الأرشيفثقافة وفن

عن الصديق الأديب أحمد أبو سليم في اليوم الأربعين على رحيله

خسارة مبدع ملتزم متعددة المواهب

توفيق أبو أرشيد
لا أعرف كثيراً عن المدى الذي وصله أحمد ابو سليم بالموسيقى وان كنت أظن انه كان يطوّر من عمله وقدراته على العزف ليكمل جملته الادبيه التي لا تكتمل إلا بالموسيقى. عقلٌ ووجدان تفتح على الشعر وفلسطين والاسئله الفلسفيه الحارقه, فتىً ولد ونشأ لاجئاً يحاصره تحدى الفقر وضجيج الحياة وحيثيات الصراع على وطنٍ فقدناه للتو. أدرك مبكراً مثل جيل آباءه – المتأخر قليلاً – حاجته للمعرفه فانهمك بالقراءه مدفوعاً بأحساس ضرورة الاشتباك, تلك السّمه التي أستحكمت بجيل مرحلة الشباب بعد هزيمة حزيران متلازمة مع الانفتاح على الافكار الثوريه اليساريه في العالم.
عند شباب فلسطين, أياً تكن معتقداتك الفكريه وموهبتك او هوايتك لا تستطيع مقاومة نزعة الاشتباك ضد (عدوٍ قاتل ) أخرجك من ديارك , وهكذا وجد الفتى نفسه يمتشق السلاح ويقاتل في جبل لبنان بعد الاجتياح مباشرة وقد أنهى للتو ثانويته العامـــه بالزرقاء الاردنيه. وثّق أدبياً تجربته الهامه هذه في أولــى رواياتــه ( الحاسه صفر ) وقد طاف على مجل اوضاع الفلسطينيين بلبنان الاجتماعيه والانسانيه والنضاليه أثر الاجتياح الصهيوني للبنان في العام 1982 .
ومن مفارقات حياته انه ذهب للاتحاد السوفيتي لدراسة الهندسه ولكنه تخرّج من روسيا يلتسين وقد عايش الفوضى التي وقعت بها تلك البلاد بعد السقوط الرهيب لدوله عظمى ووثق ذلك أدبياً أنما جزئياً في روايتة ( بروميثانا ), وقد وعدنا ان يستكمل رصد هذا الحدث الخطير في روسياً ولم يسعفه القدر. عاد للأردن وسعى لقوت عيشه ينحت بالصخر كمهندس لم يساعده أحد بوظيفةٍ مريحه.
بيد أن الشعر والادب والسعي للمعرفه والارتباط العضوي بفلسطين وقضيتها هي مأثرة أحمد الكبرى. بدأ شاعراً وأتجه للروايه ليقول ما لا يمكن للقصيدة ان تكشفه. واهتم بتكنيك الروايه وأستهدى الى شيئ من الغرائبيه في أبداعها, ومع ذلك لم ينتج أيٍ منها دون تجربة شاقه ومحسوسه . ذهب مع شخصياته وأبطاله الى دير ياسين والقدس وحيفا وعايش الاماكن والناس وحياتهم ومآسيهم. كان أهتمامه بالفيزياء النظريه وبالخصوص ميكانيكا الكم لافتاً ولاقت غرائبيتها أيضاً هوى عنده. كيف للتراكب الكمي والتشابك الكمي ان يكون حقيقة الحياة التي نحياها ؟ أعرف فلاسفه كثر قد تعاملوا مع الفيزياء وتحدياتها ولكني لا أعرف أديباً سوى أحمد ابو سليم غاص وحاول ان يستوعب مكانيكا الكم . كان مثيراً وملهماً له ان يكون الجسيم في أكثر من حالة فيزيائيه بنفس الوقت كما تخبرنا النظرية, وكيف لجسيم مثل الالكترون ان يشتبك ويقترن بجسيم آخر متفاعلاً معه لحظياً حتى لو أبتعد منه مئات السنوات الضوئيه ؟ أذ مات أينشتاين بحسرته وهو يحاول دحض هذه الحقيقه الاخيره ولم يتمكن. كان أحمد على أطلاع بالجدل الفيزيائي الذي أثارته ميكانيكا الكم ودلالاتها الفلسفيه. كان مهتماً بكتاب مثير حول تداخل الصوفيه بمكانيكا الكم وقد تداولناه مترجماً صادراً عن دار نشر سوريه.
تابع أحمد بشغف المناضل الانتاج الادبي للأسرى عند العدو الصهيوني وقدمه مع رفيقيه الادباء ( صلاح ابو لاوي وعبد السلام صالح ) وبتشجيع كبير من رشاد ابو شاور رحمه الله. كان حريصاً على رعاية أدبهم ومناقشته ونشره وتقديمه الى القارئ العربي.
أي خسارةٍ هذه لمبدع ومناضل في ذروة عطائه! انها خسارة كبيرة لعمان وللزرقاء لفلسطين وللقدس ولغزه في زمانها هذا.

توفيق أبو ارشيد

31 تموز – يوليو 2025