عودة سيد المعنى الى “قنير”- مصطفى عبد الفتاح  

عودة سيد المعنى الى “قنير “

قراءة في ديوان ناصر الشاويش 

“انا سيد المعنى”

بقلم: مصطفى عبد الفتاح  

نلتقي بذكرى نكبة الشَّعب الفلسطيني، لتبقى صفحاتها مشرَّعة حتى يُغلقها آخر شهيد أو سجين، ويوقّعون على ميلاد استقلالهم بحبر تضحياتهم. هذا النَّوع من الاشهار لاعمال أدبيَّة في قرية الاديب، أو في مكان وقوع أحداث الرواية، أو العمل الادبي، ليس جديدًا فقد بدأ ت الفكرة بروايتي الأولى، ” عودة ستي مدللة” الصفورية، وأقيم على أرض صفوريَّة المهجَّرة ، وتلاه رواية “ياسين” للاديب احمد أبو سليم في قرية دير ياسين، حيث جرت احداث الرواية، وفيها جرت المذبحة والتهجير، وها نحن نلتقي اليوم، والجديد ان لقاءنا في ذكرى النكبة الرابع والسبعين ، على ارض”قنير” القرية المهجرة  لاشهار ديوان ابن قرية قنير، الاديب الرائع والمقاوم الصلب، في وجه كل التحديات، الأسير ناصر الشاويش. 

ناصر الشاويش، هذا الشاعر المرهف، مسكون بقضيته ويعيش احداث وتفاصيل نكبته، وهو ملتصق بهويته، مجبول بالنّضال من أجل عدالتها، تلاحقه كظله، تكاشفه بعد كل فعل، تطرح عليه أكثر الأسئلة الحاحًا، تعاتبه على كل هفوة، يقف بوجه الرّيح، ويقاوم بصدره العاري، ينظر اليها من خلال ذرات تراب الوطن، وبقايا تراثٍ دمّرته أيدي الغدر، فحفظه برمش العين، واحيانًا ينظر اليها من خلال تاريخٍ كتبوه له بحبرٍ سري، ولغة مزَّقتها سنين الاغتراب، فيمسك ريشته ويخط تاريخه بدمه القاني، فيفجِّر بركان غضب في وجه مغتصبيه.هو يعرف ان كتاب النكبة لن يغلق حتى يوقع بدم آخر شهيد ، وبقلم آخر اسير في سجن الاحتلال.  

قد يظن البعض أنَّ الفلسطيني، يعيش في الماضي أو يحن اليه، مسكون بالنوستالجيا، أو ترف الحنين إلى الماضي، وهو يحاول سرد روايته المغمَّسة بتراث الشَّعب وتراب الوطن، فالمكان والزَّمان لا يلتقيان الا على ارض فلسطين، فهما بوصلته الأولى نحو تصحيح عجلة التاريخ التي حرف مسارها او أوقف دورانها لصوص التاريخ بفعل النكبة. وبما ان كتابة التاريخ يكتبه المنتصر ويزينه كما يشاء بدم المهزومين وبعثرات الحروب ودمار الوطن، فقد استعاض عنه الفلسطيني بترتيب أوراقه من خلال إعادة كتابة روايته، وترتيب أوراق الحكاية، كي يستطيع أن يلتصق بحاضره وأن ينظر إلى مستقبله. 

جئنا الى “قنير ” لنحقق حلمه، ولنرسم خيوط عودته، لنخفّف عنه وطأة سؤاله:

 ” ما زلت اسال حائرا ، 

ماذا وراء الباب يا حريتي،؟

 فالضجيج وراء سور السجن يعلو من جديد” ص 19. 

حُلمه أن يرى وطنه حرًا، وينعم فيه أطفال فلسطين، حلمه  أن تُغطّي الصَّحفيّة المغدورة الشهيدة شرين أبو عاقلة أخبار مخيم جنين، وكل فلسطين، دون ان يخترق جسدها رصاص الاحتلال الغادر. وبين أسير وشهيد يبحث عن وجه الله في قنير، ليحقق السَّجين حُلمه بالعودة، وينام الشّهيد مرتاحًا في وطنه. 

بصلابة الفلسطيني الجبَّار وبقوة إرادته وتصميمه، استطاع ناصر الشاويش، أن يحول السجن الى مدرسة، فتعلَّم وتخرج داخل السجن ونبغ في كتابة الادب والشعر، المجبول بالنضال ومن اجل الحرية، واستطاع أن يدق جدار الخزَّان رغم أنف السجان، استطاع أن يطل من خلف القضبان بعلمه بثقافته، بوعيه، وبشعره المقاوم، فكان حرًا طليقًا في سماء الوطن لا تثنيه قوة الاحتلال، ولا تردعه يد السجان، فكانت له رحلة مع الشعر  المقاوم والرّسم الجميل، ومن إصداراته  “طقوس تمّوزيّة”، “للقيد ذاكرة وخنجر”، و”ذاكرة البنفسج”  واليوم، ها هو يسكب عصارة فكره في ديوانه الجديد، الذي نحن بصدده،” انا سيد المعنى” وقبل أن يهديه إلى أعزّ النَّاس اليه، واقربهم إلى روحه وقلبه، قبل والديه واخوته، وقبل زوجته وابنائه، يهديه الى  الحرية التي يحب، وفي مقدمتهم شهداء فلسطين، ولجميعهم يصلي ترانيمه الكنعانية، من انجيل الثورة، كما جاء في الاهداء .

في حواره المفتوح مع الحرية ، يطلق لخياله العنان، يطرح بصدق العارف، وبعمق الشعور ، أسئلة الوجود، يطرح آهات القلب وتساؤلات الثائر على المسلمات فيقول:

ماذا وراء الباب يا حريتي ؟ ماذا وراء الباب؟

شمسي التي اغتيلت وراء الأفق

ام فرحي الذي لفوه في كفن  الظلام 

وطوقوه بكل اشكال العذاب؟

ام ترى عشقي لعينيك الذي

يمتد من رحم التراب الى نهايات البنفسج 

والعلا فوق السحاب؟ 

وبنهي قصيدته بتساؤل يقض مضاجعنا ويوقظ وهمنا ، ويشعل افكارنا، ويتركنا نتالم لالمهم بصمت:

هل يعلم الاحياء ما وجع السلاسل حول 

اعناق الرجال

بظلمة الليل البليد؟ 

ويتنقَّل الشّاعر في ديوانه من موضوع إلى آخر، وفي مناسبات عديدة، وهو يُفرد فيها عُصارة فكره ، وجمال شعره، ويسكب فيه روحه الشفافة الحرَّة المحلقة دومًا في سماء الوطن، بشعر يخاطب العقل والقلب ، يداعب الشعور برقة الشاعر وعمق تفكيره، وكأنَّه خُلق لهذه المهمة، وعندما يصل به الحنين إلى الوطن، تبقى قريته وجذره الأول “قنير” هي مركز العالم، وتبقى سنديانته المعمرة الباسقة فيها هي الشجرة المقدسة التي يحلم بالعودة اليها، هي الشاهد على تاريخه، وهي الحافظ لسر نكبته، فهي تعيش في ذاكرة الإباء والاجداد ولا تبرح خيال حريته المشتهاة.

“وبساحة البيت العتيق… يقول… 

كانت سنديانتنا تعانق ليل دبكتنا وسهرتنا. ص 88 ”  

في نقوش على جدار الذَّاكرة يصف الشّاعر قريته باسهاب:

 ” فيها حمام الدور فجرا يتالق سربا، 

ويرسم لوحة بسمائها،

 فيحط سربا بعد اخر في بيادر قمحها عند الأصيل،

 فيها الطيور الصادحات وهمهمات حمامها الرقطي،

 تجعل كل مصغ، يرتدي ثوب الخشوع مسبحا لله ، 

خالق كل شيء ليس تدركه العقول

 جميلة هي بلدتي” ص 59 

ويستطرد في الوصف لبلدته كما ارتسمت في خياله:

” يكفيك رشفة ماء من ابارها ، 

لتعود تطلب باشتهاء ماءها العذب

 الذي، يسري بحلقك مثل ماء السلسبيل ، 

هي تلك قنير الجميلة في مفاتنها ، 

وسحر مروجها ، 

بلدة تعيش على نقوش الذاكرة. “ص 60

وفي ذاكرة البنفسج يحلق ناصر الشاويش في سماء قريته ليرسم صورة القرية كما وصفها له ابيه واجداده، ليؤكد ان الأبناء لا ينسون تاريخهم وقضيتهم وعلى درب الإباء ماضون فيقول:

وابي على الأوراق يرسمها لنا

من اسفل الجبل المحاذي للبيادر

كنت الهو تحت قبعة السماء 

كاي طفل عابث

وبساحة البيت العتيق …. يقول…… 

كانت سنديانتنا تعانق ليل دبكتنا 

وسهرتنا 

وتنشد روعة الفلاح للاقمار

فلاي ذاكرة ترانا ننتمي… ؟ 

هي تلك قنير الجميلة هندستها 

يد الطبيعة لوحة سحرية 

والان صارت محض ذاكرة 

وصارت ارض مجزرة … ومقبرة

وصاروا أهلها….. 

في التيه بين خيامهم ولجوئهم

يستذكرون هوائها…. وترابها … 

وكرومها 

والسنديان 

قنير قوقعة المحار ….

هي خطوة من عمرنا … 

ويمر هذا الليل يا قنير قومي 

من رمادك…. 

قد قام الهجر بين ضلوعنا ستين موتا 

فاشعلي الذكرى رسوما يحتضنها الليل في وجع الجدار ” ص 91 – 88

بهذا الشعر وبهذه الإرادة والعزيمة التي يتمتع بها ناصر فان ليل النكبة ستمحوه إرادة المناضلين وشمس الحرية قريب قريب، ويبقى ناصر سيد المعنى وسيد القصيد. 

القيت يوم 15.5.22 على ارض قنير 

في حفل اشهار ديوان ناصر الشاويش