عن “بوسطة عين الرمانة” والحرب الأهلية اللبنانية والعداء للفلسطينيين في لبنان – نضال حمد

عن “بوسطة عين الرمانة” والحرب الأهلية اللبنانية والعداء للفلسطينيين في لبنان – نضال حمد

في الثالث عشر من شهر نيسان الجاري تحل ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية التي فجرتها عصابات مسلحة تابعة لحزب الكتائب اللبنانية، ومجموعات أخرى حليفة لها، وحليفة للعدو الصهيوني، أسست فيما بعد ما يعرف بالقوات اللبنانية الفاشية الارهابية، التي قادها الفاشي بامتياز بشير الجميل، والتي يقود حزبها في هذه الأيام المجرم أيضا بامتياز سمير جعجع.

في 13 نيسان 1975 شنت مجموعة إرهابية من مسلحي آل الجميل وأعوانهم هجوما دمويا على ” بوسطة عين الرمانة” التي كانت تقل فلسطينيين عائدين من بيروت الغربية الى مخيم تل الزعتر في بيروت الشرقية. فقتلوا وجرحوا جميع ركاب الحافلة معلنين بذلك بداية حربهم على التعايش بين الطوائف في لبنان وعلى الوجود الفلسطيني في بلاد الأرز.

قبل ذلك كان هؤلاء يجهزون لحربهم الهمجية ولتحقيق حلمهم الانعزالي بالانقضاض على عروبة لبنان أو بالانسلاخ عنه عبر إقامة دويلة فاشية (مارونية) تابعة وحليفة للغرب وللكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة. وجد هؤلاء ضالتهم لإشعال الحرب الأهلية بالوجود الفلسطيني في لبنان. مستغلين بعض التجاوزات التي كانت يرتكبها أفراد تابعون لفصائل العمل الوطني الفلسطيني.

هؤلاء الانعزاليون هم الذين كانوا يتعاونون سراً ثم صاروا يتحالفون علانية مع الكيان الصهيوني ويسهلون له مهماته في الهجوم على الفلسطينيين واغتيال قادتهم في لبنان كما حصل في عملية فردان ببيروت واغتيال القادة الثلاث أبو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر في العاشر من نيسان 1973..

كما هناك عمليات أخرى تورط فيها هؤلاء القتلة الذين لم يروا ولا يرون في أنفسهم عربا ويكنون عداءا بغيضا لكل شيء له صلة بالعروبة. وبحسب ما قرأت في مواقع انترنت منوعة وفي بعض المقالات أن علاقتهم بالصهيونية تمتد الى ما قبل النكبة. علاقة البطريركية المارونية في لبنان بالقادة الصهاينة. ومن هؤلاء من باع أراضي وأملاك في فلسطين لليهود الصهاينة.

أثناء الحرب الأهلية لم يوفروا من القتل والتنكيل والذبح على الهوية حتى إخوتهم اللبنانيين من المسلمين واليساريين وكذلك المسيحيين العروبيين فقاموا بارتكاب المجازر بحق هؤلاء كلهم. كما أنهم لم يرحموا الفلسطينيين المسيحيين في لبنان إذ حاصروا وأسقطوا مخيمي جسر الباشا وضبية شرق لبنان بداية الحرب، وارتكبوا الفظائع فيهما، حتى أن راعي كنيسة المخيم في ضبية لم يسلم من إجرامهم حيث قتلوه ذبحاً في كنيسته فقط لأنه فلسطيني.

أما جريمتهم الكبرى في مخيم تل الزعتر الذي قاتل وصمد صمود الأبطال الأسطوريين سوف تبقى شاهدا على همجيتهم و بشاعتهم وعدوانيتهم وكراهيتهم للفلسطينيين. فقد ارتكبوا في تل الزعتر أبشع الجرائم التي عرفها التاريخ الإنساني حيث سقط آلاف الضحايا الفلسطينيين وتم تدمير المخيم وارتكاب مذابح ومجازر بشعة فيه. لمن يهمه الأمر يمكن الاطلاع على عدد من المؤلفات التي نشرت لبعض الأشخاص الذين عاشوا الحصار والمذبحة. مثل الدكتور يوسف عراقي المقيم في النرويج وكتابه القيّم (يوميات طبيب في تل الزعتر)..

والكتاب الهام “حكايتي مع تل الزعتر” للدكتور عبد العزيز اللبدي وكذلك كتاب (تل الزعتر قصة البطولة والمأساة) الممرضة السويدية إيفا شتايل زوجة الشهيد القائد الفدائي يوسف حمد في تل الزعتر والتي عاشت الحصار فقدت جنينها ويدها في المخيم.

يقال أن بشير الجميل الذي أراده كل من الارهابيين الصهيونين بيغن وشارون أن يكون رئيسا للبنان المحتل بعد حصار بيروت سنة 1982، كان يحتفظ في صندوق سيارته الخاصة برؤوس مقطوعة لبعض الفلسطينيين قام بفصلها عن أجساد الضحايا بنفسه.

رغم بشاعة الانعزاليين وأساليبهم الفاشية الإجرامية الصهيونية النازية فإن الحلم الانعزالي الصهيوني دفن تحت أنقاض المقر الحربي للقوات اللبنانية يوم 14 أيلول 1982. حيث دمر انفجار عبوة ناسفة (زرعها البطل السوري القومي الاجتماعي حبيب الشرتوني) المقر على من كانوا مجتمعين فيه، برئاسة الارهابي الفاشي بشير الجميل الذي نَفَق على الفور. انتقاما لمقتل بشير وتكملة لمشروع شارون القاضي باحتلال بيروت الغربية بعد أن عجز عن تحقيق ذلك خلال حصارها طيلة 88 يوما، وبعد انسحاب قوات منظمة التحرير الفلسطينية منها، تقدمت ليل 14 أيلول – سبتمبر 1982 القوات الصهيونية ومعها قوات الجبهة الانعزالية اللبنانية نحو بيروت الغربية، فأرتكبوا مذبحة صبرا شاتيلا التي ذهب ضحيتها آلاف من المدنيين، اللاجئين الفلسطينيين وعشرات المواطنين العرب واللبنانيين من فقراء بيروت الذين كانوا يسكنون في المخيمين.

بالطبع سمير جعجع وغيره من أركان وقادة الجبهة اللبنانية، كما المقتول فيما بعد ايلي حبيقة، بعد توبته، كانوا من المخططين والمنفذين للمجزرة. كما أن سجل سمير جعجع مليء بالاغتيالات والتصفيات والمذابح التي طالت الفلسطينيين واللبنانيين على مختلف انتماءاتهم وطوائفهم حتى انه قام بتصفية المئات من أعضاء الجبهة اللبنانية ومعارضيه أثناء سيطرته على قيادة القوات اللبنانية وخلال حربه مع أيلي حبيقة ومعارضيه الآخرين في بيروت الشرقية دويلة الانعزال والانفصال والموساد الصهيوني في لبنان. وقد ذكرت ريجينا صنيفر مقاتلة سابقة في القوات اللبنانية ومعجبة سابقة بسمير جعجع في كتابها ( ألقيت السلاح – امرأة في خضم الحرب اللبنانية) الكثير من جرائم سمير جعجع.

كيف حصلت المجزرة في عين الرمانة؟

يوم 13-4-1975 كانت مجموعة من الفلسطينيين عائدة الى مخيم تل الزعتر من مهرجان الذكرى الأولى لعملية الخالصة – كريات شمونة- الذي أقين في بيروت التي صارت تعرف بالغربية خلال سنوات الحرب الأهلية. وصلت الشاحنة التي كان يقودها سائق لبناني يدعى مصطفى حسين والذي نجا من المجزرة بإعجوبة رغم إصابته بجراح. في ذلك المكان كان الكتائبيون نصبوا عدة كمائن مسلحة وعندما وصل البوسطة الى مرمى نيرانهم أمطروها بالرصاص من كل الجهات ففأصابوا جميع ركابها، ثم صعدوا الى البوسطة وأجهضوا بالرصاص على جميع الجرحى. في هذا الوقت كان السائق مصطفى حسين اصيب بجراح وتوارى تحت البوسطة. استشهد في المذبحة 26 فلسطينياً. في ذلك الوقت كان الفاشي بيير الجميل مؤسس ورئيس حزب الكتائب ووالد الارهابي الفاشي بشير الجميل يحضر حفل افتتاح كنيسة في عين الرمانة. إدعى زوراً الكتائبيون أن الفلسطينيين اطلقوا الرصاص من البوسطة لاغتيال بيير الجميل فأصابوا مرافقه جوزف أبي عاصي وأردوه قتيلا. لكن الفلسطينيين رفضوا الرواية الكتائبية واعتبروا أ، الجريمة كانت معدة ومخطط لها مسبقاً، حيث كانت النية ارتكاب مجزرة واشعال الحرب في لبنان.

في اثناء البحث على غوغل عثرت على المقابلة التالية مع رضا مصطفى حسين نجل سائق البوسطة:

” يروي رضا نقلاً عن ذاكرة والده الذي توفي أنه في ذلك اليوم كان الوالد، مصطفى حسين، متوجهاً إلى منطقة صبرا ليقلّ مجموعة من الركاب عندما أوقفته مجموعة فلسطينية وطلبت منه أن يقلّها إلى “مخيم تل الزعتر”. ومع أن البوسطة تتسع لعدد محدد من الركاب إلا أن من صعدوا فيها بلغوا ضعف هذا العدد. قرّر والده أن يختصر الرحلة بين غرب بيروت وشرقها، فقاد البوسطة عبر منطقة “عين الرمانة” حيث وقعت المجزرة.

أصيب مصطفى حسين برصاصتين. اخترقت الأولى كتفه ومسحت الثانية طرف رأسه. عندما أدرك أنه علق في كمين عسكري خاف من أن تشتعل البوسطة بمن فيها فأغلق صمّام خزان الوقود وزحف بجسمه إلى أسفل البوسطة. اختبأ تحتها ينتظر مصيره. فالمسلحون، وبعدما أطلقوا النار على ركاب البوسطة اقتربوا منها وأطلقوا النار مجدداً على المصابين ليتأكدوا من مقتل الجميع.

خلال إصعاد الجثث إلى سيارة إسعاف تابعة لبلدية المنطقة، في وقت لاحق، طلب أحد المسعفين من مصطفى حسين أن يمثّل دور الميت كي يتمكن من النجاة بحياته. لكن شيئاً ما قد حصل فتحرّك مصطفى. لاحظ أحد المسلحين ذلك فأطلق النار على الإسعاف التي همّت بالانطلاق. لكنّه أصاب نافذتها فأصيب مصطفى حسين مجدداً جراء الزجاج المتناثر. لكنّه نجا في ذلك اليوم.

عولج مصطفى من إصابته والتأمت جراحه، لكن جراحاً أخرى كانت قد بدأت تتفتّح. لم يقد البوسطة بعد ذلك اليوم. تولّى هذه المهمة شقيقه ومن ثم ابنه رضا.”
منذ بوسطة عين الرمانة ولغاية يومنا هذا لازال الفلسطينيون في لبنان يدفعون ثمن عنصرية وفاشية بعض اللبنانيين وانحيازهم الوقح والعلني الى جانب الكيان الصهيوني وتحالفهم معه ضد الفلسطينيين. كما مازالت الدولة اللبنانية تسن قوانين عنصرية وتمييزية ضد الفلسطينيين. لولا وجود لبنانيين وطنيين وقوميين ويساريين ومقاومين لقلت أن بعض أجزاء من أراضي لبنان هي مستعمرات صهيونية تحكمها قطعان المستوطنين الفاشيين ومرجعايتهم الدينية الطائفية والفاشية، التي تتلكم اللغة العربية  لكنها تتمنى لو أنها تستبدلها بالفرنسية أو بالعبرية.

 

نضال حمد

13-4-2021