زيت سمك وحبة تمر

قصة صغيرة: رشاد أبوشاور

لم ندخل إلى الصفوف بعد انتهاء الطابور الصباحي، ودوران الأستاذة بين صفوفنا وتأمل أيدينا المقلوبة في نوبة تفتيش على من يهملون قّص أظافرهم.

أحضر عاملان دستا كبيرا ووضعاه بحذر على طاولة، وبدأوا في غرف سائل و..صبّه في وعاء صغير. وأومأ أحدهم للأستاذ عمر فأشار لأول واحد منا يقف في أول الصف، فتحرّك، وتقدم من العاملين، فأمره من يمسك ملعقة بيده بحرص خشية أن يندلق منها ما فيها من سائل، وارتفع صوت الأستاذ عمر:

-افتح فمك..بسرعة..والتهم حبّة التمر.. يلاّ.

ابتلع ابن صفنا حسني ما تحويه الملعقة، وعندما تقلصت عضلات وجهه وأوشك أن يبصق دسّ العامل الثاني حبة تمر في فمه، ودفعه الأستاذ عمر مازحا:

-يلاّ..لن يصب أحد منكم بالعشاء الليلي بعد تناولكم زيت السمك..انبسطوا.

سأله فوزي الذي يقف أمامي، ويمّط جسده ليرى ما في الوعاء الكبير:

-ما هو العشاء..يا أستاذ؟

-العشاء الليلي، يعني الهدباد..يعني: كيف أُفسر لكم الأمر؟ ألا تلاحظون أن بعض زملائكم يفقدون القدرة على الرؤية بمجرد غياب الشمس؟ هذا هو العشاء الليل، أو الهدباد..وهذا السائل الموجود في هذا البرميل أرسل لكم من وكالة الغوث حتى يشفى أي واحد منكم يعاني من ..الهدباد..أو العشاء الليلي..ويشفى تماما.

-والذي يرى يا أستاذ بعد غياب الشمس؟

-يشرب زيت السمك حتى لا يصاب بالهدباد..وسيرى أفضل.

وارتفع صوت ساخرا:

-أو العشاء..مع إننا ننام بدون عشاء!

-شاطر..فصيح!

ارتفع صوت من آخر الصف:

-ما هو زيت السمك يا أستاذ؟

سأله الأستاذ عمر:

-أنت من أي منطقة في فلسطين؟

-من قضاء الخليل…

-أنتم لا تعرفون السمك، فكيف ستعرفون زيت السمك؟ أنتم تعرفون التين والعنب، والزبيب والقطين..يلاّ امشوا بسرعة..واشربوا زيت السمك..وتلذذوا بحبة التمر.

سألت:

– و..ما هو السمك يا أستاذ؟

-ليس أشجارا يا ذكي..السمك يعيش في الماء..في البحار، والأنهار، و..إن أخرج من الماء فإنه يموت! أهل الساحل الفلسطيني يعرفون السمك…

هناك تلاميذ بصقوا ما شربوا، ولكنهم التهموا حبات التمر، وأخذوا يمضغونها ببطء حرصا على التمتع بحلاوتها، فتنبه الأستاذ لهم، وغضب منهم، وأشار لهم أن يعودوا و..يشربوا زيت السمك، وبدون حبات تمر، ففعلوا على مضض بعدما هددهم بمنحهم صفرا في درس اللغة العربية.

كان المدير أيوب الفار يقف صامتا وهو يضع يديه على صدره، متأملا صفوفنا التي يبتلع أفرادها زيت السمك ويمضغون حبات التمر، وعلى وجهه ابتسامة رضى.

فجأة اندفع حسني على قفة التمر وهبش حفنة وركض مبتعدا قبل أن يمسك به العامل الذي كان يضعها أمامه ويحفن منها.

صاح المدير:

-أرجع التمر يا حسني..يا مشاغب.

ولكن حسني دس كل ما في يده في فمه، وكاد يختنق وهو ينحني وقد انتفخ خداه، وأخذ يتنفس من أنفه. 

ثم برم جسده، وقعد لاصقا ظهره بخزان الماء، وأخذ يتنفس أنفاسا متلاحقة أشبه باللهاث.

نهض، بينما نحن نراقب ما يفعل، وعندما رقّص الأستاذ عمر المؤشّر ركض حسني والتف خلف ظهر المدير:

-في عرضك يا أُستاذ أيوب..أنا جعاااان، من يومين ما أكلناش ..والتمر حلو ولذيذ..وأنا..أنا باشوفش في الليل..وفي النهار يدوبك بأشوف.

ضحك المدير وفرد يديه وكأنه يحمي حسني من الأستاذ عمر:

-خلاص ..صار في حمايتي…

أمسك به المدير من رقبته وسأله:

-أنت من أين؟

-أنا من..قرى الخليل!

-شمت بنا الأستاذ عمر،فهو من قرى يافا..يعني يعرفون السمك..وزيت السمك. عمرك أكلت سمك يا  حسني؟

-لا والله يا أستاذ..أنا ما بأعرف شكل السمك!

-الأستاذ عمر سيرسم لكم سمكة على اللوح..يلاّ دخول إلى الصف…

-يا أستاذ: عندي سؤال  للأستاذ عمر: كيف سيرسم السمكة وهي ميتة بعد خروجها  من البحر؟

تشجعت ورفعت صوتي:

-هل سنموت يا أستاذ لأننا خرجنا من بيوتنا مثل السمك؟

 أدار المدير ظهره وتوارى في الممر حيث توجد غرفته. وقف الأستاذ عمر حزينا، وأشار لنا أن نتوجه إلى الصف فتحركنا صامتين…