين احتضنوا أطفالهم ورافقوهم من البداية حتى النهاية.

في ذلك الوقت تعرفت على شيبينسكا وغوشيفسكا وآخرين، حيث جئت من أوسلو الى كراكوف مبعوثاً من قبل الجالية الفلسطيينة في النرويج مع مساعدة مالية متواضعة كمساهمة منا في النرويج مع الفلسطينيين في بولندا لتسديد تكاليف إقامة الأطفال الفلسطينيين الغزيّين هناك.

وللعلم فإن شيبينسكا وزميلاتها وزملاءها من أعضاء البرلمان في مجموعة فلسطين كُنَ نشيطات وكانوا نشيطين في تلك الفترة من الزمن. ولكن تراجع نشاطهم كلياً بعد استلام حزبهم-ن الحكومة والرئاسة وأكثرية البرلمان، وتراجع أكثر وأكثر بعد مرض السيدة شيبينسكا. جدير بالذكر أن المجموعة تألفت في غالبيتها من أعضاء حزبها وأعضاء برلمانيين يساريين.

عندما سألتها عن كيفية تعرفها على القضية الفلسطينية واهتمامها بذلك، ومن ثم عن فكرة احضار الأطفال الفلسطينيين من غزة الى بولندا قالت:

” تعرفت على المشكلة الفلسطينية في وقت سابق وعزمت على معرفة تاريخ هذا الشعب، كما كنت تعرفت على بعض الفلسطينيين القاطنين في بولندا، ولكني حقيقة قررت أن أتعرف على الشعب الفلسطيني فعلياً اثناء مأساة (هولوكوست) غزة الأخيرة، التي فرضتها عليه (إسرائيل) والتي عانى منها هذا الشعب البطل، حيث أُعتدي على السكان المدنيين. باستغراب راقبت في ذلك الوقت صمت القوى العالمية على المأساة العظمى ومحاولة شطب السكان الفلسطينيين. هذا الشيء فجر في غضب واحتجاج كبيرين. ولم أرغب أن أكون في موقع المتفرج الذي لا حول له ولا قوة. عشت معاناة الفلسطينيين ونضالهم لأجل فلسطين حرّة طوال فترة العدوان الهمجي على غزة.”.

أما ردها على سؤالنا لها عن فكرة احضار أكثر من 70 طفلاً من قطاع غزة المحاصر للعلاج في بولندا. كان واضحاً وشفافاً :

” عندما اندلعت الحرب في غزة وبدأت عملية قتل المدنيين على مرأى من العالم الصامت، توجب علي عمل أي شيء. كنت بلا حول ولا قوة، مثل كثير من الناس الطيبين ولكني كنائبة في البرلمان استطيع اعلاء صوتي وتقديم شهادتي حول الجريمة. لذا قمت أولاً بكتابة رسالة موجهة الى وزير الخارجية البولندي وكذلك للحكومة البولندية أسألهم القيام بأي شيء يمكنه المساعدة في وقف هذه الحرب. توجهت أيضاً بنداء للمنظمات الانسانية لارسال مساعدات عاجلة الى قطاع غزة.”

أما فكرة احضار الأطفال الى بولندا :

” كانت فكرة مشتركة مع السيد عمر فارس (من وجهاء ونشطاء الجالية الفلسطينية في بولندا ) وكانت بداية العمل في هذه القضية وأيضاً بداية العمل المشترك البولندي الفلسطيني في بولندا.

 في تلك الفترة تمنيت لو أن الأطفال من غزة المعذبين كثيرا لو للحظات استطاعوا الخروج من ذاك الجحيم كي يتلقوا العلاج.

توجهت فوراً للقاء مدير مكتب الرئيس ليخ كاتشينسكي، الذي أبدى تأييده وأمر بالتحضير لهذا المشروع.

 أما الرئيس فقد أبدى أيضاً رغبته بالمساعدة فبدأنا تحركنا. وهذه هي المرة الثانية التي يقوم بها الرئيس بمثل هذا الأمر حيث أنه في المرة الأولى أحضر أطفالاً من جورجيا.”.

وعند سؤالنا للنائب شيبينسكا عن سر انحياز وسائل الاعلام البولندية للطرف الصهيوني قالت :

” ليس في بولندا وحدها الاعلام منحاز لجانب (اسرائيل) هذا ينطبق على كل العالم الغربي. للأسف وبألم أقرّ أن هذه المعضلة في بولندا ليست سهلة … وأي نقد للحكومة (الاسرائيلية) يجابه بهجوم واتهامات بمعاداة السامية. جربت ذلك بنفسي ولكني لم اهتم لهذا الأمر. إن (لاسرائيل) امتدادات اقتصادية ليس في أوروبا فقط، ولكن كذلك في البلدان العربية، التي إعتقدنا أنها تقف بصف التضامن مع فلسطين لكن العكس للأسف هو الصحيح.”

مشروع احضار الأطفال احتاج تمويلاً ودعماً كبيرين لتطبيق برنامج النقاهة والعلاج. وجدير بالذكر أنه عند وصول الأطفال الى وارسو استقبلتهم في حينه الراحلة عقيلة الرئيس ليخ كاشينسكي في القصر الجمهوري البولندي.  

استحضرت شيبينسكا مراحل التحضير لحضور الأطفال تكلمت عن ذلك:

” كنا خائفين قليلاً أن لا تكون الأموال كافية لمجيء الأطفال ولكنا قمنا بجمع التبرعات، فتحنا حساباً مصرفياً في مؤسسة كاريتاس التي تعنى بمساعدة الفقراء والمتضررين من الحروب والكوارث. ساعدنا مكتب الرئيس البولندي بطلبه من مؤسسات عديدة تقديم المساعدة لنا. أما البرنامج فهو غني. الأطفال يجب أن يرتاحوا.  يتواجدون الآن في منتجع جميل جداً تحت اشراف طاقم طبي فلسطيني، ومنهم أطباء نفسيون ( البرفسور العربي السوري بسام العويل). كذلك يتواجدون في ظل حرصنا كلنا عليهم. سوف يتمكنوا من التعرف على الأطفال البولنديين، ليلهوا معهم. كما سوف يكون هناك رحلات عديدة. نريد أن يرى أطفالنا هؤلاء الأطفال الوديعين وأنا متأكدة أنهم سوف يحبونهم. أنا نفسي منذ اللقاء الأول وهبت قلبي لهؤلاء الأطفال. وأود التذكير أن الأموال المتوفرة غير كافية و مازالت ناقصة ونحن بحاجة للمزيد من الدعم لأننا نريد أن يعود الأطفال الى غزة معززين.”.

وفيما يخص المجموعة البولندية البرلمانية المناصرة لفلسطين والتي تأسست بدور ريادي لشيبينسكا قالت :

” تأسست هذه المجموعة البرلمانية البولندية الفلسطينية اثناء العدوان على غزة وكانت دليل معارضة واحتجاج ضد تلك الهمجية التي مارسها الجيش (الاسرائيلي) ضد السكان المدنيين. حتى هذه اللحظة لم تتفعل في البرلمان مع انها اللجنة العربية الوحيدة هناك. قررت أن أؤَسِّسَ هذه اللجنة ودعوت اليها الزملاء والزميلات غالبيتهم من حزب العدالة والقانون ومن أطراف أخرى كذلك. أنتخبت رئيسة للجنة وهذا يشرفني لكنها مسؤولية بنفس الوقت. أول شيء قمنا به هو تنظيم مجيء الأطفال الى بولندا. ولكن هناك أهدافا أخرى.. نريد تغيير اسطوانة أن الفلسطيني ارهابي التي تحاول وسائل الاعلام والأطراف المنحازة (لاسرائيل) تعبئة الرأي العام بها. نريد أن نظهر الثقافة والتاريخ الفلسطينيين، المشكلة الفلسطينية، تراجيديا الكفاح لأجل التحرر. “.

 

لطالما رددت شيبينسكا خلال أحاديثي معها عن أن هناك أشياء كثيرة يتشابه فيها الفلسطينيون والبولنديون. وهناك أشياء كثيرة تجمعهم. و لم تنس التذكير بأنه في فلسطين وجد جيش الجنرال البولندي أندرسن مأوى آمن للأطفال والأيتام البولنديين الذين شردتهم الحرب العالمية الثانية.

التنويريون والواعوون من البولنديين يعوون ويعرفون أن بلادهم بولندا كافحت طويلاً من أجل حريتها. لذا يتفهمون كفاح الفلسطينيين القريبين منهم من أجل تحرير فلسطين. وهذا بالضبط كان رأي شيبينسكا.

بعد مشاهدة أطفال غزة والتعرف عليهم عن قرب أحبت شيبينسكا هؤلاء الأطفال وأصبح لديها رغبة جارفة وشديدة بزيارة القطاع المحاصر والمدمر.  

“لدي رغبة شديدة بالسفر الى غزة لرؤية الوضع على الأرض، هذا سيساعدني كثيراً في معرفة كيفية العمل مستقبلاً … لدي أفكار متنوعة وعديدة.”.

في ختام الحوار الطويل الذي خصت به موقع الصفصاف وهو أول حوار من نوعه مع نائب بولندي سواء من المناصرين أو من المعادين لفلسطين. في نهاية ذلك الحوار طلبنا من السيدة شيبينسكا باعتبارها من أنصار القضية الفلسطينية تقديم كلمة للفلسطينيين في بولندا فأجابت:

” أريد أولاً أن اشكر الفلسطينيين في بولندا على مساعدتهم العاجلة لنا. وأؤكد لهم أن لديهم في بولندا الكثير من الأصدقاء الحميمين، الذين يتفهمونهم ويفهمون غاياتهم من أجل تحرير فلسطين. باستطاعتهم دائماً الاعتماد علينا”.

 

رحلت الصديقة يولنطا شيبينسكا تاركة خلفها مواقف مشرفة فيما يخص فلسطين. لروحها السلام وعلينا متابعة المشوار.

 

 

نضال حمد

 

كراكوف 11-12-2018