سنحملك في قلوبنا إلى فلسطين – ملاك خالد

يا سماح، كنّا نعرف أنّ الأمر مسألة وقت فقط حتى يتمكّن منك السرطان اللّعين. كنّا نعرف ونعزّي أنفسنا سلفاً بأنك سترتاح من عذاب عظيم أوجعك كثيراً في الأيام الأخيرة. كنّا نعرف ولكن مقاومتك، كما دائماً، كانت تمنعنا من التعامل مع الرحيل كأنه ممكن فعلاً.

والآن رحلت. أي مأزق لغوي أن نجد كلاماً نرثيك فيه؟ نحن الذين حظينا بمحبّتك ومعرفتك وقربك؟ من أين نأتي لغة كنت ملك مفرداتها وتراكيبها وجمالياتها لنصف فداحة الخسارة وألم الرحيل؟
لا أبالغ حين أقول إنّ «الآداب»، عائلة وداراً ومجلة، قد ربّتني. وسماح يا سماح، أنت: الأستاذ والمعلم والصديق والكتف والأب المثال لسارية وناي، أنت عمود من أعمدة الآداب والفكر النقدي الشجاع، هل أجد كلمات لأودّعك؟ تعصف بي الذكريات الآن. كلّها جميلة وصادقة كأنك لا تزال تصنعها حتى اللّحظة، متمرداً على الألم متجاهلاً السرطان اللعين، ساخراً من الموت.
أتذكّر طفولة البنات، حبيبات قلبك، محبّتك ودفأك ودلعك لهما. أحاديثنا الطويلة في مكتب المجلة عن السياسة وأدب الأطفال ومسودّات سلسلة «ولد من بيروت»، قراءات قصة «الكوسى» في معارض الكتاب لأطفال مدارس لبنان، ليحبوا لغتنا العربية الجميلة الجزيلة. اجتماعات حملة مقاطعي إسرائيل في لبنان، نقاشات حملة المقاومة المدنية الماراثونية خلال حرب تموز، جلسات التعب والتقييم آخر اللّيل في سلعا ما بعد الحرب خلال مشاركة أهل الجنوب جهودنا المتواضعة للإغاثة وأنشطة الاطفال والالتحام بالوطن فعلاً لا قولاً فقط.
أتذكّر اتصالاتنا الهاتفية الطويلة من دبي وأكسفورد، أحاديثنا عن الحياة، مصاعبها، تحدياتها، السياسة وفلسطين التي اجتمعنا على حبّها منذ التقينا للمرة الأولى في مكتب حركة الشعب عام 2001. تعلّمت منك ومعك، كم أهديتني منك يا سماح. صداقة رانية، معرفة أبرز كتاب الوطن العربي عن قرب، الكتابة الصحفية_الأدبية المعجونة بالصدق و و و و والالتزام يا سماح يا ابن سهيل وعايدة.
علمتني دروس الالتزام الأخلاقي والوطني والنضالي يوماً بعد يوم، عاماً بعد عام، حتى حين انقطع تواصلنا واتصل. كنت معلماً في القرب والبعد. معلماً بلا «أستذة». كأن البديهي أن تكون مع فلسطين وضد كل من يعاديها. والبديهي أن تنحاز للناس والحريات والحيوية في تفاعلات الفن والأدب والسياسة لأنّ الركود يعني الموت. أذكرك بوضوح حين منعت أعداد «الآداب» عن الرقابة في سوريا من دخول سوريا. قلت حينها، هذا ثمن الشجاعة الأخلاقي. ومذّاك باتت هذه المفردة في تكويني وذاكرتي حصرية لك. بيننا عمر من الذكريات والمحبة والأصدقاء والمعارك التي لم تُحجم يوماً عن خوضها حتى النهاية..
هذا العمر الجميل ينتهي الآن يا سماح؟ فعلاً ينتهي؟ الآن أنت رحلت وتركت لنا، نحن الأحياء مسألة الموت العصيّة على الفهم كمشكلة رياضيّة معقّدة لا تُفسّر. ولكننا نحسّ يا سماح بالوجع، نحسّه ونسكته معاً بتعزية أنفسنا أنك ارتحت. بربك يا رجل كيف سأعزّي مدام عايدة، حبيبتك، برحيلك أنت بالذات؟ ماذا أقول لرنا ورائدة؟ العوض بسلامتكم؟ وهل مثلك يعوّض؟ والبنات يا سماح؟ سارية وناي هل تفهمان حقاً معنى أنّ سندهما وحبيبهما الأول قد رحل؟ الرفاق والرفيقات، كيف نصبّر بعضنا البعض على فاجعة غيابك؟ لا نملك إلّا الدموع يا حبيب. تحوّلت اللغة الرشيقة الجذابة الساحرة التي تتلاعب بحروفها إلى دموع غزيرة تحرق العيون والوجنات كما الاشتياق إليك يحرق القلوب. ستبقى دائماً في قلوبنا يا حبيب، ويوم التحرير سنحملك في قلوبنا إلى فلسطين، فلسطين التي أحببت دوماً والتي تحبك ويحبك أهلها ويبكونك معنا منذ الآن.
يا سماح صار اسمك مرادفاً للغة وقضية حق ومسيرة نضال شفافة نقتدي بها. اسمك وسيرتك حكايةٌ نرويها لأطفالنا، وفي ختامها وبكل فخر والتياع نقول لهم: عرفنا سماح فارساً بيروتياً عاشقاً لفلسطين، طويلاً كرمح، ثابتاً كالحق وقوياً كالإيمان بالحرية.
سلّم على أبو سماح والحكيم يا محترم، على ماهر يا مستر سماح، على سميح وعلى الأحبة والرفاق هناك. أما نحن هنا، فيهدّنا الاشتياق إلى أن نلتقي يا حبيب..

الأخبار