عدنان يرحل الى غسان – نضال حمد

غيّب الموت يوم أمس الموافق 23-7-2019 في دمشق العروبة، الكاتب والأديب الفلسطيني عدنان كنفاني، شقيق الشهيد المبدع والأيقونة الفلسطينية غسان كنفاني.

اختار أم لم يختار عدنان موعد رحيله ليس مهماً لكنه رحل في شهر رحيل كبار الثقافة الفلسطينية، وكبار المواجهة ووقفات العز. ففي هذا الشهر اغتيل شقيقه العظيم غسان على أيدي الموساد الصهيوني في بيروت سنة 1972 . وفي هذا الشهر أيضاً أطلق الرصاص الصهيوني أو المتصهين على الشهيد الفنان المبدع والمتألق ناجي العلي في لندن. وفي شهر تموز استشهد الشاعر الفدائي عبد الرحيم محمود وهو يحمل روحه على راحته، في مواجهة الصهاينة، ليرحل بطلاً وشهيداً في المعركة، حيث كان أول من طبق شعار (بالدم نكتب لفلسطين)، فكتب بدمه لا كرامة بدون مقاومة، كتب ذلك في مواجهة الغزاة الصهاينة في بلدة الشجرة في فلسطين سنة 1948.

أيضاً يوم 22-7-2019 وهو نفس يوم اطلاق الرصاص على الفنان ناجي العلي رحل عن عالمنا القائد الجماهيري والشخصية الوطنية الكبيرة، بسام الشكعة. اختار عدنان أن يرحل في شهر الكبار، شهر المقاومين الأوفياء والشهداء لأجل عروبة فلسطين. شهر شهداء الثقافة المنتمية لكامل التراب الوطني الفلسطيني، المتمسكة بكل ذرة تراب من أرض الوطن المحتل. الرافضة للصهاينة والمستعمرين، المنحازة للجماهير وللثورة المستمرة.

تعرفت الى عدنان كنفاني نهاية سنوات التسعينات من القرن الفائت، وعملنا معاً على نشر الوعيّ المقاوم وثقافة المقاومة، على درب شقيقه المعلم غسان. وكانت تجمعنا بعض الصحف الفلسطينية والعربية والمواقع الالكترونية، التي بدأت العمل للتو في زمن الكتابة الالكترونية. وكان عدنان من كتاب موقع الصفصاف منذ بداياته الأولى نهاية سنوات التسعينات من القرن الفائت. قبل ذلك تعاونا معاً في مجلة فلسطين الالكترونية، للصديق الأديب الفلسطيني عادل سالم، حيث تعتبر هذه المجلة الالكترونية من أوائل الصفحات الفلسطينية التي بدأت عملها في الشتات الفلسطيني.

في النصف الأول من سنوات الألفين التقيت بعدنان في دمشق، وكنا يومها أنا والصديق الأديب الفلسطيني الكبير رشاد أبوشاور نقوم بزيارة عمل في الشام. حضر اللقاء في مقهى الروضة الشهير الصديق السياسي الفلسطيني ياسين معتوق، بالاضافة للشاعر الراحل عبد الكريم عبد الرحيم – أبو مصباح -. بعد ذلك توجهنا جميعا بواسطة وسيلة نقل شامية شعبية تشبه الميني اوتوبيس. وأذكر أنني عانيت يومها من أجل الصعود الى الحافلة. المهم توجهنا الى منزل عدنان كنفاني، ولم أكن أعلم أنه نفس المنزل الذي عاش فيه المبدع غسان كنفاني. سررت جداً عندما علمت من المتحدثين وخاصة عدنان وياسين عن المنزل وغسان وعمله من هذا البيت الشامي العريق. بعد عودتي من دمشق الى اوسلو كتبت نصاً بعنوان ( في بيت غسان كنفاني).

اقتطف منه التالي:

( في هذا المنزل، الذي يعيش فيه الآن، الصديق والزميل الأديب عدنان كنفاني، شقيق الراحل غسان، جلسنا نتحدث عن فلسطين والأدب والثقافة وحق العودة والمقاومة، وعن الهموم العربية الكبيرة والأحمال الثقيلة. ارتشفنا شاياً مثلما كان يفعل غسان في المنزل الذي لم يعوض المنزل الأول في فلسطين. تعرفنا على الغرفة التي كانت تشهد دورة الحياة عند الأديب الفقيد. فهناك كانت بدايات غسان، طلته وطلعته. أما تلك الجدران الصامتة، التي تسمع ولا تنطق فقد عرفت الشهيد عن قرب، واستطاعت معرفة أسراره المتواجدة في كل شيء من حولها. هناك بين جدران البيت وتحت سقفه كانت العشرة لسنوات طويلة، وكان غسان ومعه عدنان يعدان العدة للعودة إلى المنزل الأول. )

تصادف وجودي في بيت عدنان كنفاني مع ذكرى استشهاد غسان، الأديب والمبدع والإنسان والروائي والفنان. في منزل آل كنفاني حدثنا الزميل عدنان عن المنزل والجدران والأبواب والشبابيك، قائلا أن كل شيء في هذا البيت فيه رائحة غسان وذكراه. وفي ذلك المنزل الشامي، العكاوي، الفلسطيني، السوري، ستبقى ذكرى غسان وعدنان، تفوح منه ومنها رائحة ثقافة المقاومة والتحرير والعودة.

في يوم من الأيام قبل سنوات طويلة من الآن، اتصلت بي مستعربة بولندية وطلبت مني أن أزودها بنسخة الكترونية عن رواية برقوق نيسان، للشهيد غسان كنفاني، والرواية كما نعلم لم تكتمل بسبب استشهاد غسان. كانت الصديقة المستعربة تريد ترجمتها لتغني بها مكتبة بلادها. بعد بحث مضنٍ وجاد في الغوغل والوسائل الالكترونية لم أعثر على نسخة الكترونية من برقوق نيسان. فأتصلت بعدنان وأخبرته عن الطلب، فما كان منه إلا أن سهر ليلة كاملة على نقل الرواية الى ملف وورد اتاشمنت لعمل نسخة الكترونية، ثم أرسلها لي فجراً بعد الانتهاء من تدوينها. هكذا كان عدنان جاداً ومثابرا في عمله. ولا يتعب لأجل فلسطين.

بقي عدنان كنفاني وفياً للقناعات وللمبادئ ولفلسطين الكاملة، لعكا، ويافا وحيفا واللد وصفد وطبريا وكل الساحل والجليل، ولكل فلسطين ومساحتها البالغة 27 الف كلم غير القابلة للتعديل أو للتبديل.

بقي حارساً من حراس ثقافة المقاومة التي كان شقيقه غسان أحد أهم أعمدتها الأساسية الأولى بعد النكبة. لم يتبدل ولم يتغير ولم يحد عن درب العودة والتحرير والتعبئة القومية. رحل ممسكاً بجمر القضية ومتمسكاً بثوابتها القومية.

نشر الصديق عدنان مجموعة من الكتب القصصية، ولازلت احتفظ ببعضها في مكتبتي. ستبقى أعماله شاهدة على ثقافته وعروبته وسلامة نهجه السياسي وانتماؤه الوطني ورفضه المطلق للذين قزموا ورخصوا وسفهوا قضيتنا الوطنية والقومية.

رحيل الأديب الفلسطيني عدنان كنفاني

عدنان يرحل الى غسان

بقلم نضال حمد 24-7-2019