شيخة العبدالله حمد – نضال حمد

يا حاجة شيخة العبدالله

يا ما صبحتيني ومسيتيني فعلى الطريق في المخيم كنت تلاقيني . أقول لك السلام عليكم يا قرابتي، فتردي عليكم السلام ورحمة الله وبركاته وتزيدي عليهم والعوافي من وين آفي ولوين لافي؟ والله كانت كلماتك يا حجة شيخة مثل قطع حلوى لذيذة وأحلى من البقلاوة والكنافة. كانت بسمتك جميلة ومعبرة وبسيطة وبريحة الصفصاف فواحة، وبريحة الأقارب والأحباب وختايرة الصفصاف والجليل وكل البلاد. لم تكن جيوبك تخلو من الطيبات وبالذات السكر فضة، فقد كانت دائما عامرة بها، وأنت كنت دائما توزعين علينا نحن صغار العائلة والحارة والصفصاف ما تيسر وتوفر لك من السكر فضة. وكنا نحن الصغار كتاكيت العيلة، نطير فرحاً بها وبك.

كنا نحن الصغار نرى سكرك الفضة وكأنه من الفضة وليس فقط مجرد سكر فضة. كنا نفرح به وبك يا شيخة الحمداوية، الصفصافية، الجليلية، الفلسطينية. يا بنت الأصالة وأبنة الجذر الحمداوي الضارب عميقاً في تربة الصفصاف. يا التي كنت من أوائل سفراء العائلة حين تناسبنا مع الأخوال في دار يونس.

لم يمكنك الله من الانجاب ولم تلدِ أطفالاً ولا بنين ولا بنات، لكن كل أطفال آل حمد ويونس وأهل الصفصاف كانوا بمثابة أطفالك. فكنت لا تفرقين بحبك بين أطفال البلدة والعائلة. كنت تحبين الجميع وتوزعين كلامك الجميل وسجعك الأصيل كما السكر فضة والسكاكر الأخرى على الجميع، ربما بالتساوي وربما في بعض الحالات كنت تميلين أكثر لطفل ما أحببته أكثر من غيره لسبب عاطفي ما، لشعور إنساني معين. كان الجميع يسعدون بك وبحديثك وبأقوالك وأمثالك وسجعك وشجاعتك وبلاغتك ولغتك. بزياراتك المتكررة لمنازل العائلة والأقارب وأهل البلدة والجيران في المخيم.

شيخة العبدالله ولدت على سفح جبل الجرمق في أعالي الجليل بقرية الصفصاف قرب صفد قبل ولادة كيان اليهود الصهاينة الغزاة بعشرات السنين. هناك عاشت طفولتها وبعض شبابها ثم اضطرت مثل كل أهل فلسطين لمغادرة الوطن على إثر النكبة سنة 1948. استقرت في مخيم عين الحلوة مع زوجها أبو حميد يونس. وكانت من نساء العائلة والبلدة المعروفات والشهيرات والمحبوبات. لا أدري في أي عام توفيت وأين دفنت. لكنني افتقدتها فيما بعد وبعد سنوات الضياع والانهيار والوداع. افتقدتها حين لم أعد أرها ولم اجتمع بها ولم استمع لكلامها الذهب وسجعها الذي تربيت عليه طفلا صغيرا. ماتت شيخة العبدالله في مخيم عين الحلوة وماتت أختها زهرة العبدالله حمد في مخيم نهر البارد شمالي لبنان. ودفنتا في الشتات في مقابر فلسطين بالمنافي والمخيمات كما آلاف مؤلفة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

كانت شيخة العبدالله بمثابة راديو الصفصاف، اذاعة البلدة وصوتها الصادح، الذي يأتي بالأخبار وينقل الأقوال وينثر الأمثال. الذي كان يقص القصص ويروي الحكايات وينشر الفرح في قلوب المستمعات والمستمعين اليها والى حكاياتها وقصصها وأخبارها ونكاتها وتأليفاتها.

كانت نادرة في ابتداع الأمثال وصياغة الكلام والجمل المنسقة والتي تدخل آذان المستمعين كقصيدة شعر. وفي هذا المجال كتب العام الفائت الشاعر الأستاذ صلاح حمد التالي تحت عنوان:

حَكواتي الصُفصاف شيخة العبد ألله

نعم . إنها شيخة عبدالله حمد أو شيخة العبد ألله ، بنت الصفصاف المعروفة بين النساء بالحِكم والآمثال والسَجع والأقوال وحتى الشعر . مميزة عن الجميع في أحاديثها وأخبارها.

شيخة العبدألله ،حفظها ألله ، زوجها الشيخ ” محمد يونس” ، أبو نجيب والد ابو حميد يونس ، لم ترزق منه اولآداً وأختها الوحيدة كانت زهرة العبدألله .

إنها حكواتي الصفصاف .صاحبةُ لسانٍ لذق وموهبة بالقول والفصاحة والحكمة ، خفيفة الظل كأمثَالها ، والمثل يحتاج الى سنين كي يصبح مثلاً .

مجموعة كلام قد تعني شيئاً او لا تعني وعليك ان تسأل ماذا وراء هذه المجموعة من الكلام ؟ أو تلك ؟ كأن تقول [غاب وجاب ] ، و [ ب تموز أقطف ( اقطع) الكوز] و ب [أًّ ب كول عنب وما تهاب]…وهكذا ..

ومثال على خفة دم شيخة العبدالله مع المرحوم زوجها أبو نجيب وقدرتها على صوغِ كلآمها بالترتيب حين تجمع كلمة ابو نجيب والقضيب والخطيب مازحةَ :

يا أبو نجيب ، ” إذا طلع من بيت البلان قضيب بيطلع من دار يونس خطيب”

واليوم يا حاجة شيخة طلع من دار الخوال يونس خطباء ودكاترة وقضبان ومهندسين … وقِس على ذلك ، شيخة ألعبدالله تمتلىء اقوالاَ وحِكماً وسَجعاً وأمثالاً.

عرفتها منذ صغري وهي تتردد الى منزلنا لزيارة والدتي وهي إبنة عمها ، وعرفتها مع أختها زهرة ألعبدألله في منزل أختي في مخيم نهر البارد عند إبن اختها ألعبد إسماعيل حمد .

عرفتها وحفظت منها الكثير من الحكم والآمثال التي أقدم اليكم هذه الباقة بكل أدب ولياقة ، أرجو ان تقبلوها:

عن الديك :

  • من قِلَّة الرجال سَمُّوا الديك “أَبو علي “
  • راح ابو عُرف مايل ، إجانا أبو قنبرة
  • كل الديوك تدكدكت ، إلاّ أنت يا أبو قنبرة

التعاون بين الأصحاب :

  • الحِمل بين الرفاقة ريشة
  • عَدَسْ بِترابو ، كل شي بحسابو
  • طول عٌمرِك يا زبيبي ، بآخِرتِك هالعودي!
  • والله ما قهرني الحرّاث ، قهرني اللي شخَّ عالمساس ( المساس قطعة حديد مثبتة على رأس خشبة او عصا طويلة بنغز بها الحيوان ليتحرك)
  • من له عُمر لا تقتله شدًة
  • الجوعان عند اهله ،عمره ما شبع مِن عند الجيران
  • مش معروف أصلو من فصلو
  • يا شايف الزول يا خايب الرجا
  • عفرِيتين عَالحيط ولا سِلفتين بالبيت
  • يا دايم الدوم كل من ( كل واحد) له يوم
  • عمل عملتو ، وأرخى شَملتوا
  • ليسَ كل ما يٌعرف يٌقال
  • يللي (الذي) بدو يلبس الدحّ ، ما بدو يقول “أح”

وإلى اللقاء مع باقة جديدة من حديقة شيخة ألعبدألله .

جمعها صلاح حمد

دبي 19/08/2020

إنتهى كلام شاعر الصفصاف أبو أشرف حمد الذي أعطاها وأوفاها حقها وهو يعرفها أكثر مني بحكم عامل السن أيضاً. رحم الله شيخة العبدالله، المرأة الهيبة، الشجاعة، القوية والجريئة، قصيرة القامة، متينة البنية. الحاجة شيخة العبدالله حمد، التي كان وجهها يشبه وجه الجرمق وكانت هي كلها تشبه الصفصاف. فقد عاشت مثل وردة من الجليل وماتت وهي تحلم بالعودة الى الصفصاف وكل فلسطين. سأبقى أذكرها وأتذكر كلامها وسكاكرها ومسبحتها وشالها ونقابها الأبيض، الذي كان يغطي رأسها وشعرها. وزياراتها لبيتنا وهيمنتها على الحديث واستماع الجميع لها بآذان صاغية ورضا ومحبة.

نور ورحمة على روحك يا حاجة شيخة العبدالله حمد.

نضال حمد

20-7-2021