سماح ادريس قطعة من قلب فلسطين – نضال حمد

“نمشي ومنكفي الطريق”. جملة كتبها ونشرها سماح ادريس بداية مرضه، قبل شهر من وفاته أي يوم 26-10-2021.

هذه الكلمات كتبها سماح ادريس وأرفقها مع صورة له بين ممرضين اثنين في المستشفى كانا يساعدانه ويرافقانه وهو يسير متثاقلا وببطء، شاحباً، نحيلاً وبلباس المستشفى. هالني أن أراه بهذا المظهر وهو الفارس الذي صال وجال نضالاً ونقداً وكتابة ورجولة. يومها عرفت أن سماح يرقد على فراش المرض وأن مرحلة من حياتنا الثورية يتم علاجها وننتظر قيامها بالسلامة. لكن سماح لم يقم بالرغم من أنه حاول وكافح وناضل وجرب وصمد وصبر حتى جاءت لحظة الوداع والنهاية فالشهادة.

انتمى رفيقنا وصديقنا المبدع، الدكتور والناقد سماح ادريس لجيل لبناني وعربي آمن بالثورة الفلسطينية وبالثورة العربية وبالتغيير والتحرير والتثوير. آمن بإبداع غسان كنفاني وناجي العلي وعلي فودة وبفكر جورج حبش الحكيم والدكتور وديع حداد وكل ثوار وأحرار فلسطين والعالم. لم يتردد يوما ما في التعبير عن ذلك ففي يوم 8-10-2021 أي قبل اكتشاف مرضه بأيام كتب التالي مع شريط فيديو لكلمة للحكيم:

 “هذا خطنا. هذه فلسطيننا. هذا حكيمنا. ولن نبدل تبديلًا.

*جزء من خطاب مؤسس الجبهة الشعبية الدكتور جورج حبش بمناسبة مرور 27 عاماً على تقسيم فلسطين وقيام الكيان الصهيوني. يكشف فيه حجم الكذب والتضليل والخداع الذي مارسته قيادة أوسلو من أجل توقيعها على مساومات غير مبدئية وتسويات خيانية، والانقضاض على حق شعبنا في أراضيه المحتلة عام 1948*”.

 سماح ادريس عاش بداية شبابه وصباه في زمن الثورة الفلسطينية وأوج فدائييها وثوارها. حتى لحظات حياته الأخيرة وهو على فراش الموت في المستشفى، كتب رسالة ولم ينس أن يذكر فيها قادة فلسطينيين كان يرى فيهم رموزاً للثورة والنضال، فذكر في رسالته الأخيرة وهي آخر ما كتب ونشر وهو على فراش الموت:

” لا أحدَ يريد بديلاً للفصائل، لا سمح الله، هذا إذا كان يستطيع ذلك أصلاً، وإنْ بات بعضُها محضَ ديكور لسلطة المالِ والتنسيقِ الأمنيّ. إذ يَصْعب، في رأيي، أن ينشأ البديلُ من خارج الفصائل، وإنّما سينشأ من قلبِها وعلى هوامشها، ومن قلبِ ساحاتِ نضالها، ومن صميمِ شعاراتِ شهدائها وقادتِها: من غسان إلى ناجي العلي وفتحي الشقاقي وأبي جهاد الوزير ووديع حدّاد وطلعت يعقوب وماجد أبو شرار، ومئات غيرهم.”.

في سن مبكرة ورث سماح ادريس إدارة دار الآداب العريقة التي تعتبر من أهم المدارس الأدبية العربية واللبنانية، لأنها كانت المنبر الأول لكُتاب ثقافة المقاومة ولجيل التثوير والبدايات، جيل التحرير والثورة المستمرة، جيل ثقافة وراء العدو في كل مكان. فمؤسسها كان والده الناقد والمثقف الكبير الراحل سهيل ادريس مع زوجته المثقفة السيدة عايدة ادريس، التي تشرفت بالتعرف عليها في ندوة تضامنية مع دار الآداب أقيمت في بيروت قبل سنوات. على اثر قيام يساري شيوعي كردي عراقي “مودرن” برفع دعوة قضائية ضد سماح والآداب.

في ذلك اليوم بالذات تعرفت على سماح ادريس وأيضا على “ملاك خالد” الاعلامية الشابة والفدائية الجرئية مثل عمتها المناضلة العريقة أيقونة فلسطين الرفيقة ليلى خالد. كنت ذكرت حكاية تعرفي على سماح يوم كتبت عن ماهر اليماني رفيقنا وصديقنا المشترك على إثر وفاته أيضاً بسبب الداء العضال اللعين. فماهر هو الذي عرفني على سماح ادريس في ذلك اليوم البيروتي الجميل. كما كان سبق ماهر في الحديث عني مع سماح، الرفيق أسعد أبو خليل الاستاذ الجامعي والكاتب السياسي والناقد الثوري اللبناني بقلب فلسطيني وبفكر ثوري – حكيمي (فكر الحكيم جورج حبش).

منذ ذلك الوقت أصبحنا وسماح ادريس صديقين ورفيقين فلم تخلى زيارة لي الى لبنان من الحديث مع سماح عن هموم شعبنا وأمتنا وثقافتنا. في المرة قبل الأخيرة من زيارتي الى لبنان دعاني الرفيق سماح للمشاركة في مهرجان تأبين الرفيق ماهر اليماني الذي أقيم في بلدية الهرمل اللبنانية. فعلا توجهت مع الأصدقاء من صيدا الى الهرمل. هناك تعرفت على زوجة الرفيق ماهر اليماني وعلى الرفيقة عبادة كسر، رفيقة سماح في حملة مقاطعة داعمي “إسرائيل” في لبنان ورفيقته في مجلة الآداب. لمن لا يعلم فليعلم لقد كان سماح من مؤسسي الحملة ورأس حربتها في لبنان.

 كان سماح ادريس مثقفاً ثورياً وشعبياً انتمى للفقراء وللمخيمات، حيث حرص باستمرار على أن يقرأ الحكايات ويقص القصص على أطفال مخيمي صبرا وشاتيلا. هكذا عاش وهكذا كان هذا المثقف المشتبك والإنسان القضية، رفيقنا الدكتور والناقد والشخص المتواضع والمثقف النخبوي والجماهيري والفدائي الأصيل سماح سهيل إدريس.

تأثر سماح كثيرا بالشهيد ماهر اليماني وكان يعتبره قدوته في النضال وفي الميادين الشعبية والنضالية. ظهر تأثير ماهر على سماح منذ ما قبل مرض ماهر فوفاته فيما بعد. فسماح هو الذي أجرى مقابلات هامة جدا على صفحات الآداب وعلى حلقات مع الراحل الكبير ماهر اليماني، الذي روى فيها حكايته الثورية الملهمة. فكل من عرف ماهر يعلم أنه كان من النوع الصامت والذي لا يتكلم كثيرا مع أنه كان كنزاً لأسرارٍ ثوريةٍ لا تنضب.

في منشور له على بروفيله بفيسبوك كتب سماح بداية الشهر الفائت:

“عرضتُ شيئًا كتبتُه على رفيقي العزيز خالد ابراهيم الراهب قبل أن أنشره على صفحتي. و”حزّرتُه” عن كاتبه. فقال “هذا أنتَ، ولو؟”. أحدُ الأسباب، كما قال، هو التشكيل (أيْ وضع الشدّات وبعض حركات الإعراب…). فذكّرني بشيءٍ فعلتُه في صباي.

كان زملائي في المدرسة والجامعة يعرفون ولعي بالعربيّة منذ كنتُ في السادسة عشرة. مرّةً، كتبتُ بيانًا سرّيًّا من دون توقيع (بعيْد الاجتياح “الإسرائيليّ” صيفَ العام 82)، وتعمّدتُ ارتكابَ أخطاء لغويّة، وأسقطتُ الشدّات أو وضعتُها في المكان الخطأ.

قضيتُ الليلَ كلّه وأنا أتمزّق بين الخوف من الملاحقة الأمنيّة (سلطة امين الجميّل)، وتأنيبِ ضميري اللغويّ.”.

ختاماً أقول لك يا سماح: لا تسامح أي كان إن تخلى أو فكر أن يتخلى عن فلسطين وقضيتها كما فعل الضالون والساقطون مِنا. سنحفظ عن ظهر قلب ما ورد في رسالتك الوداعية أو وصيتك: ” لا تتخلوا عن فلسطين فتتخلوا عن أنفسكم”. نعاهدك بأننا لن نتخلى عن فلسطين لأننا لن نتخلى عن قضيتنا ولا عن أنفسنا..

رفيقك نضال حمد

26-11-2021