شعارات الزمن الجميل – نضال حمد

كبرنا في المخيمات الفلسطينية كلاجئين أرادوا أن يصبحوا فدائيين. كبرنا ونمونا وشببنا على شعارات رنانة وكبيرة وعظيمة رفعتها وأطلقتها الفصائل والتنظيمات الفلسطينية، التي انطلقت منذ خمسينات وستينات القرن الفائت من أجل تحرير فلسطين. كانت الفصائل في ذلك الوقت تتسابق في اطلاق الشعارات الوطنية والقومية والفدائية التثويرية. كما كانت تلك الشعارات بالنسبة لنا أهم من أي شيء آخر في كتب الدنيا كلها. فحفظناها عن ظهر قلب. منها مثلاً شعارات:

– ” وراء العدو في كل مكان”.

– ” السلطة الثورية تنبع من فوهة البندقية”.

– ” ثورة حتى تحرير الأرض والانسان”.

– “ليس المهم أين تصل قذائفنا بل أين تصل أقدامنا”

– “علمتنا الجراح كيف نقاتل”.

-“حرب الشعب الطويلة الأمد والكفاح المسلح”.

– لا صوت يعلو فوق صوت البنادق

– الحقيقة كل الحقيقة للجماهير

– فداء، عودة، تحرير

-الكفاح المسلح طريقنا لتحرير فلسطين

-ثورة حتى النصر

-يا جبل ما يهزك ريح

-سيرفع شبل علم فلسطين فوق اسوار القدس الشريف

وشعارات أخرى كثيرة تربينا عليها في المخيمات والقواعد والمعسكرات وعلى سماعها وتردادها وتكرارها والتغني بها وكتابتها في كل مكان. كانت شعاراتنا صادقة والذين أطلقوها آمنوا بها وبتحرير فلسطين كل فلسطين. لكن مع مرور السنوات بدأ زمن التراجع وأخذنا نسمع عن اطلاق شعارات جديدة مغايرة تبنتها بعض الفصائل اليمينية واليسارية ومن ثم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. مثل البرنامج المرحلي الذي احتل فيما بعد مكان الميثاق الوطني والقومي الفلسطيني، الذي كان ولازال هو الأساس الجامع للكل الفلسطيني لأنه برنامج الفداء والعودة والتحرير الكامل. وغيره من الشعارات لا تجمع بل تفرق. فرفع شعار “السلطة الوطنية وحق تقرير المصير على أراضي 1967”. وتبنيه من قبل المنظمة قادنا الى اوسلو ومشتقاتها وما نحن عليه اليوم. فوصلنا الى الوقت الذي قامت فيه قيادة المنظمة بشكل غير شرعي وغير وطني بشطب أهم بنود الميثاق الوطني الفلسطيني بناء على طلب صهيوني أمريكي ومقابل لا شيء. تم ذلك في مسرحية المجلس الوطني بحضور كلنتون في غزة سنة 1996. وبعض من يدعوون اليوم أنهم ضد أوسلو صوتوا مع القرارات خوفاً من أبي عمار وسطوته في المنظمة والسلطة. والآن حالهم ليس أسهل بكثير مع أبي مازن الذي يعمل على المكشوف وعكس عرفات تماماً. ويطالبهم بالسير خلفه عالمكشوف.

حصل السقوط فيما بعد وحصل التفاوض والصلح والاعتراف وتحطمت اللاءات الثلاث بأيدي أصحاب القضية. والسقوط لازال مستمراً على حساب قضيتنا وشعبنا، والاعتراف مرت عليه عشرات السنين. فمنذ أقل من ثلاثين سنة نعيش تنسيق أمني كامل وشامل بين أجهزة أمن السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني. تطبيقاً وتنفيذاً لمتطلبات الصهاينة الأمنية التي وافق عليها الطرف الفلسطيني في اتفاقيات أوسلو وأخواتها.

التطبيع العربي الصهيوني مستمر ومتواصل ويتعزز بين الأنظمة العربية والاحتلال الصهيوني والسلطة الفلسطينية أحد أهم عرابي هذا التطبيع منذ نشأتها وحتى الآن. وهذا أحد أهم أدوارها. ألم تشاهدوا حفل استقبال الطائرة الصهيونية التي حطت في مطار مراكش المغربي قبل فترة؟. والحفلات التي جرت قبلها في مطارات دبي وأبو ظبي وفي عُمان وقطر والبحرين وغيرها من محميات أمريكا المعادية لشعبنا وأمتنا؟. يأتي هذا في وقت يعلن فيه رياضيون عرب رفضهم التطبيع ومواجهة لاعبين صهاينة في اولمبياد طوكيو 2020. ومن هؤلاء اللاعب الجزائري فتحي نورين واللاعب السوداني محمد عبد اللطيف. ترى لو جمعت القرعة لاعب فلسطيني مع لاعب صهيوني هل سوف يرفض الفلسطيني مواجهة الصهيوني؟ لا أعتقد ذلك.

أعرف أن الذين دمروا الثورة والمنظمة والقضية والوحدة الوطنية دمروا أيضاً ضمائر وذمم وعقول الكثيرين من الفلسطينيين والفلسطينيات. أعرف أن بعض الذين قدموا لأجل فلسطين أجزاء من أبدانهم وأجسادهم للأسف سقطوا في وحل الأوسلة والمنافع الشخصية. وأعي أن البعض خرج عن الخط الوطني وصاروا أبواقاً للهزيمة والاستسلام والاعتراف بالأمر الواقع. أي أمر واقع يا أولياء الدم ومن تسيرون خلفهم وقعوا على التخلي عن فلسطين لمحتليها الصهاينة؟

أتمنى من كل قلبي أن يكون أكبر عدد ممكن من هؤلاء الفلسطينيين ومن هؤلاء الجرحى والمناضلين، من الذين لازالوا ممسكين بجمر الثوابت والقضية والكفاح والشعارات التي تعلمناها منذ الطفولة في المخيمات والقواعد والمدارس والمعسكرات. أن يكونوا من الرافضين لنهج الاستسلام والصلح والتفاوض والاعتراف.  أن يبقوا ملتزمين دائماً وأبداً بما تربينا عليه في المخيم من شعارات مثل أن فلسطين هي أرض الشعب العربي الفلسطيني من رأس الناقورة في الشمال حتى أم الرشراش في أقصى الجنوب الفلسطيني. أن العمل والنضال لأجل تحريرها واجب شرعي ووطني وأخلاقي وقومي. وأنه لا يمكن تحقيق النصر والتحرير والعودة بدون ممارسة الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد، بغية هزيمة الاحتلال وسحقه في فلسطين المحتلة. فالقضية ليست حزورة ولا فزورة أنها نكون أو لا نكون.

نضال حمد

27-7-2021