“سويت أمريكا”- حسن حميد

“سويت أمريكا”
كي لا يُظنّ أن حقول الشوك هي حقول عباد الشمس
حسن حميد


أعترف بأنني من عشاق النثر الذي يكتبه الشعراء، فسردهم موسيقى لا تخلو من غموض خفيف، وانتباه لزوايا لا تراها إلا العين النفوذ، وإيقاعات لنهايات وخواتيم لا يعرف أسرارها إلا الشعر، وصور لا يبارحها الجمال ولا تزايلها الألوان.
في نثر الشعراء مسرة سببها رشاقة اللغة واقتصادها، وارتطام الواقعي بالخيالي، وعبور العادي، فوق جسور لا نراها، نحو العجائبي والخارقي أو ما يسميه أهل المعرفة بالأسطوري!


نثر بابلو نيرودا (1904-1973) في سيرته، (أشهد أنني عشت ) بكورية لم يتشقق عنها الضوء بعد ومع ذلك فهي تضيء ، ونثر عزرا باوند (1885-1972)، وهو يروي ما حصل له في بلاده حين استدرج من منفاه الفرنسي، كتابة بأعواد مشتعلة، ونثر نزار قباني، وهو يكتب سيرة البيت والمكان الدمشقي، هي كتابة فوق الماء ولكنها مقروءة، لأن نورانية ما تشعّ منها، وسرد بوريس باسترناك (1890-1960) في (الدكتور جيفاغو)، تطريز باذخ بالألوان للغة لم يعرفها الحبر قبلاً.
أقول هذا، لأنني وقعت على شيء مماثل في جماله وبهرته، وأنا أقرأ رواية زينب الأعوج (سويت أمريكا)، الصادرة حديثاً، عبر طبعات متعددة، عن دور نشر عربية مختلفة؛ فأنا أعرفها شاعرة، من أهم شاعرات المغرب العربي، درستْ في الشام رفقة زوجها السارد العربي المهم جداً واسيني الأعرج الذي يحمل لواء السرد في بلاده الجزائر، وأحد أهم عشرة روائيين عرفهم تاريخ السرد العربي، كما أعرف أنها دارت في حلقات واسعة لغربة واسعة أيضاً بين فرنسا وأمريكا تحديدا في إطار العمل الأكاديمي أو ضيافة إبداعية بين “فيلاّ أورورا” و”غيتي سنتر” في لوس أنجلس التي مكثت بها زينب حوالي السنتين ارتحلت فيها عميقا في المجتمع الأمريكي.


رواية (سويت أمريكا) رواية مدهشة حقّاً لأنها رواية لا تكتبها إلا روح عاشت في المجتمع الأمريكي وعرفته حقّ المعرفة، كما لا تكتبها إلا أحاسيس اكتوت بعذاب لا تطيقه النفس البشرية، فأرادت التعبير عنه بهذه المشاهد الجارحة كي لا تفنى أو تتلاشى، كما لا تكتبها إلا ذات مهمومة بالتاريخ الجدير أن يسمى تاريخاً بشرياً، وذاتٌ لا تعرف السمو والجمال والخير إلا إذا كانت هذه القيم مشدودة إلى عالم الإنسان بعيداً عن لونه وجنسيته وعقيدته وتاريخه وموطنه!


الرواية، ومنذ البداية، تدفع إلى صدر مشاهدها أسرة أمريكية، أصولها متنوعة، أمريكية، عربية، هندية، إسلامية، مسيحية، يهودية، أفغاني. الزوج والزوجة، جيل وكايا، لديهما طفلتان متقاربتان في العمر، تحظيان بعناية فائقة، ومحبة عارمة، فنظن أنها عناية الأبوين ومحبتهما بالابنتين، لكننا نكتشف بأن الطفلتين واحدة أفغانية، والثانية يمنية، وقد تبناهما الزوجان لأسباب إنسانية عارفة بما حصل في أفغانستان واليمن.

الزوج يشتري بيتاً خرباً مهملاً، لكنه واسع جداً، وفيه كنيسة، وحديقة، كان البيت للقس مالكوم، فيقوم بإصلاحه حتى يغدو مكاناً رائعاً يأتيه الناس، ولكن المتعصبين الذين يدعون الوطنية، ويحاربون الغرباء ،لأنهم غرباء، يحاولون تهجير الزوجين وطردهما من المنطقة، ولعل قسوة أفعالهم تتجلى في خطف الابنة الأفغانية واغتصابها وقتلها، في أبشع مشهد اختلطت فيه الأحقاد العرقية والإثنية والدينية.


هذا الصراع الذي تديره مجموعة وايتسبيريت،| العنصرية، سيسر وفق تقابلية الأضداد ما بين الخير والشر، الحقّ والباطل، الفضيلة والوغدنه، وتعددية النظرات والرؤى ، كلها تسهم، عبر سيولة الأحداث والحادثات، في الكشف عن المستبطن الحقيقي للمجتمع الأمريكي الرأسمالي، وما يحفل به من متناقضات رهيبة لا تبدو جلية كما ينبغي في أكثر الأحيان.


الرواية من صفحتها الأولى إلى صفحتها الأخيرة تماشي معنى الإنسانية الذي يجعل الفرد كائناً نورانياً إن تخلى عن التعصب الأعمى لأيّ شيء، أيّاً كان هذا الشيء.


رواية “سويت أمريكا” كتبتها ذات عارفة بالمكان، والطباع، والعقائد، فأبدت لنا المضمرات والخوافي داخل المجتمع الأمريكي، والتي تشير، إذا ما استفحلت (بسبب التعصب)، إلى عواقب وخيمة. في الرواية، تغليب للحال العاطفية على العقلانية، ولا سيما في رسم النهايات والخواتيم، من أجل مثالية مبتغاة، مع أنها أحداث تدور في مجتمع مادي رأسمالي له مسننات أكول لا تحفل بالعاطفة أبداً، وقد جلتها الرواية وأبانتها تماماً لنعرف الذروة التي وصلت إليها الرأسمالية عبر ماديتها الجارحة.
الرواية (سويت أمريكا) تفصح عن قباحات التعصب ووسائله وأدواته وممارساته وغاياته البعيدة كي لا يُظنّ أن حقول الشوك هي حقول عباد الشمس!


الروائي حسن حميد


hasanhamid55@yahoo.com