أحمد أبو الكل شهيد فك الحصار عن مخيم تل الزعتر – نضال حمد

في الحارة التي تسمى التحتا في حي الصفصاف غير بعيد عن بيتنا ولد الشهيد أحمد جبر أبو الكل الذي كان يكبرني بعدة سنوات. فأنا من جيل شقيقه ابراهيم زميل مقاعد الدراسة ورفيق الحارة والمخيم وصديق الصبا والطفولة. أما أحمد المولود في سنة 1948 ولا أدري في الصفصاف في فلسطين المحتلة أم في لبنان بداية النكبة، هو وجيله من الفدائيين فقد كانوا قدوة لنا نحن الأصغر منهم سناً، والذين كنا نطمح أن نكون أيضاً فدائيين. فأعلى مراتب النجاح في تلك الأيام كانت أن يصبح الواحد منا فدائياً وأن يتمكن من حمل السلاح والدفاع عن المخيمات والقضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني في لبنان. ففي تلك المرحلة كانت المخيمات الفلسطينية في لبنان مهددة بالابادة  والدمار والحصار والفناء. لذا كان واجب كل فلسطيني الدفاع عنها وحمايتها ومنع حصارها ودمارها وإبادتها. ففي ذلك الزمن وضع الصهاينة خلف ظهر الفلسطينيين صهاينتهم في لبنان ودول عربية أخرى. صهاينة الصهاينة في الدول العربية كانوا على استعداد دائم لارتكاب المذابح والمجازر ضد شعبنا الفلسطيني ومخيماته في الشتات. على تلك الخلفية الارهابية والعنصرية، الطائفية المقيتة تم حصار مخيم تل الزعتر شرق العاصمة اللبنانية بيروت وساهمت قوى الاجرام والارهاب في حصار المخيم الطويل، ثم في القصف التدميري العشوائي الذي قامت به ميليشيات الكتائب ووحدات المدفعية من القوى الطائفية الفاشية في الجيش اللبناني، وغيرهم ممن ساهموا في جريمة العصر بالمخيم، وصولاً الى المذبحة المروعة والمجزرة البشعة التي أودت بحيوات آلاف الفلسطينييين. كل من شاركوا في حصار المخيم وقتل وذبح سكانه والمدافعون عنه مجرمون وقتلة فاشيون يجب محاسبتهم مهما طال الزمن.

يوم تحاصر مخيم تل الزعتر سنة 1976 في السنة الثانية للحرب الأهلية اللبنانية الهمجية، التي كشفت الحقد والكراهية والعنصرية والانقاسامات والخلافات المذهبية والطائفية اللبنانية، والتي عرّت المارونية السياسية المرتبطة كلياً بالمرجعية الدينية والعكس أيضاً صحيح، الحركة المارونية السياسية التي تشبه الحركة الصهيونية في كل شيء تقريباً.

في ذلك الوقت الذي كان يذبح فيه الفلسطيني على الهوية لمجرد أنه فلسطيني. كانت هناك حواجز تيارة تقيمها عصابات الارهاب والاجرام الطائفي الكتائبية وغيرها من عملاء الكيان الصهيوني في لبنان، فتقطع الطرقات وتوقف السيارات والباصات، وتعتقل الفلسطينيين وتقوم بذبحهم وقطع رؤوسهم. من تلك الحواجز الشهيرة، حاجز الدامور بين صيدا وبيروت وحاجز البربارة شمال لبنان قرب طرابلس. أتعرفون من كان مسوؤلاً عن الحاجز المذكور؟ لقد كان الفاشي المجرم أنطوان زهرا، المتهم بقتل وذبح آلاف الأبرياء على الحاجز المذكور. وهو نائب للارهابي سمير جعجع وكلاهما ارتكبا جرائم حرب ضد الانسانية.

لسوء حظ الشعب الفلسطيني المبتلي يقيادات لا تحترم تضحياته وشهداءه ومخيماته، فقد ألتقى وأتصل رئيس السلطة وفتح والمنظمة محمود عباس مع جعجع عدة مرات. كذلك فعل عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لفتح. كما التقى في غزة اسماعيل هنية رئيس حكومة غزة وحركة حماس بانطوان زهرا.. تصوروا أين؟.. في غزة. جاء زهرا الى غزة بدعوة رسمية من حماس ولا بد أن قيادات حمساوية من ساحة لبنان هي التي رتبت الزيارة ورافقته الى غزة. ألا يعرف هؤلاء من هو أنطوان زهرا؟ بالتأكيد يعرفون لكنه بازار بزنس سياسي على حساب دماء شعبنا في تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وضبية وجسر الباشا والمسلخ والكرنتينا وبرج حمود … بازار وسباق فتحاوي، حمساوي، سلطوي على اللقاءات مع ذابحي شعبنا الفلسطيني في لبنان، مع أبطال مجازر المخيمات الفلسطينية من تل الزعتر وجسر الباشا وضبية الى صبرا وشاتيلا وعين الحلوة. لو كنت مكان جعحع أو زهرا لاحتقرتهم كلهم. لماذا؟ لأن جعجع وزهرا لم يندما ولا يرغبان في فعل ذلك. كما انهما لم يعتذرا لغاية اليوم عما فعلاه ومواقفهما من فلسطينيي لبنان بلا تغيير وتزداد عنصرية واستعلاء وكراهية وتحريض ضدهم.

في العشرين من كانون الثاني يناير 1976 تم تطهير بلدة الدامور وجوارها من بلدات الانعزاليين كرد على مجزرة الكرنتينا التي حصلت يوم 18 الشهر نفسه. لحسن الحظ فقد تم القضاء على الفاشيين والانعزاليين اللبنانيين في الساحل الجنوبي مروراً بأهم حصن لهم في الدامور وصولاً الى بيروت. لتصبح طريق الجنوب بيروت خالية من أية حواجز انعزالية فاشية. ولتصبح جميع بلدات الساحل تحت سيطرة القوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية.

لكن في ذلك الوقت كان الفاشيون يحاصرون مخيمات تل الزعتر وجسر الباشا وضبية في شرق بيروت. استمر حصار وقصف مخيم تل الزعتر بلا توقف من قبل عملاء “اسرائيل” وعرب أساءوا قراءة الصراع وانحازوا للعنصريين وللطائفيين على حساب الفلسطينيين واللبنانيين العروبيين. صمد أهل المخيم صمود الأبطال. وقدموا قوافل الشهداء والتضحيات الكبيرة في ظل عجز عربي رسمي عن وقف المذبحة وفي ظل مشاركة البعض مع الفاشيين في حصار المخيم وقصفه. السؤال الذي يطرح نفسه والذي لازال يقلقني منذ ذلك الوقت، ألم يكن بمقدور الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير شن هجوم كاسح لفك الحصار عن المخيم؟

جاء في موقع المعرفة الموسوعي بالانترنت: ” يروي بعض من عاصر تلك الحقبة كالمؤرخ الراحل ناجي علوش وآخرين من الناجين من المذبحة، أن قوات منظمة التحرير استنكفت عن إنقاذ مخيم تل الزعتر. وأن ياسر عرفات ترك المخيم يواجه مصيره ولم يرسل قوات للمخيم اعتمادًا على حسابات سياسية، كان يأمل من خلالها بالتصالح مع القوات اللبنانية طمعًا بأن يصل لفتح قنوات مع جهات أوروبية من خلالهم، وفي مذكراته قال الصحفي الإنجليزي روبيرت فيسك أن ياسر عرفات كان قد رفض دعوات للاستسلام وطالب سكان المخيم بالشهادة، لكنه لم يدعمهم دعماً حقيقياً، ويقول فيسك أن عرفات كان همه تحقيق مكسب سياسي ولهذا السبب وبعد انتهاء المجزرة رمته النسوة بالحجارة خلال زيارته للناجين من المذبحة في تل الزعتر”.

لكن يقال أنه في ذلك الوقت فكرت الفصائل الفلسطينية في محاولات فك حصار المخيم عبر فتح محاور قتال عديدة في عين الرمانة والكحالة والطواحين، حيث كان الشاعر الفدائي الراحل عز الدين المناصرة قائداً ميدانياً للفدائيين في محور الطواحين. لكن للأسف لم تتمكن الوحدات الفلسطينية اللبنانية المشتركة من تحقيق التقدم نحو المخيم. ربما تكمن الاجابة فيما ورد في موقع المعرفة.

في تلك الفترة كان الصفصافي الفدائي أحمد جبر أبو الكل برفقة شوكت السعدي من بلدة صفورية ومخيم عين الحلوة، استشهد سنة 1982 في انفجار السيارة المفخخة في حي التعمير قرب معسكر أشبال فتح في مخيم عين الحلوة في الثالث عشر من شباط 1982. في نفس الانفجار استشهد القائد الفدائي الميداني المحبوب في جبهة التحرير الفلسطينية، الرفيق نادر قدري فزع – أبو كفاح فهد-. كذلك استشهد الجار محمد صابر الخطيب من بلدة الرأس الأحمر وشخص رابع نسيت اسمه الآن. كان أحمد  ضمن مجموعة من الفدائيين كانت تحاول اختراق حصار مخيم تل الزعتر سنة 1976. ذهب الشاب أحمد في مهمته دون أن يخبر والديه بأي شيء عنها لكنه منذ ذلك الوقت لم يعد من تلك المهمة الاستشهادية. فقد سقط على ما يبدو شهيداً وهو يحاول فك حصار مخيم تل الزعتر. على ما اعتقد بعد استشهاده نعته حركة فتح. سوف تبقى صورة الشهيد أحمد أمام عيني مدى الحياة لأنه كان جارنا وابن بلدتنا وكان فدائياً شجاعاً قدم حياته لأجل شعبه وقضيته وأمته وفلسطينه.

المجد والخلود للشهيد أحمد جبر أبو الكُل ولكل شهداء شعبنا وأمتنا وقضيتنا.

نضال حمد

أحمد أبو الكل شهيد محاولة فك الحصار عن مخيم تل الزعتر – نضال حمد

 

16-4-2021

هنية وزهرا في غزة

عزام الأحمد وسمير جعجع

عباس وجعجع في بيروت